Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهند تختنق بتلوث يفوق المعايير 100 مرة

أشار أطباء الرئة وأمراض النساء إلى أنه بين 20 و23 أكتوبر الجاري عندما تجاوزت المستويات عتبة "الخطورة" شهدت نيودلهي زيادة ملحوظة في زيارات العيادات الخارجية وحالات الطوارئ

سجلت مستويات الجسيمات الدقيقة المسببة للسرطان (PM2.5) ارتفاعاً إلى 846 ميكروغراماً لكل متر مكعب في بعض مناطق نيودلهي (أ ف ب)

ملخص

وصل تلوث الهواء في العاصمة الهندية نيودلهي إلى مستوى قياسي جديد أول من أمس الجمعة، مع تجاوز معدلاته المعايير الدولية بمقدار 100 مرة.

تتصدر العاصمة الهندية نيودلهي التي يقطنها نحو 30 مليون نسمة، العناوين سنوياً بسبب تفاقم أزمة تلوث الهواء، ومع حلول فصل الشتاء يضطر السكان إلى العيش تحت رحمة هواء سام يهدد صحتهم اليومية. ويؤكد الخبراء أن هذه الأزمة ليست مجرد ظاهرة طبيعية لا سبيل لمواجهتها، بل هي نتيجة مزيج من السياسات الدينية وآليات الدولة التي تبدو أكثر حرصاً على الحفاظ على الوضع القائم من التوجه الجاد نحو الحد من التلوث وتحسين جودة الهواء.

ووصل تلوث الهواء في العاصمة الهندية نيودلهي إلى مستوى قياسي جديد أول من أمس الجمعة، مع تجاوز معدلاته المعايير الدولية بمقدار 100 مرة، مما تسبب في شعور السكان بحرقة في العيون وصعوبة في التنفس. وسجلت أجزاء واسعة من المدينة ارتفاعاً ملحوظاً في حالات السعال ونزلات البرد وتهيج الحلق، وتفاقم الوضع بسبب إطلاق الألعاب النارية خلال الاحتفالات بمهرجان الأضواء الهندوسي "ديوالي"، مما دفع جودة الهواء إلى مستويات خطرة بسرعة.

وسجلت مستويات الجسيمات الدقيقة المسببة للسرطان (PM2.5) ارتفاعاً إلى 846 ميكروغراماً لكل متر مكعب في بعض مناطق نيودلهي، وفقاً للمنظمة الرقابية IQAir. وسجل مؤشر جودة الهواء في منطقة أناند فيهار بالعاصمة نيودلهي 411 درجة عند الساعة السادسة صباح أمس السبت، وفقاً للهيئة المركزية لمكافحة التلوث (CPCB)، مصنفاً ضمن فئة "ضعيف جداً". ومن بين 38 مركزاً للرصد في المدينة، سجلت 10 مراكز جودة الهواء ضمن فئة "ضعيف جداً"، و24 مركزاً ضمن فئة "ضعيف"، بينما كانت ثلاثة مراكز في فئة "متوسطة". وعلى رغم مرور أيام عدة على "مهرجان ديوالي"، لم يشهد وضع التلوث أي تحسن يذكر، إذ وصل أعلى مؤشر جودة هواء مسجل في جميع محطات الرصد إلى 415 درجة، وأظهرت سبع محطات جودة الهواء ضمن فئة "ضعيف جداً"، في حين سجلت بقية المحطات فئة "ضعيف".

الهواء السام

بدأ الهواء السام في دلهي يظهر تأثيره المباشر في السكان، وفقاً لاستطلاع إلكتروني أجرته منصة "لوكال سيركلز" (LocalCircles) للمواطنين، وأفاد الاستطلاع بأن أكثر الشكاوى شيوعاً التي سجلتها الأسر تشمل تهيج الحلق والسعال وحرقة العينين والصداع واضطرابات النوم، وشمل الاستطلاع أكثر من 44 ألف شخص من سكان دلهي وغوروغرام ونويدا وفريد آباد وغازي آباد. وأظهرت النتائج أن 42 في المئة من الأسر ذكرت أن فرداً واحداً أو أكثر يعاني تهيج الحلق أو السعال، بينما أبلغ 25 في المئة عن حرقة العينين أو الصداع أو صعوبة في النوم. كما اشتكى نحو 17 في المئة من المشاركين من صعوبات في التنفس أو تفاقم حالات الربو. وذكرت "لوكال سيركلز" أن 44 في المئة من الأسر قللت من أنشطتها الخارجية وزادت من استهلاك الأطعمة والمشروبات المعززة للمناعة لمواجهة تأثير التلوث، فيما أفاد نحو ثلث المشاركين بأنهم استشاروا الأطباء أو يخططون لذلك لعلاج الأمراض المرتبطة بالتلوث.

وأشار أطباء الرئة وأمراض النساء إلى أنه بين الـ20 والـ23 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، عندما تجاوزت مستويات التلوث عتبة "الخطورة"، شهدت المدينة زيادة ملحوظة في زيارات العيادات الخارجية وحالات الطوارئ، موضحين أن "التعرض المفاجئ للدخان والغازات السامة والجسيمات الدقيقة جعل من الصعب جداً على كبار السن والأطفال والنساء الحوامل والمرضى الذين يعانون أمراضاً تنفسية أو قلبية مزمنة التنفس أو مواصلة روتينهم اليومي".

وأكدت منصة "لوكال سيركلز" أن الأطفال هم الأكثر تضرراً من الهواء السام، ولا يزال التأثير طويل المدى لهذا التلوث في صحتهم مجهولاً، نظراً إلى غياب المراقبة الرسمية على المستوى الحكومي.

الأسباب الحقيقية؟

يشكل تلوث الهواء في دلهي مصدر قلق مستمراً ويعزى إلى عوامل أساسية عدة، ويعد التلوث الحضري الناتج من ملايين السيارات العاملة بوقود ضعيف الجودة والانبعاثات الصناعية وغبار البناء والمصانع ومواقد الطهي المصدر الرئيس لتدهور جودة الهواء في المدينة. وإضافة إلى ذلك يسهم حرق مخلفات حقول الرز المحصودة والمجففة لإفساح المجال للدفعة التالية من المحاصيل من قبل المزارعين في الولايات المجاورة مثل البنجاب وهاريانا، في تفاقم التلوث.

وأوضح البروفيسور المتقاعد في المعهد الهندي للأرصاد الجوية الاستوائية عرفان بيغ خلال حديث خاص أن مدة وشدة التلوث في دلهي تعتمدان بصورة كبيرة على الأحوال الجوية، مضيفاً "عندما يكون الهواء راكداً يستمر التلوث لفترة أطول وأحياناً يزداد بسبب تكوّن الجسيمات الثانوية. في المقابل تساعد الرياح القوية والأجواء الدافئة بعد الظهيرة في تشتيت الملوثات. ومع ذلك إذا أطلقت الألعاب النارية خلال هذه الفترة فإن الملوثات الناتجة منها تحبس في الهواء أيضاً".

وأشار إلى أن أحوال الطقس هذا العام كانت أفضل نسبياً ولم تسجل حوادث كبيرة جراء حرق مخلفات المحاصيل. وأفاد تقرير بأن حوادث حرق المخلفات انخفضت بنسبة 77.5 في المئة نتيجة الفيضانات وتأخر الحصاد في البنجاب وهاريانا. كما تبذل حكومات الولايات جهوداً لضمان عدم حرق أية مخلفات زراعية قرب دلهي. وعن سبب استمرار تدهور جودة الهواء قال بيغ "لو حظرت الألعاب النارية تماماً لكانت جودة الهواء في دلهي أفضل بكثير".

إسهام "ديوالي" في تلوث الهواء

في دلهي، تتدهور جودة الهواء بصورة طبيعية مع حلول فصل الشتاء، وخلال هذه الفترة يحتفل الهندوس بـ"مهرجان ديوالي" الشهير الذي يحيي ذكرى عودة الإله راما لموطنه في أيودهيا بعد نفي طويل. وللتعبير عن الفرح تزين المنازل بالأضواء، مما أكسب المهرجان اسم "مهرجان الأضواء"، كما تطلق الألعاب النارية تقليدياً كرمز للاحتفال.

