Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الابتسامة... أوركسترا تعزف السعادة بـ 17 عضلة

تتحرك بتزامن مذهل لدى الشعور بالفرح ومع كل ضحكة يتحول الدماغ إلى مختبر كيميائي متطور

ليست مجرد تعبير، بل هي رسالة قوية تبعثها إلى الدماغ الذي يرسمها في شكل ابتسامة على وجوهنا (أ ف ب)

ملخص

تكمن قوة الابتسامة في قدرتها على التأثير في آنٍ واحد على الحالة النفسية والصحة البدنية والعلاقات الاجتماعية. وعلى عكس عديد من التدخلات الصحية فإن الابتسامة مجانية ومتاحة دائماً وفعالة على الفور.

في عام 1862 وضع عالم التشريح الفرنسي غيوم دوشين دو بولوني أول خريطة علمية لتعابير الوجه، مستخدماً تياراً كهربائياً لتحفيز عضلات وجه متبرع ميت، ليكتشف حينها أن الابتسامة الحقيقية لا تصدر عن الفم وحده، بل هي أوركسترا من العضلات تنسق معاً. اليوم، وبعد أكثر من 150 عاماً، يكشف لنا العلم الحديث أن هذه الأوركسترا تتكون في الأقل من 17 عضلة متفردة، وأن حركتها ليست مجرد تعبير، بل هي رسالة قوية تبعثها إلى الدماغ الذي يرسمها بأوامر متتابعة بشكل ابتسامة على وجوهنا. فكيف ترسم العضلات بخطواتٍ متتالية ودقيقة وسحرية شكل الابتسامة على وجوهنا؟

ابتسامة دوشين

يتغير الوجه الذي نظهره للعالم باستمرار نتيجة انقباض 42 عضلة وتشكيلها بمجموعات مختلفة، إذ يستطيع الإنسان إنتاج آلاف التعابير المتميزة، بما في ذلك 19 نوعاً مختلفاً من الابتسامة، وفقاً لبحث أجراه عالم النفس الأميركي بول إيكمان. وعلى رغم ذلك فإن واحدة فقط من هذه الابتسامات تُعتبر حقيقية وهي ما تعرف بـ"ابتسامة دوشين"، إذ اكتشفها عالم التشريح الفرنسي دوشين عام 1862.

 

ويكمن الفرق الرئيسي بين هذه الابتسامة "الحقيقية" والابتسامة "المصطنعة" في العضلة الدويرية العينية، وهي العضلات التي تُحيط بالعينين، بالإضافة إلى ذلك تتضمن جميع الابتسامات انقباض العضلة الوجنية الكبيرة، مما يرفع زوايا الفم. لكن ابتسامة دوشين تتميز بانقباض إضافي للعضلة الدويرية العينية، مما يُسبب تجعد الجلد حول العينين على شكل تجاعيد قدم الغراب. على رغم ذلك، لم يلقَ اكتشاف دوشين اهتماماً يُذكر في حينه، لكن العالم إيكمان أثبت صحة كلامه، وأطلق على ابتسامة دوشين اسم "ابتسامة المتعة الخالصة" تكريماً له، ومنذ ذلك الحين ازدادت شهرة هذه الابتسامة.

المحرض

عندما نسمع نكتة أو نرى شيئاً مضحكاً تدخل المعلومة عبر الحواس مثل السمع والبصر إلى القشرة الدماغية لمعالجتها وفهمها، وبدورها تنقل الإشارة إلى الفص الجبهي المسؤول عن الحكم الاجتماعي والفهم المعقد، وإلى اللوزة الدماغية Amygdala المرتبطة بالعاطفة، فإذا حُكم على الموقف بأنه مضحك يُرسل تنبيهاً. وهنا يحدث السحر، إذ يُطلق مركز الضحك الموجود في منطقتي الجذع الدماغي Brainstem والمادة الرمادية حول "قناة سلفيوس" إشارة كهربائية كيميائية غير إرادية كأنها تقول "أطلق العنان للضحك".

لكن الابتسامة حركة معقدة تتطلب تضافر عمل عديد من عضلات الوجه، إذ يرسل العصب القحفي السابع أو ما يعرف بالعصب الوجهي إشارات إلى هذه العضلات، مما يسمح لنا بإظهار مجموعة متنوعة من المشاعر، وعندما نبتسم تقوم العضلة الوجنية الكبرى برفع الفم. لكن الابتسامة لا تقتصر على عضلة واحدة بل تشمل عديداً من العضلات التي تعمل معاً، ويتحكم العصب الوجهي بهذه العضلات، مما يساعدنا على الابتسام والعبوس وغير ذلك.

الأوركسترا

تتحرك العضلات بتزامن مذهل، لكن يمكننا تتبع تسلسل منطقي لشكل الابتسامة المرسومة على وجوهنا، وتبدأ الشرارة أو الحركة الأولى من العضلة الدائرية العينية، وهي غالباً أول من يتحرك في الضحكة التلقائية (ابتسامة دوشين) فتنقبض حول العينين مما يؤدي إلى تضيق فتحة العين ورفع الخدين للأعلى، كما تؤدي إلى ظهور تجاعيد الدجاج أو خطوط البهجة حول العينين، وهذه هي العلامة الفاصلة بين الابتسامة الحقيقية والمزيفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الحركة الثانية فتكون برفع الوجنتين وفتح الباب للابتسامة، إذ تنقبض العضلة الوجنية الكبرى بقوة لسحب زوايا الفم للأعلى وإلى الخلف، وهنا يبدأ شكل الابتسامة العريضة في الظهور مع كشف الأسنان. فيما تعمل الحركة الثالثة على توسيع نطاق الفرح، إذ تتدخل عضلات ما تعرف بـ"فرقة الدعم"، وهي عضلة رافعة الشفة العليا، وعضلة رافعة الشفة العلوية وجناح الأنف، وترفعان الشفة العليا والأنف قليلاً، مما يكشف الأسنان العلوية أكثر. ثم يأتي دور عضلة الخد التي تنقبض لتسطح الخد ضد الأسنان وتسحب الزاوية للخلف، مما يوسع الابتسامة أفقياً ويساعد في نفخ الهواء الضروري للصوت، ثم تليها عضلة الضحك، إن وجدت بوضوح، وهي تساعد في سحب زوايا الفم للخلف نحو الأذنين.

في النهاية تأتي الحركة الرابعة أو اللمسة النهائية للوجه السفلي، عبر العضلة الدائرية الفموية التي تعمل بشكل متناغم ومتحكم فيه، ليس انقباضاً كاملاً لإغلاق الفم، فهي تُرخى في المنتصف لتسمح بفتح الفم أثناء القهقهة، لكن أطرافها تنقبض لتشكيل وتثبيت شكل الفم المفتوح على حرف "الهاء". ومن ثم عضلة الذقن التي تنقبض قليلاً لترفع جلد الذقن، بخاصة في الضحك القوي.

 

بالتوازي مع حركات العضلات الوجهية، ينقبض الحجاب الحاجز بقوة مما يدفع الهواء خارج الرئتين عبر الحنجرة المشدودة جزئياً، مسبباً الاهتزازات الصوتية "ها ها ها". وفي الضحك الشديد قد تنقبض عضلات البطن بشدة لدرجة الشعور بألم فيها أحياناً، وتهتز الأكتاف، وتدمع العينان بسبب انقباض العضلة الدائرية حولها.

قوة الابتسامة

في كل مرة نبتسم فيها يتحول الدماغ إلى مختبر كيميائي متطور، ففي اللحظة التي تنقبض فيها 17 عضلة في الوجه في ذلك المنحنى الصاعد، يطلق الدماغ ثلاثة نواقل عصبية قوية. فيتدفق الدوبامين في الجسم مما يخلق مشاعر السعادة والتحفيز. وتشير بعض الدراسات إلى أن الابتسامة قد تنشط مسارات المكافأة في الدماغ بطريقة مشابهة للتجارب الممتعة مثل تناول الشوكولاتة. كما يعمل السيروتونين كمضاد اكتئاب طبيعي في الجسم، حيث يقلل من التوتر والقلق ويعزز المشاعر الإيجابية. بينما يعمل الإندورفين كمسكن طبيعي للألم في الدماغ، مما يساعد على تقليل الانزعاج الجسدي مع خلق شعور عام بالراحة.

 

تحدث هذه العملية من خلال ما يسميه علماء الأعصاب بالمرونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على تكوين مسارات عصبية جديدة، ففي كل مرة نبتسم فيها نسير على "درب السعادة" مما يجعله أكثر وضوحاً وأسهل في التتبع. وعلى رغم أن الدماغ يميز بين الابتسامات الصادقة والمصطنعة، فإن هذه الخاصية تعني أنه حتى الابتسامات المصطنعة قد تُثير استجابات كيميائية عصبية إيجابية، إذ تنشط الخلايا العصبية المرئية في الدماغ عندما نبتسم وعندما نلاحظ الآخرين يبتسمون مما يخلق رغبة تلقائية في رد الجميل. وهذا يُفسر التأثير المُحاكي سبب كون الابتسامات مُعدية للغاية، فعندما نبتسم لشخص ما، يُقلّد دماغه لا شعورياً تعبيرنا، مما يُحفز إفراز مواد كيميائية تُشعره بالسعادة.

لذا تكمن قوة الابتسامة في قدرتها على التأثير في آنٍ واحد على الحالة النفسية والصحة البدنية والعلاقات الاجتماعية. وعلى عكس عديد من التدخلات الصحية فإن الابتسامة مجانية ومتاحة دائماً وفعالة على الفور. وهذه الابتسامة تُنشّط مناطق متعددة في الدماغ في آن واحد، إذ يتحكم القشر الحركي بحركة عضلات الوجه، بينما يعالج الجهاز الحوفي المشاعر، ويُقيّم القشر الجبهي المواقف الاجتماعية، ويُطلق نظام المكافأة تلك النواقل العصبية الأساسية، وهذا التنشيط الدماغي بأكمله يجعل الابتسامة ذات تأثير قوي للغاية على الصحة العقلية العامة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات