Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غزة ليست لويزيانا

الفلسطينيون لا يرفضون الاستثمار ولا يعارضون الإعمار لكنهم لا يقبلون أن يكون ذلك غطاءً لاستمرار مشاريع الاحتلال

واشنطن وحدها القادرة على فرض خطة واقعية تجمع بين إعادة إعمار غزة وتأسيس سلطة فلسطينية بعيدة من فكر الفصائل (أ ف ب)

ملخص

على الأميركيين أن يدركوا أن هذا الجزء من العالم لم يعد يحتمل أنصاف الحلول. فإما أن تكون واشنطن حاضرة بثقلها وحيادها، وإلا فلن تمنح للرئيس ترمب فرصة لتكرار العبارة الشهيرة للمفاوض الأميركي روبرت ليفينغستون بعد التوقيع على صفقة لويزيانا التاريخية: "لقد عشنا طويلاً، لكن هذا أعظم ما أنجزناه في حياتنا".

في مطلع القرن الـ19، عقدت الولايات المتحدة واحدة من أعظم صفقاتها التاريخية، حين اشترت إقليم لويزيانا من فرنسا مقابل 15 مليون دولار فحسب، صفقة ضاعفت مساحة الدولة الناشئة، ورسمت حدودها على اتساع قارة كاملة، وربما رسخت هذه الصفقة في الوعي الأميركي قناعة سياسية بأن المال قادر على شراء الأرض وتسوية النزاعات، حتى وإن جاء ذلك على حساب السكان الأصليين الذين طمست هويتهم وذاكرتهم في سبيل بناء حلم جديد فوق أرض لم تكن يوماً لهم.

اليوم يُستعاد المنطق ذاته، لكن هذه المرة على ضفاف المتوسط. فخطة ترمب ومشروعه المسمى "غزة ريفييرا"، الذي يسوق باعتباره وصفة اقتصادية لمأساة سياسية عميقة، ليس سوى إعادة إنتاج لتلك الفكرة. وكأن كل تلك الأرواح والثارات يمكن أن تطمرها جرافات الإعمار والمشاريع الموعودة بحلول اقتصادية تتجاهل جذور المشكلة، وأن القضية في غزة ليست صفقة عقارية أو وجهة سياحية، بل وطن محتل مكتظ بالألم وبالحقوق المؤجلة، وبلا ممثلين حقيقيين يدافعون عن حقوقه الطبيعية بذكاء وواقعية.

صفقة لويزيانا كانت بين إمبراطوريتين تتقاسمان الأرض وترسمان الحدود على الخرائط، أما أصحاب الأرض الحقيقيون –من السكان الأصليين– فاعتبروا مجرد تفصيل هامشي. وهو الأمر نفسه في خطة ترمب، إذ غاب الفلسطيني وحضر بالنيابة عنه قاتلوه من إسرائيل و"حماس". وتمت الصفقة من دون نقاش حقيقي حول الاحتلال والسلاح والنار والبارود، وفضل المؤتمرون عدم رفض الخطة ومسايرتها لأنهم يعلمون يقيناً إلى أين ستنتهي. فالقضية الفلسطينية ليست أزمة تمويل ولا نقص استثمارات، بل قضية احتلال لا يوجد من يردعه أو حتى يثق به. والفلسطينيون بالتأكيد لا يرفضون الاستثمار، ولا يعارضون الإعمار، لكنهم سيرفضون حتماً أن يكون ذلك غطاءً لاستمرار مشاريع الاحتلال، إذ تؤكد التجارب السابقة أن أي مشروع اقتصادي في غزة والضفة من دون حل سياسي عادل ورعاية قوية، سيبقى مجرد ديكور هش فوق برميل بارود يملك الجميع القدرة على تفجيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واشنطن وحدها تملك مفاتيح الحل، لأنها الجهة الوحيدة القادرة على فرض خطة واقعية تجمع بين إعادة إعمار غزة وتأسيس سلطة فلسطينية جديدة بعيدة من فكر الفصائل، وضمان التزام الجميع بالتنفيذ. لذلك، فالمطلوب اليوم فترة انتقالية بمشروع سياسي تديره الإدارة الأميركية نفسها، تكون خلاله الضامن السياسي والأمني للتنفيذ والالتزام، وتربط فيه الإعمار بترتيبات أمنية وسياسية قابلة للقياس، لا بوعود إنشائية، عبر آلية شفافة ومستقلة تمنع تسرب الأموال وتوجه التمويل إلى المدارس والمستشفيات والبنى التحتية، بعقود معلنة وتدقيق دولي دوري. لا محاصصة ولا "مقاولي أزمات"، بل سوق مفتوحة أمام القطاع الخاص العربي والدولي، مع حماية قانونية للمستثمرين، وضمان ألا يتحول الإعمار إلى شبكة ولاءات جديدة تعيد إنتاج الفساد والانقسام.

ولا بد من الإشارة بكل وضوح إلى أن أية تسوية دائمة تحتاج إلى قيادة فلسطينية جديدة تتجاوز فكرة إصلاح السلطة الفلسطينية الحالية، التي يبدو أن إصلاحها لم يعد كافياً بعد عقود من الانقسام والترهل. فلا بد من إشراك كوادر شابة جديدة غير مرتبطة بـ"حماس" أو بالسلطة الحالية، لتشكيل إدارة مدنية تحظى بقبول داخلي ودعم دولي وعربي واسع. نموذج كهذا يمكن أن يشكل نواة لتجربة ناجحة تطبق لاحقاً في الضفة الغربية أيضاً، بحيث يكون الفلسطيني هو الفاعل الأساس في إدارة شؤونه، لا تابعاً للانقسامات ولا رهينة لسلطة منهكة، ضمن جدول انتقالي واقعي ذي مراحل والتزامات زمنية واضحة.

السلام الحقيقي لا يصنع بالمشاريع الاستثمارية، بل بالضمانات الدولية القادرة على فرض الاستقرار وحماية الحقوق. ووحدها واشنطن اليوم القادرة على أن تفتح الطريق نحو تسوية حقيقية، أما ما عداه فمجرد وهم جديد يضاف إلى سلسلة الأوهام التي غذت الصراع بدلاً من أن تنهيه. لذلك، وقبل أن تضيع الخرائط وتصغر المساحات، على الأميركيين أن يدركوا أن هذا الجزء من العالم لم يعد يحتمل أنصاف الحلول. فإما أن تكون واشنطن حاضرة بثقلها وحيادها، وإلا فلن تمنح للرئيس ترمب فرصة لتكرار العبارة الشهيرة للمفاوض الأميركي روبرت ليفينغستون بعد التوقيع على صفقة لويزيانا التاريخية، "لقد عشنا طويلاً، لكن هذا أعظم ما أنجزناه في حياتنا".

اقرأ المزيد

المزيد من آراء