Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ما زال الفلاسفة قادرين على الالتزام السياسي والمجتمعي؟

الفلسفة ليست مجرد صدى للواقع أو ترجمة للظروف لكنها ليست عزلة ولا لا مبالاة ولا انطواء في برج عاجي

رسمة بريشة م. فديريكا (صفحة الرسامة - فيسبوك)

ملخص

يُعد موضوع الفلسفة الملتزمة من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر، لارتباطه الوثيق بمعاناة الإنسان وسعيه الدائم إلى إيجاد حلول ملموسة للمشكلات التي يواجهها.

لا يكتفي الفيلسوف، على حد قول ماركس، بتشخيص المعضلات، بل يتحمّل مسؤولية معالجتها عبر الفعل والانخراط الواعي في قضايا بعينها، وقد جسّد ذلك مفكرو القرن الـ20، سواء من الماركسيين الذين جعلوا من الواقع الاقتصادي قدر الإنسان، أو من الوجوديين الذين اعتبروا المجتمع الإنساني الغاية الأسمى للتأمل والعمل.

يرجع مفهوم الالتزام إلى عدد من الفلاسفة، من بينهم ماكس شيلر، وإيمانويل مونييه، وكارل ياسبرز، وسارتر، وقد أكد سارتر أن الوجودية، في جوهرها، فلسفة التزام، لأن الإنسان يصوغ ماهيته بالحرية والمسؤولية، ويمنح لوجوده معنى وغاية من خلال أفعاله. فالالتزام الوجودي ليس تنظيراً مجرداً، بل ممارسة ترمي إلى أنسنة العالم وتحرير الإنسان من كل أشكال القهر والحتميات.

غير أن الفلسفة لا ينبغي أن تُختزل في الالتزام وحده، ولا أن تحصر ذاتها في الحقلين السياسي والاجتماعي اللذين وصفهما ابن خلدون بأنهما كيانان متحولان لا يثبُتان على حال، بل إن أول واجب على الفيلسوف هو التحرّر، فإذا كان الإنسان، عند الماركسيين، طبيعة تتحدد بشروطها، وكان عند الوجوديين السارتريين حرية مطلقة بلا طبيعة، فمهمة الفلسفة الحقة هي العبور التدرجي من الطبيعة إلى الحرية.

فالإنسان لا يُختزل في طبيعته البيولوجية أو النفسية أو الاجتماعية إلا حين يستسلم لها، أما إذا قاومها، تحققت الفلسفة في معناها الأصيل: حكماً وتقييماً، فالفلسفة ليست مجرد صدى للواقع أو ترجمة للظروف، بهذا المعنى، يتحدد الإنسان ككائن حر، لكن حريته هذه فقيرة، لا تتجاوز الاختيار بين الذوبان في طبيعته ومجتمعه أو البحث عن ذاته في أفق آخر، أن يكون المرء فيلسوفاً يعني أن يرفض الاستسلام، وينكر النزعة الطبيعية التي تدعي إطلاقية الإنسان، وهذا الرفض هو بداية مسار التحرر وبناء الإنسان المؤسَّس على المبادئ والقيم، ذاك الذي اعتبره ابن خلدون الثروة الحقيقية لكل حضارة.

التحرر ومواجهة العزلة

التحرر ليس عزلة ولا لا مبالاة ولا انطواءً في برج عاجي، بل هو رياضة روحية شاقة، إن المترفع عن الجماعة والمنغلق على ذاته ليس متحرّراً، بل أشد الناس عبودية لراحته وسمعته، والتحرر الحق هو تخلٍّ عن القيود، لا هرب من العالم ولا اندماج أعمى فيه، فلا الترفّع ولا الانخراط الأعمى يحققان الحرية، فكلاهما أوهام للطبيعة، وكلاهما لا يزال أسيراً لكهف أفلاطون، قبل التحرّر لا يمكن الحديث عن التزام.

التحرر هو أيضاً هذا الصراع الذي تحدث عنه ديكارت، والذي يجب أن يستمر دوماً في التصدي للتسرع والأحكام المسبقة، أي إنه صراع ضد هذا الميل الطبيعي للحكم بطريقة معينة.

حين يسلم الإنسان نفسه للتأمل الفلسفي، ويبدأ بالتمايز تدريجاً، بصبر ومشقة، عن طبيعته، لا يكتشف كمال "الأنا"، بل فقرها وعريها الداخلي، فيسمع نداءً مطلقاً يتجاوزها، عندئذ يدرك أن حريته ليست اكتفاءً ذاتياً، بل انفتاح على معنى يتعالى عليها، ومن هنا يأتي الواجب الثاني للفيلسوف: العطاء.

 والعطاء، شأنه شأن التحرر، هو الآخر على درجات، فكما يمكن التحرر على درجات متفاوتة من الضغوط النفسية والاجتماعية، يمكن أيضاً على درجات متفاوتة بذل الذات، والمعرفة، شأنها شأن الحب، فعلُ بذلٍ وتخلٍّ عن الأنانية، وكما أن ذرة الكبريت لا تُظهر طبيعتها إلا في تفاعلها مع غيرها، الذي يُظهر خصائصها، كذلك لا يكتمل الإنسان إلا بانفتاحه على الآخرين، في الأسرة والوطن والصداقة. العطاء هو الفناء في سبيل الآخر، والحب ليس سوى ذلك.

لكن هل يكفي التحرر والعطاء لتحديد مسرى الفيلسوف وتوضيح موقفه من المجتمع الإنساني؟

قلق العطاء

لا بد أولاً من الاعتراف أن التحرر والعطاء لا يخلوان من قلق، إذ يعبران عن ارتباك الإنسان وهو يبذل ذاته دون أن يعرف تماماً لِمَ يبذلها، فكما أن الفنان لا ينسخ صورة موجودة مسبقاً في ذهنه، بل يخلقها من خلال اتخاذ خيارات معينة والتخلي عن أخرى، كذلك يختار الإنسان أفعاله، ولو ترافق اختياره بالتضحية بالخيارات الأخرى، والفيلسوف، الذي لا يرضى تلقي التعليمات من المجتمع أو العمل بأوامر مُسبقة، فإن شرط إبداعه الفكري ليس فقط حرية البحث وحرية اختيار المسائل التي يتفكّر فيها، بل أيضاً القلق المرافق للوجود نفسه، هكذا يخوض الفيلسوف مغامرة الفكر، مقيّداً بحريته نفسها وبالقلق الذي يصاحبها، وهذا القلق شرط الإبداع الفلسفي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والفيلسوف هو أيضاً من يقيّم المجتمع ويحدد القضايا الجديرة بأن يكرس لها حياته، لكن فلسفته لا تُبنى إلا على الحرية. فالطلب من الفيلسوف أن يلتزم دون أن يختار كيف ومتى يلتزم، يعني إقصاءه عن التأمل النقدي الذي يجب أن تبدأ به كل فلسفة.

لذلك، لا دور محدداً سلفاً للفيلسوف في المجتمع، بل هو من يختار موقعه، شرط أن يعرف حدوده ويقدر كفاءته، وألا يندفع بلا حذر إلى العمل السياسي أو الوعظ الاجتماعي، فبغير فضيلة الحذر قد ينقلب العطاء تهوّراً والحرية خطراً، هذا لا ينفي، بطبيعة الحال، شرعية وجود "فلسفة سياسية". غير أن هذا العلم الفلسفي، لا ينبغي له أن يُخضِع الفيلسوف للمدينة، بل يجب أن يوجه العمل السياسي نفسه، إن التحرر والعطاء والحرية والحذر هي القواعد الأربع التي تنظم سلوك الفيلسوف في علاقته بالمجتمع، لا كمراحل متعاقبة، بل كجهود متزامنة ومتواصلة.

في الختام، يبقى الفيلسوف الحر والسخي والحذر قادراً على إعادة المعنى إلى المجتمع في عالم يترنح على حافة الهاوية، ينهشه من كل الجهات التعصب الأعمى والتكنولوجيا الجامحة التي تدور في فراغ قد يقوده إلى عكس ما يرجو، إن إعادة المعنى إلى الحياة تبدأ بإعادة ترتيبها، وهذه هي مهمّة الفلسفة بامتياز، وليس من قبيل المبالغة القول إن العالم اليوم أحوج إلى الفلاسفة منه إلى العلماء والتقنيين وتكنولوجياتهم، لأنه يفتقر إلى الحكمة أكثر مما يفتقر إلى القوة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة