Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخدعة الكبرى!

وهم "الممانعة" هو أخطر خدعة أُدخلت على الوعي العربي في العقود الأخيرة

الخطاب المتشنج الذي يرفع شعار تحرير فلسطين كان في الداخل يزرع الكراهية ويؤسس للقمع (أ ف ب)

ملخص

لقد أثبتت التجارب أن الحركات والتنظيمات، وحتى الأحزاب، مهما رفعت من شعارات براقة وتغنت بغايات نبيلة، لا يمكن أن تكون بديلاً أو منافساً لمؤسسات الدولة

لم نخسر في الحروب كما خسرنا من المغامرات والشعارات، ففي الوقت الذي وحَّدتنا فيه القضية فرَّقنا مهووسو الميكروفونات والمنابر... ولنا أن نتأمل أصحاب الخطابات المليئة بالتخوين والاتهامات، لنجد أنهم انتهوا هم أنفسهم إلى خونة وعملاء في خدمة مشاريع إقليمية ودولية، سواء بوعي أو بجهل، وفي مقدم هؤلاء أصحاب ما يسمى "الممانعة"، ذلك البديل اللطيف/ المتردد عن "المقاومة".

إن وهم "الممانعة" هو أخطر خدعة أدخلت على الوعي العربي في العقود الأخيرة، خدعة شعبوية قدمت الصوت العالي بديلاً من الحكمة، والخطاب العاطفي بديلاً من التخطيط، والارتهان للخارج بديلاً من شرف السيادة والاستقلال... حتى انتهت إلى حركات وأحزاب تقتات على الدعم الخارجي وترتهن لأجنداته، وتجمل موقفها بالممانعة والمواجهة، فيما هي تحول أوطانها إلى ميادين للحروب العبثية، وعناوين للفشل الاقتصادي والأمني، وأدوات لا تخدم شعوبها بقدر ما تخدم بقاءها في الحكم وحسابات القوى الإقليمية في المنطقة.

الأخطر أن تيار "الممانعة" لم يكتفِ بالفشل أمام العدو، بل مزق النسيج الداخلي للأوطان. غذى الطائفية، وأشعل الانقسامات، وحول المواطن إلى خصم لأخيه بدلاً من أن يكون رفيقاً له في الجبهة، فالخطاب المتشنج الذي يرفع شعار تحرير فلسطين كان في الداخل يزرع الكراهية ويؤسس للقمع. وهكذا صار العدو رابحاً بلا جهد، فيما استنزفت الدول طاقتها في صراعات داخلية لا نهاية لها. وتحولت "الممانعة" إلى أداة لحروب أهلية، ووسيلة لقمع الشعوب، وتحول بعض الدول إلى بيادق صغيرة في صراعات الآخرين، حتى صار المشهد متكرراً: شعارات تبدأ من تحرير فلسطين، ثم تنتهي بسجون مكتظة بالمواطنين، ومقاصل منصوبة في الميادين، وبندقية لإخراس كل صوت ناقد يطالب بالإصلاح أو الواقعية.

وبدلاً من الاعتراف بالهزائم أو إعادة التفكير في الاستراتيجيات، واصلت هذه الجماعات إنتاج خطابات مغيبة تدعي النصر المبين وفرار العدو، فيما الحقيقة على الأرض لا تحمل سوى مزيد من الخراب والدمار.

لقد أثبتت التجارب أن الحركات والتنظيمات، وحتى الأحزاب، مهما رفعت من شعارات براقة وتغنت بغايات نبيلة، لا يمكن أن تكون بديلاً أو منافساً لمؤسسات الدولة، فما نحتاج إليه اليوم هو التزام صارم بدعم الدولة الوطنية وقطع الطريق على المرتزقة والخونة وأصحاب الأجندات التي تتاجر بقضايانا في البازارات الإقليمية والدولية. فالعالم اليوم، مهما تنازل أو ساير، فإنه لن يعترف بتنظيم ولا بحركة مسلحة، ولن يعقد صفقات حقيقية مع مؤسسات تعمل تحت الأرض لأنه يريد دولة مؤسساتية، تفاوضه وتحاوره، لا مجموعات تتخفى في الأقبية والكهوف وخلف الشعارات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحدها الدولة هي العنوان المقبول، وهي وحدها القادرة على حماية القضية ومنحها وزنها في ساحات السياسة والقرار، فالمعركة الحقيقية لا تُدار من المنابر، بل من داخل مؤسسات الدولة. التعليم الجيد، والاقتصاد المنتج، هي أدوات المقاومة الأشد فاعلية من أي شعارات عاطفية. فمن يبني مدرسة يحمي وطنه من الجهل، ومن يوفر عملاً يحصن شبابه من التطرف، هذه هي "الممانعة" الأصيلة، خصوصاً أن الشعوب اليوم لم تعد ضحية سهلة الانقياد كما كانت من قبل. أجيال جديدة أكثر وعياً وانفتاحاً باتت تدرك أن قوتها في مؤسسات دولها لا في تنظيمات وأحزاب تمتهن الخراب، وأن الخلاص لن يأتي من الخارج، بل من مشروع وطني يبنيه أبناؤها بأيديهم. ولنا أن نتأمل حال أوطان هؤلاء أو أحزابهم أو جماعاتهم، كلها اليوم تعيش في عزلة خانقة، أو في أزمات اقتصادية ساحقة، أو في حروب أهلية لا تنتهي، بينما لم نَرَ أحداً منهم استرد شبراً من أرضه، أو حافظ على سيادة وطنه، أو وفر لشعبه آمناً واستقراراً، بل على العكس، رأينا دولاً تتآكل، ومجتمعات تتفكك، وشعوباً تبحث عن الخلاص في الهجرة والاغتراب.

ولعل اللحظة الراهنة تمنحنا فرصة تاريخية لإنهاء زمن الخداع والمزايدات، واختيار طريق الدولة القوية والتنمية الحقيقية، التي تغلق الباب أمام تجار القضايا وتمنعهم من استغلال قضايانا. وقد آن الأوان أن نخرج من أسر هذا الوهم، وأن نعيد تعريف مشروعنا الأول بوعي جديد، وندرك أن المقاومة ليست مهمة حزبية ضيقة، بل مهمة وطنية بمعناها الحقيقي والشامل، تبدأ من مؤسسات قوية، ومجتمع متماسك، واقتصاد متين.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء