Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بارا... مدينة سودانية هجرتها الحياة وسكنتها الجثث

تزايد أعداد المفقودين ورائحة الموت تنتشر مع تكدس عشرات القتلى في الشوارع والمنازل

مطالب بالتحرك الفوري والجاد لوقف الانتهاكات وفتح ممرات آمنة للمدنيين في مدينة بارا (أ ف ب)

ملخص

في غياب أي وجود طبي أو إنساني أو رسمي، تحولت مدينة بارا بشمال كردفان إلى مدينة أشباح وأطلال بنيات شاخصة من دون حياة تفوح منها رائحة الموت والجثث المتعفنة وتسكنها الكلاب والقطط التي تتغذى على الجثث التي تملأ الشوارع وتتكدس داخل المنازل أيضاً.

بينما كان العالم منشغلاً بما يجري من فظائع في مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، كانت مدينة بارا، إحدى كبريات مدن ولاية شمال كردفان، تئن خلف الأضواء تحت وطأة مأساة إنسانية وانتهاكات مروعة لا تقل فظاعة عما حدث بالفاشر، وتتزايد يومياً أعداد المفقودين في ظل انقطاع كامل للاتصالات.

وفي غياب أي وجود طبي أو إنساني أو رسمي، تحولت بارا إلى مدينة أشباح وأطلال بنيات شاخصة من دون حياة تفوح منها رائحة الموت والجثث المتعفنة وتسكنها الكلاب والقطط التي تتغذى على الجثث التي تملأ الشوارع وتتكدس داخل المنازل أيضاً.

اجتياح وتصفيات

منظمات محلية رصدت خلال الأيام الثلاثة الأولى من الاجتياح مقتل ما يزيد على 60 مدنياً معظمهم من فئة الشباب، وبينهم نساء ومعوقون قتلوا بدم بارد، فضلاً عن أكثر من 120 من الجرحى الذين وصلوا إلى الأبيض بعد مسيرة ثلاثة أيام سيراً على الأقدام، ويقدر عددهم بنحو 30 ألفاً في أوضاع يرثى لها ما بين جريح ومريض.

وأشارت المنظمات إلى أن العدد النهائي للقتلى ربما تجاوز ذلك بأضعاف لأن قوات "الدعم السريع" رفضت الوصول إلى الجثث ودفنها، كما أن إعدامات عدة تمت داخل المنازل ولا يعرف عددها أو هوية أصحابها حتى الآن.

مجزرة حقيقية

إلى ذلك وصف (ع إ م)، وهو من الناجين الذين تمكنوا من الوصول إلى مدينة الأبيض سيراً على الأقدام، ما حدث في بارا بأنها مجزرة حقيقية، إذ قامت تلك القوات بحملات انتقامية بشعة استهدفت السكان، بخاصة الشباب، وبدأت بتفتيش المنازل، وللأسف كان هناك من يعملون معها كدليل ويدلونها على السكان، وكانت هناك تصفيات جماعية مروعة وقتل من دون تمييز وبصورة عشوائية أحياناً لمجرد إغضاب أحدهم.

ويتابع أن "التصفيات الفورية كانت تتم لكل من ظهر في فيديو الاحتفالات بدخول الجيش المدينة في المرة الأولى، فضلاً عن حملات اعتقالات وتفحص وجوه الشباب ومطابقتها مع المشاهد الواردة في الفيديوهات، وعلى ذلك كان يجري تجميع الشباب داخل المنازل وتصفيتهم جماعياً".

ممنوع الدفن

وإضافة إلى ذلك، بحسب الناجي، منعت تلك القوات المواطنين من دفن الموتى، وأطلقت النار على مجموعة مشيعين كانوا يحملون عدداً من الجثامين لدفنها، فقتلت عدداً منهم، كما منعت العزاء وداهمت أحد المنازل وأطلقت النار على المعزين وقتلت العشرات منهم، واقتادت آخرين إلى جهة غير معلومة حتى اليوم.

ويقول "بمجرد دخول تلك القوات إلى المدينة من الجهة الجنوبية وأثناء لحظات الاجتياح وقبل انتشارها الواسع، سارعت مجموعات من الأسر إلى المغادرة من الجهة الشرقية المقابلة التي كانت آمنة نسبياً في ذلك الوقت، حيث كان المنفذ الشرقي هو الوحيد الذي كان متاحاً أمامهم".

وأوضحت مصادر محلية أن قوات "الدعم السريع" تمنع المدنيين الباقين في المدينة من مغادرتها وتتخذهم دروعاً بشرية لمنع تقدم الجيش لاستعادة المنطقة التي يحاصرها من الناحية الغربية منذ أمس الإثنين.

تبادل السيطرة

ومنذ أشهر الحرب الأولى تمكنت قوات "الدعم السريع" من السيطرة على المدينة، لكن بدرجة أقل من الانتهاكات هذه المرة، غير أن المدينة فقدت معظم مرافق خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، وشهدت وقتها حركة نزوح كبيرة فرت خلالها مئات الأسر إلى العاصمة الولائية الأبيض وعدد من القرى المجاورة.

 

 

وفي الـ 12 من سبتمبر (أيلول) الماضي، تمكن الجيش والقوات المشتركة والمساندة الأخرى من استعادة السيطرة على المدينة وإجبار قوات "الدعم السريع" على مغادرتها عقب معارك ضارية أدت إلى الانسحاب إلى أطرافها، لتعود مرة أخرى وتسيطر عليها مجدداً في كردفان في الـ25 من من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد مواجهات ضارية مع قوات الجيش وحلفائه.

تصفيات انتقامية

ناجون آخرون من مجزرة بارا، يؤكدون أن عناصر "الدعم السريع" قاموا فور توغلهم داخل المدينة بعمليات تصفية انتقامية ممنهجة بحق المدنيين في المدينة، عقاباً لهم على دعمهم وفرحتهم في الاحتفالات التي نظموها عندما استعاد الجيش سيطرته على المدينة، وأضافوا أنه "فور دخول عناصر ’الدعم السريع‘ إلى المدينة انتشروا ضمن الأحياء كافة في حملة اعتقالات عشوائية للشباب واقتيادهم إلى مناطق مجهولة وبعض المنازل وتصفيتهم هناك، إذ لا تزال عشرات الجثث المتعفنة داخل المنازل، ولم يتمكن أو يجرؤ أحد على الوصول إليها، إذ تمنع قوات ’الدعم السريع‘ الاقتراب من الجثث أو محاولة دفنها".

فرحة لم تكتمل

وانتظم سكان المدينة قبل أسابيع قليلة من اقتحام "الدعم السريع" الأخير في حملات كبيرة للعودة الطوعية للديار، بعودة أكثر من 250 أسرة للمدينة، بخاصة سكان الأحياء الشرقية والشمالية، بينما شرعت السلطات الولائية في شمال كردفان في ترتيبات إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، لكن فرحة العائدين لم تدم طويلاً، حتى تفاجأوا بعد نحو شهر، بهجوم جديد مباغت واجتياح قوات "الدعم السريع" للمدينة مرة أخرى، ودخولها بصورة شرسة في سلسلة من انتهاكات وفظائع لم يسبق أن شهدتها المدينة منذ اندلاع هذه الحرب.

تكدس الجثث

من جانبها أكدت شبكة أطباء السودان أن عشرات الجثث لا تزال مكدسة داخل المنازل في مدينة بارا بسبب منع "الدعم السريع" ذوي الضحايا من الاقتراب منها، وقال بيان للشبكة أمس إنها تتابع بقلق ما يجري في المدينة من جرائم مروعة ترتكبها "الدعم السريع" بحق المدنيين العزّل، في "مشهد يلخص أبشع صور الانتهاك الإنساني والقتل الممنهج".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأفادت بأن التقارير الميدانية الواردة إليها تشير إلى أن عشرات الجثث مكدسة داخل المنازل بعدما منعت "الدعم السريع" ذوي الضحايا من دفنهم، ليبقى الموتى محاصرين في بيوتهم والأحياء محاطين بالرعب والجوع والعطش، في وقت تتزايد أعداد المفقودين بصورة يومية، مع انقطاع كامل للاتصالات وانعدام أي وجود طبي أو إنساني فاعل في المدينة.

جحيم ونزوح

ويتابع البيان أن "وسط هذا الجحيم تتواصل موجات النزوح الجماعي من بارا في ظروف بالغة القسوة، إذ يفر المدنيون سيراً على الأقدام نحو المجهول، من دون غذاء أو دواء أو مأوى، بينما تنهار الخدمات الصحية تماماً وتنتشر الأمراض وسوء التغذية بين الأطفال والنساء وكبار السن".

ووصفت الشبكة ما يحدث في مدينة بارا بأنه "جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس، واستمرار الصمت الدولي تجاهها يمثل تواطؤاً مخزياً"، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والطبية كافة والمجتمع الدولي، بالتحرك الفوري والجاد "لوقف هذه الانتهاكات وفتح ممرات آمنة للمدنيين وتمكين الأسر من دفن موتاها بكرامة".

إعدامات ميدانية

وأكد مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة حدوث إعدامات ميدانية جرت خلالها تصفية عشرات المدنيين في مدينة بارا، بواسطة عناصر "الدعم السريع" بزعم دعمهم للجيش، ودعا المفوض السامي فولكر تورك إلى اتخاذ خطوات عاجلة لحماية المدنيين ووقف العنف، محذراً من استمرار الانتهاكات الانتقامية في المدينة.

واتهمت مجموعة "محاميي الطوارئ" السودانية قوات "الدعم السريع" من قبل بارتكاب مجزرة مروعة في مدينة بارا، شملت اعتقالات وإعدامات جماعية، ونهباً وتخريباً للممتلكات، وتسببت في نزوح جماعي للسكان.

 

 

وأكدت المجموعة أن التحريض على القتل على أساس الهوية والانتماء يعد انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وتحريضاً على جرائم حرب، محملة قيادة "الدعم السريع" المسؤولية القانونية الكاملة، وداعية المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لحماية المدنيين.

وأفاد ناجون بحادثة توقيف إحدى الشاحنات التي كانت تقل فارين من المدينة وإنزال عدد منهم وإعدامهم على الفور أمام الآخرين، ونهب أموال الباقين وهواتفهم والذين لا يعرف مصيرهم حتى الآن، إذ لا تزال الاتصالات مقطوعة عن المدينة.

محطة وتمازج

وتبعد مدينة بارا بولاية شمال كردفان من العاصمة السودانية الخرطوم نحو 317 كيلومتراً، وتفصلها عن مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 40 كيلومتراً.

وتشتهر المدينة بمواردها الطبيعية، بخاصة خام السليكا الموجود في الرمال البيضاء المحيطة بها الذي يعد مادة رئيسة لصناعة الزجاج، إضافة إلى أنها تمثل محطة مهمة في منتصف الطريق بين العاصمة وإقليمي دارفور وكردفان، كما تمثل منطقة تمازج وتداخل بين قبائل شمال السودان وغربه.

وبارا واحدة من المدن القديمة في البلاد ويرجع تاريخها إلى القرن الثامن الميلادي، إذ كانت نقطة دفاع متقدمة عن الأبيض، عندما أقام الأتراك حامية عسكرية قوية فيها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير