ملخص
كشف موقع إخباري إسباني مضامين المقترح المغربي للحكم الذاتي في منطقة الصحراء الغربية في صيغته الجديدة، على رغم الكتمان السياسي الرسمي الذي أحاط الملف المكوّن من 40 صفحة، والذي قدمه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في اجتماعات مدريد برعاية أميركية رفيعة المستوى.
بإعداد صيغة محيّنة ومطورة من مقترح "الحكم الذاتي"، وتقديمها أمام أنظار أطراف نزاع الصحراء في "مفاوضات مدريد" التي جرت أخيراً، يتطلع المغرب إلى أن يحسم بصورة نهائية هذا الملف الذي عمّر عقوداً متتالية، مستثمراً صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي أكد أن الحكم الذاتي يمثل أساساً جدياً وواقعياً للتوصل إلى حل سياسي متوافق عليه.
وكشف موقع إخباري إسباني مضامين المقترح المغربي في صيغته الجديدة، على رغم الكتمان السياسي الرسمي الذي أحاط الملف المكوّن من 40 صفحة، قدمه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في اجتماعات مدريد برعاية أميركية رفيعة المستوى.
ويرى محللون أن الصيغة الجديدة لمبادرة الحكم الذاتي تمثل تفصيلاً وتحديثاً للصيغة الأصلية التي قُدمت إلى مجلس الأمن عام 2007، لاعتبارات عدة أبرزها أن الحكم الذاتي بات المرجعية الوحيدة لكل حل محتمل للنزاع، كذلك فإن الصيغة الأولى مرت عليها أعوام كثيرة، واعترتها تطورات عدة فرضت تحيين مضامينها ومساراتها المتشعبة.
أبرز المضامين
ونشرت الصحافة الإسبانية مضامين مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه وزير الخارجية المغربي خلال اجتماعات مدريد برعاية أميركية، التي جرت بحضور وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، ووزير خارجية موريتانيا محمد سالم ولد مرزوك، إضافة إلى ممثل جبهة البوليساريو، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستافان دي ميستورا.
بخصوص الأسس القانونية والهندسة المعيارية للنظام الأساس، يستعيد نص المقترح الذاتي المرجعية التي قامت عليها المبادرة المغربية عام 2007، والتي أُحيلت إلى الأمم المتحدة خلال ولاية الأمين العام السابق بان كي مون، وحوّلها إلى وثيقة منظمة، مادة بمادة، تتضمن تعريفات معيارية، وبنوداً تفسيرية، وأحكاماً انتقالية، وآليات للمواءمة الدستورية، وإجراءات للرقابة، بما يجعلها (الوثيقة) أقرب إلى نظام أساس يُقارَن بأنظمة الحكم الذاتي الأوروبية، وليست مجرد إعلان سياسي.
ووفق ما تسرب إلى الصحافة الإسبانية، فإن الوثيقة المحيّنة حددت الاختصاصات الحصرية للدولة بصورة مقيدة، تشمل الدفاع الوطني، والأمن الاستراتيجي، والسياسة الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي، والعملة والسياسة النقدية، والجنسية، ورموز السيادة، والنظام القضائي الأعلى، وتُستثنى هذه المجالات من أي اختصاص جهوي، حتى لو كان مشتركاً.
وانتبه مقترح الحكم الذاتي في صيغته الجديدة إلى "مبدأ الولاء الدستوري كقاعدة مؤطرة لممارسة السلطات الجهوية، بما يعني أن كل سلطة ذاتية تمارس صلاحياتها في إطار وحدة الدولة، والتضامن الوطني، وانسجام السياسات العامة".
ووفق المصادر ذاتها فإنه من الجانب العملي يستلهم المقترح الذاتي في صيغته المطورة التجارب الأكثر نجاحاً في مجال أنظمة الحكم الذاتي، لا سيما تلك المعتمدة في إسبانيا وغرينلاند، من ناحية تقنيات توزيع الاختصاصات، والمسؤولية الحكومية الجهوية، وتدبير الموارد بصورة منظمة، مع تكييفها الصارم مع الإطار الدستوري المغربي والطابع الوحدوي للدولة.
أما من الجانب الدستوري والنظري فإن هندسة المقترح المحيّن تستند إلى نموذج فرنسي، سواء في دمجها ضمن القانون الدستوري أو في منهجية تكريس اتفاق سياسي ذي قيمة معيارية سامية، على غرار المقاربة المعتمدة في اتفاق نوميا المتعلق بـكاليدونيا الجديدة.
تصور متكامل
ويقول في هذا الصدد ، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، الحسن بوقنطار، إنه "على رغم عدم نشر الصيغة النهائية الجديدة لمقترح الحكم الذاتي من طرف المغرب، فإن المعطيات التي تم تداولها، بخاصة من طرف الصحافة الإسبانية توحي بعدة ملاحظات رئيسة".
