Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حروب الروبوتات المقبلة... البشر مجرد ضحايا

خصصت الحكومة البريطانية 1.35 مليار دولار لتطوير تقنيات عسكرية متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي

ليس من قبيل المبالغة أن نتخيل عالماً يستبدل فيه بالجنود البشر في ساحة المعركة روبوتات شبيهة بالبشر (أ ب)

 

ملخص

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الحروب الحديثة، حيث تحل الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية والروبوتات محل الجنود البشر، الذين قد لا يبقى لهم دور سوى أن يكونوا ضحايا. تخصيص بريطانيا مليار جنيه استرليني لتطوير جيش رقمي يعكس وعياً بتغير طبيعة الحروب، التي باتت تتطلب تكنولوجيا أكثر من القوة البشرية.

إذا أردنا تصور ملامح الحرب العالمية المقبلة، يكفي أن نرصد بتمعن مجريات الأحداث في أوكرانيا.

تماماً كما كانت الحرب الأهلية الإسبانية بمثابة اختبار أولي للقصف الجوي المكثف الذي شهدته الحرب العالمية الثانية بعد سنتين، وكما كشفت "حرب البوير" عن ثغرات تنظيمية في صفوف الجيش البريطاني استجوبت تصحيحها قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى (على رغم أن أوجه قصور جديدة برزت آنذاك). اليوم، توفر لنا الظروف الراهنة فرصة ثمينة لمراقبة الأحداث ورصدها تأهباً لحرب أوروبية تبدو محتومة.

يمكن القول إنها ربما تكون أول حرب "حديثة" في القرن الـ21، الحرب الأولى التي يتجلى فيها استخدام مجموعة متنوعة من التكنولوجيات الجديدة والمتطورة، بما تنطوي عليه من آثار مدمرة.

وبطبيعة الحال، تبقى أبرز هذه التقنيات طائرات "الدرون" (الطائرات المسيرة) لما تتميز به من كلفة منخفضة وكفاءة عالية، ما لم تتعرض إشاراتها للتشويش. ولكن في المتناول أدوات أخرى لا تقل فاعلية، من بينها الهجمات السيبرانية بأنواعها، التي تستهدف شركات ومؤسسات وطنية، وتشنها جهات حكومية، وأذرع غير رسمية مرتبطة بدول، أو حتى عصابات إجرامية يمكن تجنيدها مقابل نصيب من الغنيمة ودعم عسكري.

في الحقيقة، شهدنا في الأعوام الأخيرة حجم الأضرار الجسيمة التي يمكن للهجمات الإلكترونية أن تخلفها في قطاعات حيوية، بدءاً بـ"هيئة الخدمات الصحية الوطنية" البريطانية، مروراً بالمصارف، وصولاً إلى متاجر التجزئة أخيراً، إذ لا تقل فتكاً عن أي غارة جوية تقليدية. أما الأسلحة النووية فبالكاد جاء ذكرها في سياق الحرب الروسية - الأوكرانية، في حين تلاشت سريعاً التصورات الأولى التي توقعت اندلاع معارك دبابات ضخمة على غرار "معركة كورسك" [بين القوات الألمانية والسوفياتية قرب مدينة كورسك] إبان الحرب العالمية الثانية.

أما في الحرب الدموية في غزة، فدروس القتال المستقبلي أقل وضوحاً، باستثناء حقيقة واحدة بارزة مفادها أن منظومة "القبة الحديدية" الإسرائيلية [نظام اعتراض صاروخي قصير المدى مصمم لاعتراض وتدمير القذائف والصواريخ قصيرة المدى قبل أن تصل إلى أهدافها] أثبتت فاعلية شبه كاملة في التصدي لهجمات الصواريخ الإيرانية، مما جرد عملياً نظام طهران من قدرته على التهديد. والآن، يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوفير درع دفاعي مشابهة للولايات المتحدة، في مطلب يمكن تفهمه، لا سيما أن الأميركيين هم من صمموا في الأساس هذه النسخة الدفاعية الإسرائيلية المصغرة.

وهكذا، فإن ملامح الحرب آخذة في التحول. ومن المطمئن أن الحكومة البريطانية تبدو متيقظة للمستجدات على هذا الصعيد.

جون هيلي، وزير الدفاع وأحد وجوه النجاح الهادئة والفاعلة في صفوف حزب العمال البريطاني، أعلن تخصيص مليار جنيه استرليني (1.35 مليار دولار) لتمويل مزيد من الألوية من "محاربي لوحة المفاتيح" والجنود غير البشريين، في مسعى إلى إطلاق ما سماه "شبكة استهداف رقمية جديدة".

سيوجه الجنود على الأرض بشكل أفضل بفضل المعلومات الاستخباراتية التي توفرها الأقمار الاصطناعية وطائرات الاستطلاع والطائرات المسيرة. وسيساعدهم ذلك في تفادي المتفجرات المعادية والتحرك بسرعة لضرب مواقع العدو. وكما حدث مع الطيران قبل قرن من الزمن، فإن الذكاء الاصطناعي – كغيره من الابتكارات – يجد أول تطبيقاته في ساحة الحرب، مما يسرع بدوره في تطوره.

في الواقع، ليس من قبيل المبالغة أن نتخيل عالماً يستبدل فيه بالجنود البشر في ساحة المعركة روبوتات شبيهة بالبشر، تتقاتل في ما بينها تحت أسراب كثيفة من الطائرات المسيرة التي تملأ السماء، فيما تسيطر عليها كلها "أدمغة" عسكرية تعمل بالذكاء الاصطناعي من مواقع تبعد آلاف الأميال. وكما الحال في التجارة والصناعة، سيغدو الإنسان عنصراً فائضاً ومن دون فائدة في حروب المستقبل السيبرانية، لا دور له سوى أن يكون ضحية أو ضمن الخسائر البشرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الأرجح، ستكون الحروب المقبلة أشد فتكاً وتدميراً من سابقاتها، إذ إن آلة الحرب الحديثة التي يقودها الذكاء الاصطناعي ستتمتع بقدرة فائقة على تنفيذ عمليات قتالية بكفاءة وسرعة. وهذه الحقيقة تقلل، في الواقع، من أهمية النقاش التقليدي حول حجم الإنفاق العسكري. مثلاً، حتى لو خصصت دولة ما نسبة كبيرة من ناتجها القومي للتسلح، سيذهب ذلك سدى إذا اختارت استراتيجيات غير مناسبة ومنظومات تقليدية متقادمة [بينما قد تتفوق دولة أخرى أنفقت أقل، ولكنها استثمرت بذكاء في تقنيات واستراتيجيات أكثر تأثيراً].

إذا كانت حاملات الطائرات المهيبة من فئة "الملكة إليزابيث" التابعة للبحرية الملكية عاجزة عملياً عن صد أسراب من طائرات "الدرون" الرخيصة القادرة على سحق دفاعاتها، سنجد أنفسنا حينها في موقف لا يقل سذاجة وضعفاً عما جرى عام 1942، عندما التفت القوات اليابانية على أضخم المدافع الساحلية في العالم واقتحمت سنغافورة.

يقول الرئيس ترمب إن درعه الصاروخية المعروفة بـ"القبة الذهبية" ستكلف نحو 175 مليار دولار (ما يساوي 129 مليار جنيه استرليني). إذا صح تقديره، وإذا أثبتت هذه المنظومة الدفاعية جدواها (ولا دليل على ذلك حتى الآن)، فستكون صفقة رابحة.

أخيراً بعد طول انتظار، من المقرر نشر المراجعة الاستراتيجية للدفاع في المملكة المتحدة الإثنين. والحقيقة أن الطريقة التي ننفق بها مواردنا الوطنية الشحيحة على الدفاع لا تقل أهمية عن حجم التمويل الذي توافق عليه الخزانة لهذا الغرض. ومع ذلك يبقى الدرس الأهم الذي تكرره علينا وقائع التاريخ أن منع الحرب وردعها أقل كلفة بأشواط من خوضها فعلاً.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل