ملخص
إذا فاز ممداني في انتخابات الرابع من نوفمبر فسيُواجه وحركته تحدياً أصعب بكثير من إدارة حملته الانتخابية، ألا وهو إدارة أكبر مدينة في أميركا، حيث يتعين عليهما للمرة الأولى من موقع تنفيذي إثبات أن أجندتهما الليبرالية قابلة للتطبيق في مختلف أنحاء البلاد.
مع توحد أبرز نجوم اليسار خلف زهران ممداني، المرشح الاشتراكي الديمقراطي الأوفر حظاً للفوز بمنصب عمدة نيويورك في انتخابات الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يواجه هو وحركته تحدياً أصعب بكثير من حملته الانتخابية، وهو إدارة أكبر مدينة في الولايات المتحدة، إذ يتعين عليهما إثبات أن أجندتهما الليبرالية قابلة للتطبيق بنجاح في مختلف أنحاء البلاد، وإلا كان فشلهما نذيراً بخفوت وهج حركتهما. فلماذا تبدو التحديات جسيمة وسط انقسام حاد داخل الحزب الديمقراطي وتخوفات بأن فوز ممداني قد يشكل انتكاسة كبيرة للحزب في وقت يستعد فيه لمواجهة حاسمة ضد الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس العام المقبل؟
ليلة رائعة وسيئة
قد تكون ليلة الثلاثاء المقبل حينما ينتهي فرز غالبية أصوات الناخبين في نيويورك حيث تجرى انتخابات عمدة المدينة، وفي ولايتي فرجينيا ونيو جيرسي، حيث يُجرى اختيار منصب الحاكم في كل منهما، ليلة رائعة للديمقراطيين كدليل على صعود نجمهم مرة أخرى، وليلة سيئة للغاية للرئيس الجمهوري دونالد ترمب، إذ يتقدم المرشحون الديمقراطيون بنسبة مريحة للغاية تضمن فوزهم على منافسيهم الجمهوريين أو المستقلين، غير أن سباق نيويورك، سيكون الحدث الأبرز في هذه الليلة بلا شك، لأنه سيمثل فوزاً تاريخياً لليساري التقدمي زهران ممداني في قلب عاصمة الرأسمالية العالمية وعاصمة الإعلام أيضاً، مما يجعل هذا الفوز أكبر المفاجآت في التاريخ السياسي لنيويورك.
ومع ذلك لن تكون هذه الليلة سيئة فقط لترمب والجمهوريين، بل ستكون سيئة أيضاً للديمقراطيين المتخوفين من تداعياتها المستقبلية على حظوظهم الانتخابية سواء داخل الحزب الديمقراطي، حيث يتوقع أن تكتسب حركة الاشتراكيين الديمقراطيين زخماً واسعاً يشجعهم على ترشيح مزيد من عناصرهم في الانتخابات التمهيدية للحزب، أو من عواقب ذلك خلال الانتخابات العامة ضد خصومهم التقليديين من الجمهوريين الذين يتوقع أن يوصموا المرشحين الديمقراطيين بالتطرف اليساري، مما قد يؤثر في المرشحين الديمقراطيين بالسلب بينما يطمحون في استعادة السيطرة على الكونغرس الأميركي أو أحد مجلسيه في الأقل في انتخابات التجديد النصفي المقررة بعد عام واحد فقط.
اختباران حاسمان
إذا فاز ممداني في انتخابات الرابع من نوفمبر فسيواجه وحركته تحدياً أصعب بكثير من إدارة حملته الانتخابية، ألا وهو إدارة أكبر مدينة في أميركا، حيث يتعين عليهما، وللمرة الأولى من موقع تنفيذي، إثبات أن أجندتهما الليبرالية قابلة للتطبيق في مختلف أنحاء البلاد، فقد نجح أبرز نجوم اليسار التقدمي مثل السيناتور بيرني ساندرز الذي دفع ترشحه للرئاسة التيار التقدمي المهمش إلى مركز الأضواء، وعضوة مجلس النواب أوكاسيو كورتيز وحلفاؤهما الاشتراكيون الديمقراطيون، في دفع سياسة الحزب الديمقراطي نحو اليسار، وقادوا الحوار السياسي الوطني بصورة مستمرة، مما أسهم في توسيع نفوذهم، لكن حركتهم لم تحظَ قط بمنصب تنفيذي يتمتع بسلطة حقيقية مثل عمدة مدينة نيويورك.
