Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ميدان التتنافس بين واشنطن وبكين يتسع لجيوش الـ"سايبورغ"

تحذير من أن تلك السلالة المعدلة وراثياً والمركّبة من البشر الفائقين ستتمتع بذاكرة أقوى ومقاومة للأمراض لكنها ستعرض الآخرين للخطر

تعود رغبة الإنسان في امتلاك قوى خارقة إلى زمن الاثنيين الذين زخت بلادهم بآلهة امتلكت قدرات خارقة للطبيعة (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ملخص

المؤكد أن الصين تلاحق الولايات المتحدة في المجالات الحياتية كافة، وعلى رأسها العسكرية، والعمل جار على قدم وساق لزمن الاستبدال الكبير بحيث تحل الروبوتات الآلية مكان البشر، إذ تفيد المعلومات الواردة من الصين بأن الباحثين الصينيين يسعون إلى إطلاق الشريحة في السوق بحلول عام 2028، بعد الحصول على موافقة الجهات المعنية، مع خطط لتمكين الأشخاص من التحكم الآلي بالذراع لأداء مهمات معقدة، فهل يعني ذلك أن الصين بدورها قاب قوسين أو أدنى من عالم الجنود الخوارق ومقاتلي الـ "سايبورغ".

خلال الأسبوع الأول من سبتمبر (أيلول) الماضي أعلنت شركة "نيورالينك" التي يمتلكها الملياردير الأميركي إيلون ماسك زرع شرائح الدماغ التي تصنعها لدى 12 شخصاً حول العالم، وجاء هذا الخبر ليمثل زيادة عددية عن الإعلان السابق الصادر في يونيو (حزيران) الماضي عندما أعلن "معهد باور لطب الأعصاب"، والذي نشأت بينه وبين شركة ماسك شراكة بحثية، أنه جرت زراعة الرقائق لدى سبعة أشخاص مصابين بشلل تام، وأنهم أضحوا الآن قادرين على استخدامها للتحكم في وسائل رقمية وأدوات مادية من خلال التفكير، فهل البشرية على موعد مع فتح علمي جديد يمزج ما هو بشري طبيعي بما هو تكنولوجي حداثي مبتكر؟ وأهي ثورة جديدة في عالم الطب أم أنها ثورة في طريق تخليق وتصنيع أنواع مغايرة من الكائنات الخليط أو المزيج من البشر والآلات، أملاً في الوصول إلى ذلك الحلم الذي راود عقول عدد من كبار المفكرين والفلاسفة، والخاص بفكرة الإنسان الأعلى أو الجنس الخارق القادر على أن يقوم بما لا يمكن للإنسان العادي أن يفعله؟

لعل السؤال الأهم في هذه القراءة هو "هل ما يقوم به إيلون ماسك أمر يخصه أم أنه ليس سوى مجرد أداة فاعلة ضمن سياقات الدولة الأميركية العميقة غير الظاهرة على السطح، والتي تمثلها في العلن "وكالة أبحاث الدفاع الأميركية" الشهيرة (داربا)، المنوط بها العمل في المجالات التي تبدو اليوم خيالية بالنسبة إلى البشرية، وعليها يقع عبء إنتاج الأسلحة فائقة الذكاء والتطور؟

الواضح أن قصة الشرائح الدماغية التي تعتبر مفيدة بالفعل في علاجات الأمراض المستعصية تبدو أمام تساؤلات أخلاقية مخيفة، ولا سيما في حال جنحت تلك الابتكارات، وهي ستفعل ولا شك، في طريق تخليق جيوش آلية تمثل وبالاً على البشرية، وعطفاً على ذلك فها هي الأنباء تأتي من الصين لتفيد بأن الصينيين أنفسهم قد استنفروا قرون الاستشعار ومضوا في طريق مشابه لصناعة رقائق مشابهة، فمن أين لنا بداية الحكاية؟

"نيورالينك" والطريق إلى المجهول

تأسست شركة "نيورالينك" عام 2016، هي شركة جديدة في عالم واجهات الدماغ والآلة، و BMIsهذه التقنية الأساس موجودة منذ عقود ومبادئها واضحة ومباشرة، إذ تتكون واجهة الدماغ من مجسات عادة ما تكون أسلاكاً رفيعة جداً وتغرس في الدماغ داخل مواقع محددة، فترصد هذه المجسات نشاط خلايا الدماغ القريبة وتنقل المعلومات التي تجمعها إلى جهاز حاسوب، ثم يعالج الحاسوب هذه المعلومات للقيام بمهمة مفيدة، ربما التحكم في روبوت أو تركيب مرمم صوت، ويمكن لواجهات الدماغ والآلة أيضاً العمل بطريقة معاكسة، إذ تحفز النشاط العصبي من خلال التحفيز الكهربائي الذي تجريه المجسات معاً، مما قد يغير ما نفكر فيه ونشعر به ونفعله.

ومنذ عام 2016 تمضي التطورات في تقنية IBM سريعة للغاية ولأسباب وجيهة، فهناك إمكان استعادة الحركة لدى المصابين بالشلل، وقد يتمكن المكفوفون من الرؤية مجدداً وأكثر من ذلك بكثير، ولكن بعيداً من التطبيقات الطبية فهناك احتمالات واسعة أن تمنح تلك الآلية قدرات معرفية جديدة، بل قدرات عملياتية وحركية واسعة يخشى معها على مستقبل النوع البشري، ويمكن تفسير الاهتمام الإعلامي الكبير بشركة "نيورالينك" بسبب إشادة الفتى المعجزة إيلون ماسك بمستقبل الـ "سايبورغ" أو خليط البشر بالآلات.

وخلال الآونة الأخيرة أحرزت فرق بحثية أخرى تقدماً ملاحظاً، ففي العام الماضي ساعد باحثون في لوزان بسويسرا رجلاً مشلولاً على المشي، بينما استخدم علماء في جامعة ستانفورد مؤشر كتلة الجسم BMI  لتمكين مرضى العصيون الحركي الذين فقدوا القدرة الجسدية على الكلام من التواصل باستخدام أفكارهم، وقد استخدمت مؤشرات كتلة الجسم لقمع نوبات الصرع وتخفيف أعراض مرض باركنسون من خلال التحفيز العصبي المستهدف، غير أنه على العكس من السيارات الكهربائية، خيار "تيسلا" المفضل لماسك، فإن فهم كيفية عمل الدماغ البشري ليس مشكلة علمية محلولة، وبينما لا يزال أمام "نيورالينك" بعض الوقت للتعويض فإن براعتها الهندسية قد تسرع هذه التطبيقات السريرية المرغوبة وتطوير روبوتات جراحية دقيقة لإجراء عمليات زرع بدقة فائقة، وزيادة النطاق الترددي من خلال زيادة عدد وكثافة المجسات وتطبيق قدرات حاسوبية هائلة، وكلها عوامل قد تُحدث فرقاً.

ويبقى الهدف المعلن للشركة حتى الآن هو استعادة الحركة لدى المصابين بالشلل، فهل هذا هو كل ما يسعى إيلون ماسك في طريقه، أم أن للرجل رؤية أخرى لم تعد خافية على أحد تتمثل في سعي طويل الأمد إلى دمج الوعي البشري بالذكاء الاصطناعي، وهو ادعاء أثار شكوكاً كبيرة من العلماء في حاضر أيامنا؟

ماسك والطريق للإنسان الخارق

في السادس من أغسطس (آب) 2024 تعهد إيلون ماسك بأن شركته "نيورالينك" ستمكن الناس من تحقيق "قوى خارقة" من خلال زرع غرسات في الدماغ، وقد أدلى ماسك بهذا التصريح الجريء خلال ظهوره في برنامج "ليكس فريدمان بودكاست" على "يوتيوب"، وقال ماسك خلال المقابلة "سنمنح الناس قدرات خارقة"، مؤكداً الإمكانات التحويلية لتكنولوجيا "نيورالينك" والتي تهدف إلى إحداث ثورة في القدرات البشرية من خلال دمج غرسات الدماغ المتقدمة.

 وجاءت تصريحات ماسك عقب إعلان شركته نجاح زرع شريحتها في مريض ثان، وفي البودكاست ذاته استعرض رائد الأعمال الأميركي الجنسية، الجنوب أفريقي الأصل، كثيراً من التطبيقات الرائدة لهذه التقنية، بما في ذلك علاج الاضطرابات العصبية والأمراض التي يصعب علاجها بالطرق التقليدية.

ووفقاً لماسك فإن شريحة "نيورالينك" تتمتع بالقدرة على توفير رؤية فائقة الوضوح، بل وحتى استعادة البصر للمكفوفين، وأعرب عن ثقته في أن هذه الغرسة ستحدث تغييراً جذرياً في طريقة تفاعل الأفراد مع العالم، مشيراً إلى أن مستخدمي غرسة "نيورالينك" سيرون التفاعلات التقليدية مع الأشخاص وأجهزة الكمبيوتر على أنها بطيئة للغاية مقارنة بالقدرات المعرفية والحسية المحسنة التي توفرها الشريحة، ولافتاً إلى أن هذه التقنية ستغير حياة الناس بقوله "تخيلوا عالماً يستطيع فيه الأشخاص الذين يستخدمون 'نيورالينك' معالجة المعلومات والتفاعل مع محيطهم بسرعات ووضوح يفوقان بكثير القدرات البشرية الحالية".

وحتى الساعة تبدو تصريحات ماسك تدور في إطار واضح ومحدد وهو استغلال تلك الشرائح الدماغية لهدف مرحب به من كل الاتجاهات، سواء كانت علمانية جافة أو دينية مؤدلجة، غير أن بعض الكلمات التي استخدمها ماسك في حديثه خلال البودكاست المشار إليه، وكررها مرات عدة، ولا سيما تعبير "القدرات الخارقة"، كان لها رجع صدى عند جمهور النخبة لا العوام، ذلك أنها أعادت للأذهان مفهوماً مثيراً وخطراً مرت به البشرية في القرون التي أعقبت عصر النهضة، ولا سيما في القرن الـ 20، وهو مفهوم الإنسان الخارق، ذاك الذي وجد دعماً كبيراً من أنظمة سياسية لا تغيب عن الأعين خلال النصف الأول من ذلك القرن، ونعني بها النازية والفاشية، إضافة إلى اليمين الياباني المتشدد، وكلها سعت في إطار "الإنسانية الخارقة" إلى بهدف السيطرة على العالم المعاصر بالقوة والحديد والنار، فماذا عن تداعيات هذا المفهوم؟ وهل يمكن أن تكون شرائح الأدمغة، سواء تلك التي يعمل عليها جاهداً إيلون ماسك عبر شركته الأكثر إثارة "نيورالينك"، أو شركات الدول الأخرى، طريقاً مؤكداً لعالم ستتصارع فيه قوى فائقة القوة، تزخم البشر بأدوات تقنية غير مرئية، مما يعني عالماً مغايراً غير الذي عرفته الكرة الأرضية منذ بدايات الخلف وحتى الساعة؟

الإنسان الخارق من نيتشه إلى هوكينغ

بالعودة لعدد من الموسوعات الدولية من البريطانية إلى ويكيبيديا، نقرأ مطولاً عن هذا الحلم الذي ملك جنان الإنسان عبر العصور وامتلأت كتب التاريخ بالأساطير حول رجالات سعوا إلى هذا المسار، فالمصطلح باختصار يشير إلى البشر وربما من الأدق القول أشباه بشر، أو غيرهم من الكائنات التي تتمتع بقدرات وصفات تفوق تلك الموجودة بصورة طبيعية حول الكرة الأرضية، لكن علامة الاستفهام التي انقسمت من حولها الإنسانية هي كيف يمكن اكتساب تلك الصفات، وهل من الطبيعة عينها عبر موادها الأولية، النار والتراب والماء والهواء، أم من خلال سعي يحقق الذات ومخترعات تغير الأوضاع وتبدل الطباع كما تقول جماعة الفلاسفة؟ ومهما يكن من أمر الجواب فإن البحث نفسه دفع كثيراً من الشعوب في طريق فكرة "العرق الخارق"، وما تعبير "الجنس الآري" عند أدولف هتلر سوى أحد تجليات فكرة الإنسان أو البشرية الخارقة.

وربما تعود فكرة أو رغبة الإنسان في امتلاك قوى خارقة إلى زمن الاثنيين الذين زخت بلادهم بآلهة امتلكت قدرات خارقة للطبيعة ومكنتهم من التحكم في مختلف الظواهر الطبيعية، من باندورا إلى تالوس وبروميثيوس وزيوس، وقد كانت لهذه الآلهة القدرة على تشكيل مملكتي الإنسان والحيوان.

وعلى مر التاريخ أثرت مناقشة السمات الخارقة وفكرة الإنسان الأعلى على كثير من السياسات والسياسيين، وغالب الظن أن الفلاسفة وكبار الكتاب والمفكرين مارسوا دوراً كبيراً ومهماً في خروج هذه الفكرة إلى النور، ولعل الفيلسوف الألماني الأشهر فريدريك نيتشه (1844- 1900) كان من أشهر أولئك الذين أرسوا فكرة "الإنسان الأعلى" والمرادف للإنسان الخارق، وضمن هذا المفهوم كثير من كتاباته ومؤلفاته التي اعتبرت الأساس البنيوي للفكر العرقي والعنصري حول العالم.

وهناك عالم آخر ترك في كتاباته حافزاً للبشرية في طريق السعي إلى الخوارق، ونعني به الفيزيائي البريطاني الأشهر ستيف هوكينغ (1942-2018) الذي كتب في أخر أعماله حاثاً البشرية على التفكير العميق في ترك الكرة الأرضية في أسرع وقت وإلا فإنهم سيتعرضون للإبادة، ويقول هوكينغ إن أجهزة الكمبيوتر ستتفوق على البشر في الذكاء خلال الأعوام الـ 100 المقبلة، ولهذا ينصح بأن يعمل الجنس البشري على تحسين صفاته العقلية والجسدية، فهل يدعو هوكينغ لسلالة جديدة من البشر الخوارق؟

هو يفعل ذلك بالفعل وفي الوقت عينه يحذر من أن تلك السلالة المعدلة وراثياً والمركبة شرائحياً من البشر الفائقين ستتمتع بذاكرة أقوى ومقاومة للأمراض، لكنها ستعرض بقية البشر الآخرين للخطر، ولم يكن ماسك في حقيقة الأمر أول من فتح الباب واسعاً في عالم الشرائح، فقد سبقه نائب رئيس "جامعة كوفنتري للأبحاث" المهندس الإنجليزي كيفن وارويك، ففي عام 1998 اشتهر بزراعة فريدة من نوعها في يده، ومنذ ذلك الوقت انطلقت الرحلة إلى المجهول وبات السؤال الذي لا مفر من الجواب عنه ومواجهته بموضوعية هو هل الشرائح الدماغية هي الطريق المؤكد إلى عالم الـ "سايبورغ" الذي بات يدوي في عالمنا المعاصر بقوة غير مسبوقة؟

عن مفهوم الـ "سايبورغ" ودلالاته

تبدو الكلمة غريبة عن اللغة العربية وجذورها بل وفروعها أيضاً، وفي الأصل الإنجليزي فإن Cyborg تعني كائناً مركباً من مكونات عضوية بيولوجية، أي من أصل النوع البشري، ومن مركبات بيو – ميكاترونية، وقد ظهر المصطلح إلى العلن للمرة الأولى عام 1960 في مجلة "الملاحة الفضائية" للعالمين الأميركيين مانفرد كلاينز وناثان كلاين، ومن دون الإغراق في التحليلات العلمية فإن الـ "سايبورغ" هو كائن حي استعاد وظائفه أو اكتسب قدرات محسنة خاصة نتيجة دمج مكون صناعي أو تقنية تعتمد على نوع من التغذية الراجعة، وعلى رغم أن الـ "سايبورغ" يرتبط غالباً بالثدييات، بما في ذلك البشر، فيمكن أن ينطبق المصطلح على أي كائن حي، وكان أول الكتب التي عرّفت العالم بهذا المجال العلمي الجديد هو كتاب "الـ 'سايبورغ': تطور الرجل الخارق" لمؤلفه الأميركي، وفيه جرى تناول مفهوم الحدود الجديدة التي لم تكن مجرد فضاء خارجي بل علاقة أكثر عمقاً بين الفضاء الداخلي والفضاء الخارجي، باعتبارها جسراً بين العقل والمادة.

ووفقاً لبعض التعريفات فإن التفاعل الجسدي للبشر حتى مع أبسط التقنيات تجعلهم بالفعل "سايبورغات"، وعلى سبيل المثال فإن مهمة جهاز تنظيم ضربات القلب الاصطناعي أو مزيل الرجفان القابل للزرع سايبورغاً هي قياس الجهد الكهربائي في الجسم بمعالجة الإشارات وتوصيل محفزات كهربائية من خلال آلية تغذية راجعة اصطناعية للحفاظ على حياة الشخص، كما تعد الزراعات الإلكترونية، وبخاصة زراعة قوقعة الأذن التي تجمع بين التعديل الميكانيكي والاستجابة الراجعة، شكلاً من أشكال التعزيز الـ "سايبرنيتكي"، غير أنه ومنذ العقود الثلاثة الماضية بات مفهوم الـ "سايبورغ" ينسحب على الإشارة إلى مزيج الإنسان والتكنولوجيا بصورة أكثر تجريداً ليشمل الأجهزة المتقدمة مثل الهواتف والحواسيب والإنترنت، وأيضاً الأدوات التي لا تعتبر عادة تكنولوجية مثل الأقلام والورق واللغة والكلام، فعند استخدام هذه الأدوات يصبح الإنسان قادراً أكثر مما كان عليه سابقاً، وحتى هنا لا يزال الحديث عن حدود تلاقي البشر والتقنيات بصورة تخدم صحة الإنسان وترفع إمكاناته الحياتية المعاصرة، لكن المخاوف الحقيقية التي تملأ الآفاق في الوقت الراهن باتت متعلقة بفكرة تحويل الـ "سايبورغ" إلى أدوات قتال وموت ودمار وفناء، أي جيوش من غير ذراع بشري، بلا بداية لها ولا نهاية، ولا أصل إنساني أو روحاني، فما الذي يجري من حولنا في هذا الإطار، وهل من علاقة تجمع إيلون ماسك بعالم عسكرة الـ "سايبورغ" عبر رقائقه الدماغية تلك التي باتت للمرضى، وتمضي بحسب تصريحاته نحو البشر الخوارق؟

الـ "بنتاغون" وطريق محاربي الـ "سايبورغ"

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 نشرت قيادة تطوير القدرات القتالية للجيش الأميركي دراسة قالت فيها إن "تعزيز قدرات الأذن والعين والدماغ والعضلات أمر ممكن من الناحية التقنية بحلول عام 2050 أو قبل ذلك"، وفي ذلك الوقت سيكون الطلب على القدرات التي تشبه قدرات الإنسان الآلي مدفوعاً جزئياً بسوق الرعاية الصحية المدنية التي تجعل الناس يتأقلمون مع صناعة محفوفة بالتحديات الأخلاقية والقانونية والاجتماعية.

التقرير المعنون بـ "الجندي الآلي 2050: الاندماج البشري/الآلي وتداعياته على مستقبل وزارة الدفاع"، هو نتيجة تقويم استمر مدة عام وجرى تأليفه من قبل مجموعة دراسية من مجلس التكنولوجيا الحيوية والأداء البشري التابع لوزارة الدفاع الأميركية، والذي كُلف بدرس التأثيرات المتتالية للتكنولوجيا الحيوية العسكرية، وقد حدد الفريق ثلاث قدرات يمكن تنفيذها من الناحية التقنية بحلول عام 2050، وهي تحسينات بصرية للتصوير والبصر والوعي بالموقف، واستعادة التحكم العضلي المبرمج من خلال شبكة استشعار الجسم البصري الوراثي، وتعزيز عصبي مباشر للدماغ البشري لنقل البيانات في الاتجاهين، وهنا يتوقع الجيش الأميركي أن يزود جنوده بمثل هذه التقنيات التي ستحول الجندي العادي إلى جندي خارق مُحصن سيبرانياً.

والثابت أنه قد لا تكون الجدوى التكنولوجية هي العامل الوحيد الذي يحدد متى وكيف يحصل الجنود على المعدات التي تجعل منهم الـ "سايبورغ" خوارق، فالبصر الخارق والعضلات الخارقة والقدرة على التخاطر قد تحدث أثاراً عميقة على المجتمع الأوسع، وهي أثار قد تبطئ أو تسرع من تبني الجيش لها، إذ إن القدرة على التخاطر، والتي تعتبر جوهر التواصل بين الأشخاص لقرون، فلن تكون رخيصة على الأرجح، إذ سيقتصر استخدامها في البداية على قوات العمليات الخاصة، وهنا السؤال الأهم هو "هل من علاقة بين شرائح إيلون ماسك الخفية والظاهرة، ما طفا على السطح منها وما هو تحت سطح الأسرار، وبين وكالة "داربا" التي تطور تلك الجيوش السيبرانية والـ "سيابورغية"؟

ماسك و "داربا" والعلاقات الشركاتية

ما هو معروف حتى الساعة من معلومات وبيانات يقطع بأن هناك علاقات بين شركات إيلون ماسك و"وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة" (داربا)، بما في ذلك إطلاق "سبيس إكس" لجهاز استشعار يساعد "داربا" في اكتشاف نشاط الصواريخ  وتعاون "داربا" مع  شركة "بورينغ" في المبادرات تحت الأرض، أما ما يفتح الباب واسعاً مستقبلاً فيتعلق باستثمار "داربا" في شركة "نيورالينك" المنافسة في تكنولوجيا زراعة الدماغ.

و"داربا" وكالة تتمتع بالسرية باعتبارها الشركة التي تزخم الجيوش الأميركية بأحدث أنواع الأسلحة غير المسبوقة في ميادين القتال، لذا فإن ما يتوافر للعامة من أنباء عن شراكتها يبدو شبه نادر، باستثناء العلاقة مع شركات إيلون ماسك، فعلى سبيل المثال في أوائل عام 2018 انضمت وكالة "داربا" إلى شركة "بورينغ" المملوكة لماسك بهدف حفر مزيد من الأنفاق وتطويرها تحت المدن الأميركية الكبرى، ولو لم يظهر إلى العلن الهدف الرئيس من وراء تلك الأنفاق، ولعل الباحثين عن عمق العلاقة بين ماسك و "داربا" عليهما قراءة كتابين، الأول كتاب آني جاكوبسن بعنوان "عقل الـ 'بنتاغون': تاريخ غير مراقب لوكالة 'داربا'" الذي يقدم مادة خام للتفكير في سر نجاح وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة المخطط لها مركزياً، ويجسد الكتاب جوهر تاريخ العلاقات الخفية للوكالة البحثية الأهم بالشركات المتقدمة في السوق الأميركية، وهناك نجد شركات ماسك على القمة، والثاني "سيرة إيلون ماسك" لآشلي فاس، وفيها كثير من التفاصيل عن علاقات ماسك الخفية التي تقطع بوجود قنوات تواصل خفية مع الـ "بنتاغون"، ولا سيما في ما يخص عالم الجنود الآليين والشرائح الدماغية بنوع خاص، تلك التي باتت استخداماتها تتجاوز الأهداف الطبية كما هو معلن، فهل باتت تلك الشرائح مجال منافسة خارجية ضمن الصراع القطبي القائم والمقبل بين الولايات المتحدة الأميركية والصين بصورة عامة؟

الصين والمنافسة على رقائق الدماغ

في أوائل أبريل (نيسان) الماضي كشفت الصين عن تعاون مرتقب بين المعهد الصيني لأبحاث الدماغ CIBR وشركة NeuCyber المملوكة للدولة لزرع شريحة الدماغ Beinao No.1   في 13 شخصاً بحلول نهاية العام، فهل هذه هي بداية مسيرة الصين في زرع شرائح في الأدمغة، كتمهيد أولي لعالم الجنود الآليين المقبل لا محالة؟

والمعروف أن الصين تمنع شركات التكنولوجيا الكبرى من شراء رقائق الذكاء الاصطناعي من شركة "إنفيديا"، وربما هذا سببه أنها تسعى إلى توطين تكنولوجيا الرقائق على أراضيها، وفي يونيو (حزيران) الماضي أفاد تقرير جديد بأن تجربة صينية لتقنية واجهة الدماغ والحاسوب التي تسمح بالتحكم بإشارات الدماغ عبر جهاز خارجي أثبتت نجاحها، مما يجعل الصين ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تصل إلى هذه المرحلة، فقد أجرت بكين بنجاح أول تجربة سريرية لها على تقنية واجهة الدماغ والحاسوب، مما مكن مريضاً فقد أطرافه الأربعة في حادثة كهربائية عالية الجهد قبل 13 عاماً من التحكم في ألعاب الكمبيوتر باستخدام عقله، وقد جرت من خلال جراحة طفيفة العمق، نجح الجراحون عبرها في زرع شريحة لاسلكية لدى المريض، ويقال إن الشريحة الصينية أصغر حجماً وأكثر مرونة من جهاز "نيورالينك" التابع لإيلون ماسك، وبحسب التقارير المتاحة فإن الشريحة الصينية المستخدمة هي الأصغر في العالم حتى الآن، إذ يبلغ قطرها 26 مليمتراً وسمكها أقل من 6 مليمترات، وهي مرنة 100 مرة أكثر من الشريحة التي طورها "نيورالينك"، وتفيد المعلومات الواردة من الصين بأن الباحثين الصينيين يسعون إلى إطلاق الشريحة في السوق بحلول عام 2028، بعد الحصول على موافقة الجهات المعنية، مع خطط لتمكين الأشخاص بالتحكم الآلي بالذراع لأداء مهمات معقدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد بدأت الصين مسيرتها في مجال تكنولوجيا الدماغ خلال تسعينيات القرن الماضي، لكنها تتقدم بوتيرة متسارعة، ففي عام 2014 طرح علماء صينيون فكرة مشروع وطني لتكنولوجيا الدماغ لمواكبة الجهود المماثلة في الولايات المتحدة وأوروبا، وفقاً لوزارة العلوم والتكنولوجيا، وبعد عامين أدرجت تكنولوجيا الدماغ في الخطة الخمسية للبلاد والتي تُحدد أولويات الصين وأهدافها الوطنية، وتقول الباحثة سابقة في إحدى أبرز وحدات أبحاث علم الأعصاب في الصين بين عامي 2021 و2023، ليلي لين، إن "علم الدماغ حديث العهد في الصين، وصحيح أنه بدأ متأخراً بعض الشيء لكن وتيرة تطوره كانت أسرع من الدول الأخرى، وقد خصصت الدولة تمويلاً كبيراً لكثير من وحدات البحث العلمي، وهذا التمويل يزداد عاماً بعد عام، والعام الماضي لفت ريزنهوبر وباحثون آخرون من "جامعة جورج تاون" الانتباه إلى الشق العسكري من تطورات رقائق الصين الدماغية، وذلك حين نشروا بحثاً مثيراً قالوا فيه إن جهود الباحثين الصينيين كانت "مماثلة في تعقيدها" لتلك الموجودة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فهل يعني ذلك أن الصين بدورها قاب قوسين أو أدنى من عالم الجنود الخوارق ومقاتلي الـ "سايبورغ"، والمؤكد جداً أن الصين تلاحق الولايات المتحدة في المجالات الحياتية كافة، وعلى رأسها العسكرية، حيث العمل جار لزمن الاستبدال الكبير لتحل الروبوتات الآلية مكان البشر، وهو ما يعني أن شكلاً مغايراً للحروب والصراعات ستعرفه بشريتنا في العقود المقبلة لا محالة.

المخاوف الأخلاقية والرقائق الدماغية

ويبقى السؤال الأخلاقي عن عالم ما بعد الـ "سايبورغ" والآليين وتقاطعاتهم مع مستقبل البشرية هو الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن، فعلى رغم الإمكانات التكنولوجية الواعدة لفكرة شرائح الواجهة والدماغ لإيلون ماسك، لكن كثيراً من المخاوف الأخلاقية الكبرى في شأنها تبسط ذاتها على موائد البحث والنقاش، ولا سيما في شأن المساحات المتعلقة بالخصوصية والمراقبة والآثار المجتمعية، ويشير تطوير "نيورالينك" إلى الانتقال المحتمل من الأجهزة الخارجية القابلة للارتداء إلى الغرسات الداخلية، مما قد يمهد الطريق لعصر جديد من التكامل التكنولوجي الأعمق مع الجهاز العصبي، وبينما تمثل هذه الشريحة الدماغية الجديدة تقدماً ملاحظاً في مجال واجهات الدماغ والحاسوب، يشدد العلماء وخبراء الأعصاب على أهمية التعامل معها بتفاؤل حذر، ففهم هذه التقنية وقدراتها الحالية وآثارها المستقبلية المحتملة أمر أساسي لتطويرها بمسؤولية وتطبيقها على نحو أخلاقي، ومع بدء التجارب البشرية وتقدم التقنية ستكون معالجة المخاوف الأخلاقية وإدارة التوقعات أمرين أساسيين لتحقيق كامل إمكاناتها، ففي مؤلفه المثير "ما فوق الإنسانية"، يتحدث الفيلسوف السويدي الأصل نيك بوستروم عن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية أو خلفائها على المدى القريب، وكيف أنها لا تشكل أي تهديد للوجود البشري، لكن ماذا لو أنشئ نظام الذكاء الفائق وهل سيكون صديقاً للبشر؟ والخوف كل الخوف من أن الذكاء الخارق، الجنود الخوارق، المصمم من دون حذر، مع أهداف ترقى إلى درجة اللامبالاة أو العداء لمصلحة الإنسان، يمكن أن يتسبب في انقراض الجنس البشري.

المزيد من تقارير