وكما هي الحال كل عام، استخدمت الألعاب النارية هذا العام على نطاق واسع في جميع مدن الهند، بما في ذلك دلهي ولكناو وأحمد آباد. وعلى رغم حظر الألعاب النارية رسمياً في دلهي، فإن المحكمة العليا سمحت ببيع المفرقعات الخضراء من الـ18 إلى الـ20 من أكتوبر الجاري، مع السماح بإطلاقها فقط في الـ19 والـ20 من أكتوبر بين الساعة السادسة والسابعة صباحاً والثامنة والـ10 مساءً، مع تقييد استخدامها بصورة صارمة على "المفرقعات الخضراء" وساعات محددة.

مع ذلك، جرى تجاهل هذه التعليمات إلى حد كبير، وبحلول صباح اليوم التالي غطى الدخان السام أرجاء المدينة مجدداً. وتجاوز مؤشر جودة الهواء 350 نقطة، وهو مستوى يصنف على أنه "خطر شديد" على صحة الجهاز التنفسي، متخطياً الحد اليومي الموصى به من منظمة الصحة العالمية. وبلغ مؤشر جودة الهواء خلال احتفالات "ديوالي" في الأعوام السابقة 328 عام 2024 و312 عام 2022 و218 عام 2023.

ويشير الخبراء إلى أن "المفرقعات الخضراء" إما فشلت في السيطرة على التلوث أو استبدلت بمفرقعات تقليدية. ووفقاً لبيانات المجلس المركزي لمكافحة التلوث (CPCB) التي جمعت على مدى أربعة أعوام، يصنف "مهرجان ديوالي 2025" من بين أكثر المهرجانات تلوثاً خلال السنوات الأخيرة.

وصرح الباحث في "اتجاهات المناخ" بالاك باليان بأن "البيانات تشير إلى أن متوسط مستوى الجزيئات العالقة الملوثة ’بي أم 2.5‘ (PM2.5) وهي جسيمات دقيقة خطرة تدخل مجرى الدم، قبل "ديوالي" كان 156.6 وارتفع الى 488 بعد المهرجان، أي بزيادة تزيد على ثلاثة أضعاف، مما يجعل ديوالي 2025 الأكثر تلوثاً خلال السنوات الأخيرة".

السياسة ثم السياسة الدينية

تقوم السياسة المحلية بدور رئيس في تفسير تلوث دلهي، فحتى عام 2024 كان حزب عام آدمي AAP يحكم دلهي، بينما كانت الحكومة الفيدرالية بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا BJP الذي يدير البلاد من العاصمة الوطنية، وكثيراً ما كان هذان الحزبان يتصادمان في المنطقة نفسها.

وخلال العام الحالي تغيرت الحكومة في دلهي، وأصبح حزب بهاراتيا جاناتا يتولى السلطة على مستوى الولاية والمستوى المركزي. ومع غياب أي حزب معارض يتحمل المسؤولية، تحول التركيز السياسي نحو الروايات الدينية، وأكد الحزب الحاكم على ضرورة الاحتفال بعيد ديوالي بـ"فخامة" في دلهي، داعياً إلى السماح للجمهور بإطلاق الألعاب النارية وروّج لاستخدام "المفرقعات الخضراء" على أنها صديقة للبيئة.

إضافة إلى ذلك، كرر قادة الحزب وأنصاره رواية مفادها بأن تلوث دلهي ليس أمراً جديداً وأن الاحتفال بعيد "ديوالي" لا يجب أن يلام. وقال كومار فيشواس، الشاعر ومؤيد حزب بهاراتيا جاناتا "تشتعل الحروب في جميع أنحاء العالم بالقنابل، ومع ذلك لا تتآكل طبقة الأوزون ويلام على ذلك الاحتفال بعيد ديوالي فقط".

وفي دلهي، صور الحزب استخدام الألعاب النارية ليس كمسألة بيئية، بل كحق ديني، مؤكداً أن تفجير الألعاب النارية تقليد هندوسي. وسط كل هذا، عندما تدهورت جودة هواء دلهي بشدة بعد عيد "ديوالي"، وارتفع متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة "بي أم 2.5" إلى 488، أي ما يقارب 100 ضعف الحد الذي حددته منظمة الصحة العالمية، أدركت الحكومة خطورة الوضع وبدأت باتخاذ تدابير عدة للحد من مستويات التلوث.

التلاعب بسجلات التلوث؟

بدأت حكومة دلهي جهود رش المياه في أنحاء المدينة في محاولة للحد من التلوث، إذ تنتشر مئات الشاحنات والصهاريج لرش المياه على الطرق لخفض مؤشر جودة الهواء AQI. كما تدرس الحكومة تدابير إضافية مثل الحد من أعمال البناء وتقليل دخول المركبات الثقيلة إلى المدينة. ويؤكد المسؤولون بذل كل الجهود الممكنة لتحسين جودة الهواء في دلهي.

مع ذلك، تزعم أحزاب المعارضة أن الحكومة تركز على التلاعب بسجلات التلوث أكثر من الحد الفعلي للتلوث. ونشر سوراب بهاردواج، رئيس حزب عام آدمي في دلهي، مقطع فيديو يزعم فيه أن بلدية المدينة بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا كانت ترش المياه يومياً قرب محطات الرصد في أناند فيهار لخفض قراءات AQI بصورة مصطنعة، ووصف هذا بأنه "إدارة بيانات، وليس مكافحة تلوث".

أمطار اصطناعية

وشهدت نيودلهي الخميس الماضي تجربة أولى للأمطار الاصطناعية في المدينة، حيث قامت السلطات بتلقيح السحب عبر طائرة بهدف التخفيف من الضباب الدخاني السام الذي يكتنف العاصمة منذ أيام وهي طريقة لم تجرب سابقاً في المدينة. وجاءت الرحلة نتيجة تعاون بين إدارة البيئة في دلهي ومعهد كانبور للتكنولوجيا، لاختبار الطائرة ومشاعل تلقيح السحب والتنسيق بين الوكالات قبل العمليات واسعة النطاق المقرر إجراؤها بين الثلاثاء والخميس المقبلين. وأكدت رئيسة وزراء دلهي ريكا غوبتا أن تلقيح السحب ضروري لمعالجة الضباب الدخاني المستمر، قائلة "تلقيح السحب ضروري لدلهي، وهذه التجربة الأولى من نوعها. سنجريها لمعرفة ما إذا كان بإمكانها السيطرة على هذه المشكلة البيئية الخطرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأعلن وزير البيئة مانجيندر سينغ سيرسا أن تكوّن السحب متوقع بين الثلاثاء والخميس المقبلين، ومن المرجح أن تبدأ تجارب تلقيح الأمطار الاصطناعية اعتباراً من الأربعاء في حال توافرت الظروف المناسبة. وأظهرت التقارير أن الرحلة التجريبية انطلقت من مهبط معهد كانبور للتكنولوجيا واستمرت أربع ساعات، فيما كانت سماء دلهي صافية بصورة عامة باستثناء سحابتين صغيرتين قرب بوراري، حيث جرى إطلاق مشاعل الاستمطار بنجاح. وقد استخدمت طريقة "البايرو" التي تعتمد على إشعال الطائرات لمشاعل تحوي يوديد الفضة وكلوريد الصوديوم، لتنشر في الغلاف الجوي لتحفيز هطول الأمطار عند توافر الرطوبة المناسبة.

الانتقادات البيئية

وعبّر خبراء البيئة عن مخاوف جدية في شأن المبادرة، وأخبر الناشط البيئي جايدهار غوبتا في تصريح إلى وسائل الإعلام أن نهج الحكومة يصرف الانتباه عن معالجة الأسباب الجذرية لتلوث الهواء، موضحاً أنه "بدلاً من تطبيق تدابير طويلة الأجل وإصلاحات للحد من الانبعاثات من المصدر، تتخذ حكومة دلهي طريقاً مختصراً قد يضر بالبيئة. سيتسرب يوديد الفضة (مركب غير عضوي بلوري) المستخدم في الاستمطار إلى المياه والهواء والتربة، مما يزيد من السموم ويهدد الصحة العامة. قد يكون هذا الإجراء أقل فاعلية من أبراج الضباب الدخاني، وهو جهد موقت ومكلف يهدر أموال دافعي الضرائب". وحذر غوبتا أيضاً من أن تحويل الرطوبة الجوية إلى تلقيح السحب قد يحرم المزارعين من الأمطار الضرورية، مضيفاً أن "تأثير تلقيح السحب في هواء دلهي سيكون في أحسن الأحوال موقتاً. المدينة تعاني هواء ساماً لما يقارب تسعة إلى 10 أشهر سنوياً، فكيف يمكن تبرير هذه التجربة المكلفة لتأثير قصير المدى؟".

اقرأ المزيد

المزيد من بيئة