الملاحظة الأولى، وفق بوقنطار، أن "الأمر يتعلق بلحظة جديدة وفارقة في مسار مقترح الحكم الذاتي، إذ إنه بفعل القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في الـ31 من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بات بمثابة المرجعية الوحيدة لكل حل، ومن ثم فإن كل الأطراف ملزمة الانخراط ضمن فلسفته".
وأردف بوقنطار "ملاحظة ثانية تتمثل في كون الصيغة الجديدة تمثل تفصيلاً وتحييناً للصيغة الأصلية التي قُدمت إلى مجلس الأمن عام 2007 لاعتبارات عدة: أولها أن مقترح الحكم الذاتي بات بمثابة المرجعية الوحيدة لكل حل محتمل، وثانيها أن الصيغة الأولى مر عليها قرابة 20 عاماً، عرفت خلالها المنطقة تطورات عدة".
هذه التطورات أوجزها المحلل نفسه في "الجهود التنموية الهائلة لإنماء منطقة الصحراء، وجلب الاستثمارات الدولية لجعلها قطباً ونقطة التقاء وتواصل مع الفضاء الأفريقي الذي بات عمقاً استراتيجياً بالنسبة إلى المغرب، علاوة على تزايد الدول والمنظمات المعترفة بسيادة المغرب على صحرائه".
وزاد بوقنطار ملاحظة ثالثة هي أن "الصيغة الجديدة اتجهت نحو بناء تصوّر متكامل ودقيق لكل الجوانب المتعلقة بإجراءات الحكم الذاتي، فلم يعد الأمر مجرد إعلان سياسي، وإنما بات بمثابة مخطط مضبوط تمكن مختلف الأطراف من مناقشة بنوده بصورة عملية، وليس فقط من خلال إعلان نوايا".
واستطرد الأستاذ الجامعي أنه "بهذه الصيغة الجديدة أظهر المغرب جديته في التفاعل مع القرارات الدولية، وفي تسهيل مهمة مجلس الأمن والولايات المتحدة للوصول إلى حل يضع حداً لهذا النزاع المفتعل"، آخذاً في الاعتبار أن "تطبيق الحكم الذاتي في الصحراء ليس مسألة سهلة، فهو يتطلب مجموعة ترتيبات معقدة، لا يمكن الإقدام عليها إلا بتحلي كل الأطراف بالواقعية وحسن النية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ترجيح النموذج الإسباني
من جهته يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجديدة محمد الزهراوي أن "النموذج المقترح للحكم الذاتي بالصحراء يندرج في خانة النماذج المعمول بها في بعض الدول التي عادة ما توصف بـ'دولة الجهات المستقلة'، مثل النموذج المعتمد في إسبانيا، بمعنى أن المقترح المغربي يميل أكثر إلى النموذج الإسباني".
ويقوم النموذج الإسباني في الحكم الذاتي على ركائز عدة، من بينها اللامركزية السياسية الواسعة، ووجود برلمان وحكومات جهوية، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والجهات، ومنح نظام مالي خاص لبعض الجهات، والاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي، وغير ذلك.
وسجل الزهراوي "قابلية المقترح المغربي للتفاوض، إذ تُركت بعض المساحات بيضاء، بحيث يتضمن المقترح مستويين، الأول غير قابل للتفاوض في ما يتعلق بالأمور المرتبطة بالسيادة، أما المستوى الثاني فجاء أكثر مرونة ويظل مفتوحاً وقابلاً للنقاش والتفاوض".
وبخصوص مضمون المقترح المغربي المفصل بحسب التسريبات غير الرسمية، أشار المتحدث ذاته إلى ثلاثة مستويات، الأول المستوى الدستوري والقانوني، إذ حمل في طياته بعض الضمانات الدستورية والقانونية التي تشكل أرضية صلبة لتطبيق مشروع الحكم الذاتي ومحاولة تسقيف بعض الصلاحيات والاختصاصات والعلاقة بين السلطة المركزية وإقليم الجهة.
أما المستوى الثاني فيتعلق بالجوانب المؤسساتية، إذ يشير المشروع إلى بعض المؤسسات في إقليم الجهة وعلاقاتها بالمؤسسات المركزية، سواء مؤسسة الحكومة المحلية والبرلمان، إضافة إلى مؤسسات أخرى.
ويرتبط المستوى الثالث، وفق الزهراوي، بالملفات التفاوضية أو العالقة، إذ ترك المشروع الباب مفتوحاً لمناقشة بعض الملفات المتعلقة بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مع الأخذ في الاعتبار أن الإشارة إلى "شرطة محلية بعتاد وأسلحة تقليدية" تشكل رسالة أو ضمانة لدمج "البوليساريو" في هذا المشروع.