ملخص
الموسيقي الإيطالي كلوديو مونتيفردي لا يروي في أوبرا "تتويج بوبيا" سيرة الامبراطور نيرون وبوبيا بوصفها وقائع، بل يحلل آليات الحكم: كيف تتحول الرغبة إلى سلطة، وكيف تستخدم العاطفة أداة لإعادة تشكيل موازين القوة. إنها قراءة نفسية للتاريخ، تجعل الفرد - لا القدر - مركز المأساة.
يمكننا أن نقول في نهاية المطاف إن الموسيقي الإيطالي كلوديو مونتيفردي لم يكتف بأنه الملحن الأول للأوبرا في تاريخ هذا الفن. وبصورة أكثر تحديداً: المبدع الموسيقي الأول الذي أحل الأوبرا كفن إنساني يتناول التاريخ الواقعي للإنسان، محل الأوراتوريو الذي كان سلفاً للأوبرا، بل تجاوز ذلك كما سنرى من خلال العمل الذي نحن في صدده هنا، ليبتكر في طريقه ما سيعد لاحقاً "الأوبرا السياسية/ التاريخية"، وبصورة أكثر تحديداً كذلك أوبرا السيرة التي تتحدث عن شخوص حقيقيين عرفهم التاريخ، وعن أحداث حقيقية عرفتها حياتهم.
وفي هذا السياق يمكننا حسبان أوبرا مونتيفردي المعروفة بعنوان "تتويج بوبيا" ذروة المسار الإبداعي لهذا المؤلف الإيطالي النهضوي، كما تعد بالتالي وكما أشرنا، واحدة من أوائل المحاولات الجريئة لتحويل التاريخ السياسي إلى دراما موسيقية ذات بعد "سيري" أو بيوغرافي.
وعُرضت هذه الأوبرا للمرة الأولى في البندقية عام 1643، قبل وفاة مونتيفردي بعام واحد، وكأنها وصيته الفنية الأخيرة.
والحقيقة أن ما يميز هذا العمل هو انتقال الأوبرا من عالم الأساطير والآلهة - السائد في بدايات القرن الـ17 - إلى عالم البشر الحقيقيين، بضعفهم وشهواتهم وصراعاتهم على السلطة. فشخصيات الأوبرا مستمدة من التاريخ الروماني، وعلى رأسها شخصية الإمبراطور نيرون، وعشيقته الطموحة بوبيا سابينا. فهنا، ومن خلال استعراض هذا العمل لأحداث يعرف الناس أنها وقعت حقاً في التاريخ المتداول، وفي التاريخ كما يدرس حتى في الصفوف الدراسية، لا نجد بطلاً أخلاقياً تقليدياً، بل شبكة من أناس وعلاقات وأحداث تتحرك من حول الرغبات المتقاطعة، إذ ينتصر المكر والعشق السياسي على الفضيلة. وهي أمور لم يكن ليخطر في بال فنان، من قبل مونتيفردي أن في الإمكان استعراضها على خشبة المسرح الموسيقي.
"بيوغرافيا" مبكرة
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى "تتويج بوبيا" بوصفها أوبرا بيوغرافية قبل أن يتبلور هذا المفهوم بقرون. فهي لا تكتفي بسرد وقائع تاريخية، بل تعيد تشكيل السير عبر منظور نفسي وموسيقي، كاشفة عن الداخل العاطفي للشخصيات.
نيرون ليس مجرد طاغية، إنه عاشق متقلب، وبوبيا ليست مجرد امرأة صاعدة إلى العرش، بل تجسيد لإرادة القوة حين تتلبس هيئة الغرام. وهو ما يقودنا إلى سرد الأحداث نفسه. وتنطلق الأحداث طبعاً من اللحظة التي يدرك فيها نيرون، الإمبراطور الروماني، أنه مولع بالحسناء بوبيا سابينا مما يقوده إلى ارتياد دارها دون أن يحاول إخفاء هويته الحقيقية كما اعتاد أمثاله أن يفعلوا. وكانت تلك الزيارات تثير حفيظة أوثون المغرم بدوره بالفاتنة اللطيفة.
ويحدث أن بوبيا وإثر واحدة من تلك الزيارات التي كانت تلقى ترحيباً من بوبيا نفسه، أن هذه الأخيرة أسرت لصديقتها آرنالتي برغبتها العارمة في ارتقاء عرش المدينة امرأة للإمبراطور، بيد أن الصديقة تنبهها إلى أن عليها توخي الحذر بالنظر إلى أن أوكتافيا، زوجة نيرون باتت على علم بما يكنه نيرون وما تنتويه هي بوبيا، بالتالي فإن أوكتافيا غاضبة غضباً شديداً لإحساسها بأن ثمة في الأمر تمادياً من جانب نيرون، وغدراً من جانب الفاتنة المضيافة.
والحقيقة أن أوكتافيا كانت وقعت في نوع من اليأس الممض إذ تبين لها أن نيرون اتخذ قراره بتركها والاقتران ببوبيا كبديلة لها، في قلبه وعلى عرشه.
نصائح رجل حكيم
وهنا يتدخل العجوز والحكيم سينيكا الذي كثيراً ما يحدث للإمبراطور أن يلجأ إليه للاستشارة، وتلجأ إليه أوكتافيا للشورى، يتدخل محاولاً تهدئة الأمور. ويكون أول ما يفعله سينيكا في هذا المجال هو حث أوكتافيا على مفاتحة نيرون، مطالباً إياها بأن تكون من الشجاعة بحيث تنصحه بألا يقدم على هكذا مشروع لأن من شأنه إرباك الوضع ضمن مرحلة كانت "الأوضاع السياسية بالغة التعقيد فيها، ولا تحتاج الإمبراطورية إلى مزيد من التعقيد".
غير أن كل هذا سيبدو بلا فائدة بالنظر إلى أن نيرون نفسه لم يكن من الذين يحبون، بل إن الأسوأ من ذلك كان أن نيرون إذ استمع إلى شكوى زوجته استُثير، إلى درجة أنه حدس بأنها واقعة تحت تأثير سينيكا. وما كان منه إلا أن يأمر هذا الأخير بأن ينتحر، فيفعل سينيكا بكل رصانة وهدوء خلال وقت بدا واضحاً أن نيرون لا يبالي به ولا بتضرعات أوكتافيا. بل إنه أثناء وقت كان فيه الفيلسوف الرواقي يلفظ أنفاسه في فعل طاعة مطلقة لسيده، كان هذا يتغنى بمزايا بوبيا وبحبه لها.
وأمام هذا الواقع لا تجد أوكتافيا أمامها الآن إلا أن تستغل غضب أوثون وغيرته كي تحرضه على قتل الإمبراطور. أما دروزيلا التي تحب أوثون، فإنها تتدخل لديه محاولة ردعه عن فعل ذلك، لكنها إذ تجده لا يرتدع تصمت عما يريد فعله، بل تعيره ثيابها كي يتنكر بها مما يسهل عليه التسلل إلى غرفة الإمبراطور لتنفيذ مسعاه... وحين تفشل المؤامرة يعتقد نيرون أن دروزيلا هي التي حاولت اغتياله، فيأمر بإعدامها. فيعترف أوثون بأنه هو الفاعل فيحكم عليه بالنفي مع فتاته، فيما يتخلى الإمبراطور عن أوكتافيا ليقترن بمحبوبته بوبيا في عرس يبقى ذكره شغل التاريخ الشاغل.
تجديدات موسيقية
موسيقياً، يتخلى مونتيفردي في هذا العمل المبتكر عن تلك الزخرفة المفرطة المعهودة في هذا النوع الموسيقي لمصلحة تعبير مباشر يخدم الدراما. يعتمد على الريتسيتاتيف (الغناء التكراري) بوصفه أداة سردية، وعلى الأغنيات القصيرة المكثفة لتكثيف اللحظات العاطفية الحاسمة.
واللافت أن النهاية، إذ يتوج الحب المنتصر في دويتو شهير، تأتي على حساب العدالة الأخلاقية. خيار فني صادم حتى بمعايير اليوم.
ومن الواضح، أن هذه الأوبرا هنا لا تمجد التاريخ، بل تفككه. إنها تظهر، بحسب مؤرخي هذا الفن، كيف تصنع السلطة من الرغبة، وكيف يمكن للفن أن يعيد كتابة السيرة لا بوصفها سجلاً للأحداث، بل بوصفها مسرحاً للأهواء.
لذلك تحتل "تتويج بوبيا" مكانة مفصلية في تطور الأوبرا: فهي تفتح الباب أمام أعمال لاحقة ستتناول شخصيات تاريخية بوصفها كائنات نفسية معقدة، لا مجرد رموز.
باختصار، قدم مونتيفردي عملاً سابقاً لعصره، يزاوج بين البيوغرافيا والتراجيديا الموسيقية، ويثبت أن الأوبرا قادرة، منذ بداياتها، على قراءة التاريخ بعمق إنساني لافت.
مهما يكن من أمر، تعد أوبرا "تتويج بوبيا" نقطة تحول حاسمة في تاريخ الأوبرا، ليس فقط لأنها استبدلت الأسطورة بالتاريخ، بل لأنها دشنت - وربما من حيث لا تدري - تقليداً جديداً: الأوبرا بوصفها فضاءً للتأمل في السلطة، والرغبة، والسياسة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأوبرا السياسية تتعمق
قبل مونتيفردي، كانت الأوبرا تميل إلى الحكايات الميثولوجية، إذ تتحكم الآلهة بمصائر البشر. أما هنا، فنحن أمام شخصيات تاريخية حقيقية، يتصدرها الإمبراطور نيرون وعشيقته بوبيا.
الأهم من ذلك أن العمل لا يمنحنا خاتمة أخلاقية مطمئنة: ينتصر الحب القائم على الطموح والمكر، وتقصى الفضيلة. هذا الاختيار الجمالي هو في جوهره موقف سياسي مبكر، وإعلان بأن التاريخ لا يصنع دائماً على يد الأخيار. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار تتويج بوبيا البذرة الأولى لما سيعرف لاحقاً بـ"الأوبرا السياسية". فمونتيفردي لا يروي سيرة نيرون وبوبيا بوصفها وقائع، بل يحلل آليات الحكم: كيف تتحول الرغبة إلى سلطة، وكيف تستخدم العاطفة أداة لإعادة تشكيل موازين القوة. إنها قراءة نفسية للتاريخ، تجعل الفرد - لا القدر - مركز المأساة. هذا المسار سيجد امتداده الواضح خلال القرن الـ19 مع جوزيبي فيردي، إذ تصبح الأوبرا منصة للتعبير عن القلق القومي والتحرر السياسي، كما في "نابوكو"، التي تحولت جوقة عبيدها إلى نشيد غير رسمي للحلم الإيطالي بالوحدة.
هنا، لم تعد السياسة خلفية درامية، بل صارت جوهر العمل. وفي اتجاه أكثر قتامة، ستبلغ الأوبرا السياسية عمقاً جديداً مع موديست موسورغسكي في "بوريس غودونوف"، إذ يقدم الحاكم لا كبطل ولا كشرير مطلق، بل ككائن ممزق بين السلطة والذنب، وسط شعب يتحول إلى شخصية جماعية فاعلة. هذا التعقيد النفسي يعود بجذوره، بصورة أو بأخرى، إلى الجرأة الأولى التي مارسها مونتيفردي. هكذا نرى أن تتويج بوبيا لم يكن مجرد تجربة باروكية متقدمة، بل تأسيساً مبكراً لفكرة أن الأوبرا قادرة على مساءلة التاريخ، وكشف البنية الداخلية للسلطة. فمن نيرون إلى نابوكو، ومن بوبيا إلى بوريس غودونوف، تتشكل سلسلة فنية واحدة: الأوبرا بوصفها مرآة للصراع السياسي، ومختبراً لفهم الإنسان حين يمتلك - أو يفقد - القوة.