ملخص
التاريخ لا يرحم من يفوت لحظة السلام، لكن سلام غزة هذه المرة ليس هدية مجانية، بل اختبار قاس لن يرسم بقرار نتنياهو وحده، ولا بقبول "حماس" أو رفضها، بل أيضاً بمدى انخراط واشنطن في لعب دور الضامن الفعلي، لا الشريك المنحاز.
في الحروب، سواء خرجت منتصراً أم مهزوماً، لا بد من ثمن. أن يقبل نتنياهو بخطة ترمب ويقول إنه مستعد للانسحاب من قطاع غزة، فذلك يعني أن إسرائيل استنفدت أقصى ما تستطيع، ووجدت في الخطة الأميركية مخرجاً من المستنقع الذي استنزفها وتسبب لها بعزلة دولية غير مسبوقة، أو أن نتنياهو، الذي لا أحد يصدق أنه رجل سلام، يراهن على رفض "حماس" لينال غطاء أميركياً يتيح له أن يستمر في حرب الإبادة على غزة.
خطة ترمب المؤلفة من 20 بنداً ليست مجرد وقف لإطلاق النار، ولا تبادل أسرى يكون في مدى زمني منظور، بل هي مشروع مفتوح لإدارة دولية طويلة الأمد لغزة. فهي تعد بانسحاب إسرائيلي، وخروج "حماس" من القطاع، وإسناد إدارته إلى لجنة تكنوقراط تحت إشراف دولي يترأسه ترمب نفسه، ويشارك فيه توني بلير وآخرون. أي أننا أمام طريق طويل نحو غزة الجديدة المستقلة عن الضفة الغربية، وعن حركة "حماس" التي ننتظر موقفها من خطة تجريدها من الحكم والسلاح وخروجها للمنفى؟ فإذا كان نتنياهو وجد في الخطة مخرجاً من حرب استنزفت جيشه وصورته، فإن "حماس" لن تجد فيها أكثر من تهديد وجودي ونهاية لمسيرتها المسلحة والسياسية أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الشارع الغزي الذي دفع الثمن الأكبر هو اليوم بين مطرقة الحاجة إلى وقف النار وسندان الخوف من نكبة جديدة ووصاية أجنبية بلا أفق، الغزيون بلا شك يريدون الحياة، الكهرباء والماء والدواء وإعادة البناء، لكنهم يعرفون أيضاً من التجارب المجاورة أن الحلول المستوردة قد تتحول إلى فخاخ طويلة الأمد، وهنا يطل اسم توني بلير، الرجل الذي يشبه في نظر كثيرين بول بريمر العراق. كلاهما يمثل نموذج الحاكم الغربي الذي يحمل وصفة جاهزة لإدارة مجتمع محطم، الفرق أن بريمر جاء على دبابة أميركية، أما بلير فيأتي اليوم بخطة سلام أميركية.
من الواضح أن طريق خطة ترمب ليس مفروشاً فقط بوعود الإعمار والهدوء، بل أيضاً بألغام سياسية أوسع من مجرد تفاهم بين نتنياهو وترمب، فهي تحمل كثيراً من الوعود: إعادة إعمار، منطقة اقتصادية خاصة، أفق نحو دولة فلسطينية. لكنها في الوقت نفسه تحمل كثيراً من الألغام: نزع السلاح الكامل، وصاية دولية، وإدارة انتقالية قد تمتد سنوات. إنها أقرب إلى "كأس سم" موزع على الجميع، لكن المعضلة اليوم أن البديل غائب، فـ"حماس" وصلت إلى سقفها الأقصى، والحرب لم تعد قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية. وإسرائيل من جهتها عاجزة عن فرض احتلال دائم، لأنها لا تريد أن تواصل الغرق في مستنقع غزة. يبقى أن تتقرر الكلمة الفصل بين "قبول مشروط" أو "رفض مبدئي"، فإذا وافقت "حماس" فهي تكتب نهايتها، وإذا رفضت فإنها تغامر بتحميل نفسها مسؤولية استمرار حرب إبادة لا طاقة للغزيين باحتمالها.
يبقى السؤال الأهم: ما حدود انخراط الإدارة الأميركية في تنفيذ هذه الخطة؟ هل ستتصرف كقوة عظمى ضامنة لالتزامات جميع الأطراف، قادرة على فرض الانسحاب وضمان الإعمار وحماية المدنيين؟ أم أنها، كما جرت العادة، ستكتفي بالجلوس إلى الطاولة بجانب حكومة نتنياهو، تمنحه الغطاء السياسي والعسكري، وتترك تفاصيل التنفيذ عائمة بانتظار تفسيرات إسرائيلية؟ التجارب السابقة تؤكد أن واشنطن بارعة في هندسة المبادرات، لكنها أقل حماسة في فرضها على حليفها المدلل، مما يجعل كثيرين ينظرون إلى خطة ترمب بريبة: هل هي التزام أميركي حقيقي، أم مجرد مناورة لمآرب أخرى؟
التاريخ لا يرحم من يفوت لحظة السلام، لكن سلام غزة هذه المرة ليس هدية مجانية، بل اختبار قاس لن يرسم بقرار نتنياهو وحده، ولا بقبول "حماس" أو رفضها، بل أيضاً بمدى انخراط واشنطن في لعب دور الضامن الفعلي، لا الشريك المنحاز.