ملخص
من المستحيل أن يقوم الجيش بتغطية كامل الفضاء الجوي لبلد مثل السودان المتسع المساحة، فهذا مسرح عمليات كبير جداً، حتى بالنسبة إلى تغطية العاصمة فقط أمر صعب
تحكم الهجوم بالمسيرات الانتحارية والاستراتيجية الذي شنته قوات "الدعم السريع" خلال الآونة الأخيرة على منشآت عسكرية ومدنية بمختلف أنحاء السودان في ملامح المعادلة العسكرية، في ضوء الحرب الدائرة بين الأخيرة والجيش منذ منتصف أبريل (نيسان) عام 2023، خلال وقت أثار هذا الهجوم المتكرر ثمة تساؤلات حول أهدافه ومدى إمكانه إحداث تغيير وتحول في ميزان القوة وتأثيره في مسار الحرب وحسمها عسكرياً، فضلاً عن تحولها لحرب إقليمية بامتياز؟
هذا الهجوم الذي أزعج كثيرين من المواطنين وبخاصة سكان العاصمة الخرطوم كونها لم تعد في منأى عن خطورة المواجهة بل باتت مسرحاً مباشراً للقتال، تبنته "الدعم السريع" أخيراً وللمرة الأولى منذ بدء القتال، إذ ظلت خلال العامين السابقين تنفى استخدامها طيراناً مسيراً.
وجاء هذا الهجوم بعد تكثيف الجيش عملياته العسكرية داخل ولايات إقليم كردفان بهدف استعادة السيطرة على مدن مهمة في ولايتي شمال كردفان وغربها، وفك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج جنوب كردفان وبابنوسة غرب كردفان والفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور.
رد فعل
في تعليقه على تلك الضربات قال المتحدث الرسمي السابق باسم الجيش الفريق أول ركن محمد بشير سليمان، "في اعتقادي ليس هناك جديد في استهداف مسيرات ميليشيات ’الدعم السريع‘ للأهداف الاستراتيجية والحيوية وبعض الشخصيات المهمة والمواطنين وبخاصة في ولاية الخرطوم، فالهدف منه خلق تأثير معنوي ونفسي على المواطن، فضلاً عن إزعاج الجيش بزيادة المناطق المستهدفة، كما أنه لا يخرج عن كونه مجرد رد فعل للنشاط التنموي الذي تشهده العاصمة حالياً من أجل التأثير في مساره، وإن كاد يكون هذا التأثير معدوماً، فهذا الاستهداف هو محاولة من هذه القوات المتمردة لإثبات وجودها، لكنه هدف ضعيف النتائج والتأثير حتى على مستوى مناصريها من المقاتلين والسياسيين والداعمين الخارجيين لها".
وأضاف "كذلك من أهداف هذا الاستهداف المستمر أن هذه القوات المتمردة تريد إحداث ضغط سياسي وعسكري ونفسي على القيادة العسكرية السياسية، تكاملاً مع الدعوات الكثيرة وبخاصة التي تطلقها الولايات المتحدة واللجنة الرباعية بأن هذه الحرب لا يمكن حلها عسكرياً ولا بد من الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وصولاً إلى حل سياسي بين أطراف الحرب بحسب ما يجري التسويق له، ويأتي استخدام المسيرات أيضاً كتغطية للهزائم التي لحقت بهذه الميليشيات في مسرح كردفان العملياتي ومدينة الفاشر شمال دارفور، فضلاً عن الضربات الجوية المؤثرة لطيران الجيش والتي استهدفت معاقلها في مدينة نيالا".
واستبعد سليمان أن يكون هناك أثر كبير يمكن أن يذكر لهذا الاستهداف بالمسيرات على مجريات العمليات العسكرية التي يجري تنفيذها حالياً، باستثناء ضرورة التحسب لتفادي الحشد النيراني الذي تستغله هذه الميليشيات ضد قوات الجيش في مواقعها الدفاعية ومناطق الحشد والتجمع، وهو ما يمكن تقليله بالانتشار الواسع واستخدام الأسلحة الجوية المضادة والحفر الجيد للخنادق، لكن عموماً ليس هناك أثر يمكن أن يحدث في ميزان القوة أو تغيير الموقف على الأرض، وهذا لا يحدث إلا بالاحتلال الفعلي لقوات المشاة للأرض، وهو ما لا تستطيع ’الدعم السريع‘ تحقيقه الآن".
وبين أن قوات الدفاع الجوي التابعة للجيش أثبتت تميزاً في قدرات الصد والتدمير للمسيرات المعادية على رغم إطلاقها بكثافة، والمطلوب فقط التأمين المعلوماتي المبكر والرصد المستمر وتغطية كل الأهداف والمواقع المتوقع استهدافها.
وأشار إلى أن "الدعم السريع" تدير حرب وكالة بالإنابة عن الإمارات وبقدراتها المادية، مما جعلها توفر أحدث المسيرات من دول العالم كافة حيث تمثل تجارة السلاح مورداً مالياً لهذه الدول. ورأى أن هذه الحرب تتعدى وصف الحرب الإقليمية بالنظر إلى المشاركين فيها من دول عديدة ومرتزقة بالآلاف من جنسيات مختلفة.
المتحدث الرسمي السابق باسم الجيش لفت الانتباه أيضاً إلى أنه يمكن إنهاء هذه الحرب في حالتين، إما بتنفيذ الجيش خطته الهادفة إلى تحرير كل الأراضي السودانية وصولاً للحدود الدولية وتأمينها، على أن تفقد "الدعم السريع" الأرض والقواعد التي تقاتل منها وحواضنها المجتمعية، أو عبر مفاوضات سياسية تجري وفق الشروط وخريطة الطريق التي قدمتها القيادة العسكرية السياسية السودانية للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، ومن دون ذلك فلن يقبل الشعب بأي حل دون رؤيته ورغبته التي تتمثل في عدم وجود أثر لـ"الدعم السريع" حتى في مستقبل السودان.
تخفيف الضغط
من جانبه، أوضح الأمين العام للقيادة المركزية العليا لضباط الصف والجنود السودانيين المتقاعدين "تضامن" المقدم محمد نور قائلاً "في نظري أن استخدام ’الدعم السريع‘ للمسيرات في المناطق الآمنة التي تقع تحت سيطرة الجيش جاءت كرد فعل مباشر لقصف طيران الجيش حواضنها الاجتماعية بدارفور، فهي رسالة واضحة بأنها تستطيع قصف حواضن الجيش في أي مكان داخل البلاد، فضلاً عن هدف آخر هو الإزعاج المتواصل، إضافة إلى أنه يمكن أن يخفف الضغط على العمليات الجارية في دارفور، كما يمكن أن يتبعه هجوم بري أو عمليات بسيطة بإرسال قوات بسيطة إلى ضواحي الخرطوم ومن ثم الانسحاب مباشرة، وبخاصة أن ’الدعم السريع‘ موجودة في منطقة رهيد النوبة بكردفان قرب أم درمان".
وأشار نور إلى أنه لا يرى أي تأثير لهجوم المسيرات على مجرى العمليات، وتحديداً أن تلك المسيرات صغيرة الحجم والتي يطلق عليها "الانتحارية" حيث تحمل عبوات متفجرة صغيرة الحجم، وهدفها أن لا تعود الحكومة مجدداً إلى الخرطوم وأن لا يجري تشغيل مطارها الذي يعاد تأهيله بعد الدمار الذي لحق به جراء الحرب.
ونوه إلى أنه من المستحيل أن يقوم الجيش بتغطية كامل الفضاء الجوي لبلد مثل السودان المتسع المساحة، فهذا مسرح عمليات كبير جداً، حتى بالنسبة إلى تغطية العاصمة فقط أمر صعب، لأن ذلك يتطلب وجود دفاعات جوية للارتفاعات البسيطة والمتوسطة والمالية، إذ يحتاج ذلك لإمكانات ضخمة.
وذكر الأمين العام للقيادة المركزية العليا لضباط الصف والجنود السودانيين المتقاعدين أن "المسيرات التي تستخدمها قوات ’الدعم السريع‘ في هجماتها صغيرة الحجم وأن الحصول عليها سهل للغاية من دول عديدة، بل قد تكون جلبت خبراء لتجميعها وإعادة تصنيعها، في حين لجأت إلى ادخار المسيرات الاستراتيجية لهجمات أكبر"، موضحاً أن هجوم المسيرات الصغيرة لن يحقق أي تغيير في ميزان القوة فهو مجرد عمليات إشغال وإزعاج، لكن المسيرات كبيرة الحجم يمكن أن تحدث تحولاً في مسار العمليات، فضلاً عن أنها إشارة إلى أن هناك تدخلاً إقليمياً أو دولياً قد حدث، وهو يمكن في حال لمست تلك الأطراف عدم رغبة الجيش في التوجه إلى المفاوضات".
دعم خارجي
في السياق، أفاد المراقب العسكري الرائد محمد مقلد بقوله "في انعكاس واضح لمجريات الأحداث في مناطق العمليات ومحاور القتال نجد أن هناك تصعيداً حاداً وخطراً من كلا الطرفين في استخدام الطيران المسير الانتحاري والاستراتيجي، وبخاصة بعد هدوء نسبي على الأرض، وجاء هذا التصعيد بعد تحقيق قوات ’الدعم السريع‘ سيطرة في كل مسارح العمليات بإقليمي دارفور وكردفان وتراجع نسبي وانحسار لمتحركات الجيش والقوات المتحالفة معه".
وأردف مقلد "في تقديري أن استخدام الجيش للطيران المسير في ضرب سوق مدينة الكومة بولاية شمال دارفور أخيراً، والذي راح ضحيته عشرات المدنيين ما بين قتيل وجريح ومحاولات استخدام المسيرات في تهجير المواطنين من قراهم ومناطقهم الآمنة دفع ’الدعم السريع‘ لمعاودة استخدام المسيرات الانتحارية والاستراتيجية في صورة موجات متلاحقة استهدفت مقار ومواقع عسكرية ومنشآت اقتصادية وحيوية تعود للجيش في كل مدن العاصمة الثلاثة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وواصل "كل هذا يقودنا إلى أن هناك دعماً خارجياً مستمراً لكلا الطرفين وبخاصة في الطيران المسير، وواضح تماماً أن اللجوء لهذا السلاح يعني أن الجانبين لا يرغبان في الدخول في معارك مباشرة تحقق السيطرة على الأرض لأي منهما، والاعتماد فقط على هذه المسيرات في عمليات الاستطلاع ورصد الأهداف بدقة عالية وضربها، كما أن استخدام هذه المسيرات يحقق صدمة وتأثيراً معنوياً ونفسياً ضاراً بقوات الجيش".
وزاد المراقب العسكري "في اعتقادي أن التصعيد الأخير من ’الدعم السريع‘ باستخدام هذه المسيرات يؤكد تماماً أنها تمتلك رصيداً ووفرة منها وبتقنيات عالية، إضافة إلى منظومات دفاعية متطورة تستطيع أن تحيد طيران الجيش كثيراً، لكن هذا يقودنا أيضاً إلى أن مثل هذه العمليات لن تحقق انتصاراً حاسماً على الأرض، وأنها لن تحدث تغييراً كبيراً في ميزان القوة إلا بتقدم واندفاع القوات على الأرض".
حظائر طائرات
سبق أن أشارت تقارير صحافية إلى أن صوراً لأقمار اصطناعية أظهرت وجود ثلاث طائرات مسيرة في الأقل وتشييد حظائر للطائرات في مطار جنوب دارفور تسيطر عليه قوات "الدعم السريع"، في دليل على استمرار تدفق أسلحة متقدمة تسهم في تأجيج الحرب الدائرة في البلاد.
وتعد مدينة نيالا من معاقل قوات "الدعم السريع" وتستخدمها لشن هجمات على مدينة الفاشر التي يسيطر الجيش والقوات المتحالفة معه على معظم مساحتها، فضلاً عن استهداف مخيم زمزم للنازحين في المدينة نفسها.
وتستخدم "الدعم السريع" والجيش الطائرات المسيرة خلال قتالهما بدعم خارجي، في إطار صراع على السلطة اندلع خلال أبريل 2023 أدى إلى مقتل عشرات الآلاف وتسبب في انتشار المرض والجوع الحاد.
وأظهرت صور التقطتها شركة "ماكسار" تشييد ثلاث حظائر للطائرات على مدى خمسة أسابيع بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، بينما ظهرت طائرة مسيرة واحدة في الأقل للمرة الأولى داخل المطار خلال التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 2024، وفقاً لرويترز.
في حين أشار تحليل أجرته شركة الاستخبارات الدفاعية (جينز) إلى أن المسيرات الظاهرة في الصور صينية الصنع من طراز (سي.أتش-95) ذات القدرة على المراقبة بعيدة المدى وتوجيه الضربات على مسافة تصل إلى 200 كيلومتر.
واتهم الجيش خلال وقت سابق "الدعم السريع" باستخدام مطار نيالا لاستقبال أسلحة من الإمارات التي يقول إنها تزودها بطائرات مسيرة منذ بدء الحرب، لكن الخارجية الإماراتية نفت هذا الاتهام وأكدت أنها لا تقدم أي دعم أو إمدادات لأي من الطرفين المتحاربين في السودان، وإنها تركز على الإغاثة الإنسانية.