ولهذا فإن الأخطار كبيرة على الحركة وعلى الاشتراكيين الديمقراطيين عموماً، ومن هنا تكتسب أهمية سياسية، بحسب ما تقول جوليا سالازار، عضوة مجلس شيوخ ولاية نيويورك الاشتراكية الديمقراطية، لكن معارضي ممداني، بمن فيهم بعض الديمقراطيين، يعتقدون أنه قد يصبح بسهولة مثالاً على إخفاقات الاشتراكية الديمقراطية كما يشير النائب جوش غوتهايمر، وهو ديمقراطي معتدل في نيوجيرسي يعارض ترشح ممداني، إذ يرى أن هناك اختبارين يواجههما ممداني، وهما إدارة المدينة يومياً، ثم الوعود الاشتراكية التي أطلقها بكثرة، وتبدو مستحيلة من وجهة نظره.
صعوبات وتحديات
ومثل عديد من المدن الأميركية الأخرى التي شعر فيها الاشتراكيون الديمقراطيون بالإحباط نتيجة العوامل نفسها التي تعوق السياسيين، مثل الموازنة المحدودة، وصعوبة بناء التحالفات، واختلال أداء الحكومة، يواجه ممداني في منصب عمدة المدينة صعوبات أكبر بعدما وضع معايير عالية للغاية لنجاحه عززت من صعوده الصاروخي خلال السباق عبر وعده بجعل سكان المدينة أكثر قدرة على تحمل الأعباء المادية المرتفعة بها من خلال أربعة مقترحات سياسية مميزة، فقد تعهد رعاية شاملة للأطفال قبل سن المدرسة، وتوفير حافلات مجانية، ومتاجر بقالة مملوكة للمدينة بأسعار مخفضة، وتجميد إيجارات الشقق، وهي وعود تزيد من أعباء عملية تقييمه اللاحقة التي من المرجح أن تشمل قضايا عادية ومزمنة أيضاً في نيويورك، مثل انتشار القمامة والجريمة والجرذان.
وعلى رغم أن بعض المقترحات التي طرحها ممداني طبقت على نطاق أضيق في مدن أخرى، مثل أوستن وسان أنطونيو في ولاية تكساس، إلا أن هذه الخطط لم تحظَ بمستوى التدقيق نفسه الذي من المرجح أن يحظى به ممداني، وبدأ منذ فترة على يد خصمه أندرو كومو حاكم ولاية نيويورك السابق الذي ترشح مستقلاً بعدما خسر خلال الانتخابات التمهيدية للحزب في يونيو (حزيران) الماضي لمصلحة ممداني، ويحذر الآن من أن عضو مجلس الولاية البالغ من العمر 34 سنة، مرشح ساذج، عديم الخبرة، وأن الاشتراكية الديمقراطية التي يتبناها ستؤدي إلى نزوح جماعي للسكان والشركات.
ولا شك في أن خطط ممداني ستواجه عقبات جسيمة، فقد تكلف مقترحاته الأربعة ما يقارب 7 مليارات دولار سنوياً، بما يتجاوز موازنة إدارة الشرطة، وما يمثل زيادة بنسبة 6 في المئة في موازنة المدينة البالغة 116 مليار دولار تقريباً، كما أن تمويل خططه من خلال زيادة ضرائب الدخل على السكان الأثرياء وفرض ضرائب أعلى على الشركات، تعارضها حاكمة الولاية كاثي هوشول التي أعربت عن انفتاحها على خططه لتوفير رعاية أطفال شاملة عندما أيدت ترشحه قبل أسابيع.
انقسام ديمقراطي
لكن بينما يقترب ممداني من فوز كاسح، يخشى قادة الحزب الديمقراطي ونشطاؤه من أن يضعف هذا الفوز فرصهم في استعادة السلطة في واشنطن بسبب مخاوف الديمقراطيين المعتدلين من أن سياساته التي يعتبرونها يسارية متطرفة قد تكلفهم خسارة فادحة في صناديق الاقتراع، ويخشون أن يعمق فوز ممداني برئاسة البلدية أزمة وجودية لحزب يسعى جاهداً لاستعادة السلطة في الكونغرس، موفراً بذلك هراوة للجمهوريين لتصوير خصومهم المعتدلين على أنهم اشتراكيون، وهو ما بدأوا بالفعل في تصويره حيث حذر مقطع فيديو، أطلقه الذراع الانتخابي للحزب الجمهوري في مجلس النواب، من أن الديمقراطيين يريدون تحويل أميركا إلى مجتمع اشتراكي يعج بالجرائم، وجعلوا لممداني دوراً محورياً في الإعلانات الرقمية ونداءات جمع التبرعات، مشبهين إياه بالديمقراطيين المعتدلين الذين يمثلون المقاعد المتأرجحة في ضواحي مدينة نيويورك وعلى مستوى البلاد.
ولا تعد هجمات الجمهوريين سوى جزء من مشكلة ممداني المتنامية التي تواجه الديمقراطيين، إذ يعتزم حلفاؤه في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا، الذين شجعهم الفوز المفاجئ لممداني الترشح في الانتخابات التمهيدية في كل مراحلها، بما في ذلك ضد زعماء الحزب مثل زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، ما دفع جيفريز إلى تأجيل دعمه ممداني، فترة طويلة، قبل أن يحسم أمره أخيراً مشيراً إلى أنه على خلاف مع ممداني ولكن يجب دعم المرشح الديمقراطي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صراع مرير
وفيما حصد ممداني دعماً من اليسار التقدمي وبعض المعتدلين في الحزب الديمقراطي الذين أشادوا بذكائه وجاذبيته وقدراته الخطابية وأساليبه المبتكرة في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لصالحه عبر مقاطع فيديو مؤثرة اجتذبت الشباب، واجه هذا الوجه الشاب صراعاً مريراً من الجمهوريين وبعض الديمقراطيين على السواء الذين جمعوا التبرعات لخمس لجان عمل سياسي في الأقل تم تشكيلها لمنع ترشح ممداني.
وبلغت قيمة الأموال التي جمعتها لجان العمل السياسي من كبار رجال وسيدات الأعمال لمصلحة المرشح المستقل أندرو كومو أكثر من 10 ملايين دولار في فترة وجيزة، بما في ذلك تبرعات من مليارديرات مشهورين ومؤثرين مثل ويليام لودر، رئيس مجلس إدارة شركات "إستي لودر"، وبيل أكمان، الرئيس التنفيذي لشركة "بيرشينغ سكوير كابيتال مانجمنت"، وستيف وين، قطب الكازينوهات ومطور العقارات، ودانيال لوب، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "ثيرد بوينت"، وأليس والتون، العضو المؤسس من عائلة سلسلة متاجر "وول مارت".
وحذر بعض المستشارين الذين يديرون هذه اللجان من تأثير ممداني الكارثي على الحزب الديمقراطي، إذ اعتبر هانك شينكوف، وهو ناشط ديمقراطي مخضرم في نيويورك أن ممداني يشكل أكبر تهديد للديمقراطيين، منذ عهد رونالد ريغان، لأنه يجسد كل ما اتهم الديمقراطيون به، ووصف آخرون ممداني بأنه متطرف للغاية مثل النائبة الديمقراطية لورا غيلين، التي سيكون مقعدها المتأرجح في مجلس النواب عن منطقة لونغ آيلاند في نيويورك هدفاً رئيساً للجمهوريين العام المقبل.
وفي حين لم يضع الديمقراطيون استراتيجية متماسكة لمواجهة الانتقادات الجمهورية أو صد محاولات الاشتراكيين الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية، فإن هناك إقراراً بأن المعتدلين يجب أن ينأوا بأنفسهم عن ممداني مثل الشخصيات النافذة في الساحة السياسية في نيويورك كالسيناتور تشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، والسيناتور كيرستن غيليبراند، وهو ما تشير حملة زهران ممداني إلى أنه خطأ، لأنه ينبغي على المعتدلين الانضمام إليه واتباع نهجه.
حركة جماهيرية
وفي تحدٍّ واضح للجان العمل السياسي التي تجمع الأموال لإزاحته، أعدت حملة ممداني تجمعاً انتخابياً واسعاً تحت شعار "نيويورك ليست للبيع"، وسط خطابات حماسية ألقاها قادة دينيون ونقابيون، إلى جانب السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز ومسؤولين منتخبين في الولاية، من بينهم الحاكمة كاثي هوشول، وزعيمة الغالبية في مجلس شيوخ ولاية نيويورك أندريا ستيوارت-كازنز، إذ أعلن ممداني أن حملته "حركة جماهيرية" تمثل قوة لمواجهة المليارديرات و"الأوليغارشيين" الذين دعموا خصومه مالياً وسياسياً، كما أعلنت أوساكيو كورتيز، التي تضم دائرتها الانتخابية كوينز، أن فوز ممداني سيبعث رسالة وطنية مفادها بأن الرسالة التقدمية قادرة على الغلبة في مواجهة رئاسة استبدادية يغذيها الفساد والتعصب، وحركة يمينية متطرفة صاعدة.
ومع ذلك يرى البعض أن السياسة الانتخابية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه الأمور في نيويورك وأن تركيز ممداني على أزمة القدرة على تحمل كلف المعيشة في نيويورك، هي فكرة ينبغي على الحزب الديمقراطي تبنيها على نطاق شامل في مختلف أنحاء الولايات المتحدة لأنها فكرة بسيطة ورائعة، كون ممداني يتحدث عن الطبقة العاملة، ويناضل من أجلهم بسبب ارتفاع الأسعار ويبدو أنه جاد في كلامه.
نيويورك ليست كل أميركا
إضافة إلى ذلك يبدو أن نطاق تطبيق مدينة نيويورك على الصعيد الوطني في أميركا محدود بالفعل، حيث لم تكن نيويورك ذات أهمية في السياسة الوطنية منذ فترة طويلة، وعلى رغم ذلك تحظى التطورات في نيويورك باهتمام إعلامي كبير لأنها عاصمة الإعلام في البلاد، لكن نادراً ما ترسخت الاتجاهات السياسية التي بدأت في مدينة نيويورك عبر التاريخ الحديث في مختلف أنحاء البلاد.
ربما تكون حركة "احتلوا وول ستريت" الاستثناء الوحيد، ومع ذلك كانت هذه الحركة مدعومة من الناس، وليس من السياسيين، كما أن ترشح ثلاثة رؤساء بلديات من نيويورك للرئاسة أخيراً مايكل بلومبيرغ ورودي جولياني وبيل دي بلاسيو، كان أداء كل منهم أكثر إحراجاً وأقل أهمية من سابقه، بل إن دونالد ترمب الذي ترعرع وعاش في نيويورك، لم يكن يمثل الثقافة السياسية النيويوركية، ولهذا لا توجد صيغة واحدة للنصر السياسي في الولايات المتحدة، كونها دولة كبيرة، يتعين على المرشحين فيها في مختلف الأماكن تجربة توليفات متباينة لمعالجة مخاوف الناخبين، سواء على المستوى الوطني أو المحلي.
نرجسية الاختلافات الصغيرة
ومع ذلك لن تمنع هذه الحقيقة الديمقراطيين من تمزيق بعضهم بعضاً في محاولة لإثبات وجهة نظر أو أخرى، وهو ما ينطبق مع مفهوم "نرجسية الاختلافات الصغيرة" الذي طوره عالم النفس سيغموند فرويد، إذ ينتهي الأمر بالأشخاص أو المجموعات الذين لديهم اختلافات طفيفة نسبياً، إلى تعزيز وتصعيد هذه الاختلافات وكراهية بعضهم بعضاً بشدة حتى أكثر من كرههم للمجموعات الأخرى التي يفترض أن تكون عدوهم المشترك.
تجلى ذلك في محاولة أندرو كومو الحاكم الديمقراطي السابق لولاية نيويورك إثارة الفتنة العرقية بالإشارة إلى مكان ميلاد زهران ممداني في أوغندا، كما تبنى كومو إطاراً من الخوف حين أشار إلى أنه لا يمكن لممداني وهو مسلم الديانة أن يكون قائداً في ظل "حالة إرهاب"، مشيراً إلى أنه خاض حملته الانتخابية مع سراج وهاج وهو إمام مسجد اتهم من دون إدانة في تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993، وكان شاهداً على شخصية عمر عبدالرحمن، الذي دين بتدبير العملية.
لكن رد ممداني الحاسم أنهى هذه الاتهامات حين قال "التقى نفسه بعمدة نيويورك مايكل بلومبيرغ، والتقى بعمدة نيويورك بيل دي بلاسيو، وشارك في الحملة الانتخابية إلى جانب العمدة الحالي إريك آدامز، لكن المرة الوحيدة التي أثارت فيها هذه القضية اهتماماً على مستوى البلاد كانت عندما التقيت به".
وبينما تعاون الحاكم السابق كومو والمرشح الجمهوري كورتيس سليوا، في مهاجمة ممداني بخاصة في ما يتعلق بانتقاده لإسرائيل، إلا أن المرشح الديمقراطي لا يزال يتمتع بتأييد 47 في المئة من اليهود في نيويورك منهم 67 في المئة من الشباب، وفي النهاية سيعود القرار النهائي لسكان التفاحة الكبيرة نيويورك، فهم الذين سيقررون ما إذا كانت القضايا المثيرة في شأن ممداني، ذا صلة بهم عندما يذهبون إلى صناديق الاقتراع أم لا.