ملخص
ربما ينبغي البحث عن وضع القوة الناعمة المصرية خلال الوقت الحالي، إذ المنافسة على أشدها ورواد هذه القوة وأبرزهم بالطبع العاملون في عالم الفن والأدب والإعلام والثقافة ينقسمون لفرق، بعضهم يحظى بفرص ضخمة والآخر يعاني ويخرج من الصورة ويبدو ناقماً، وفريق ثالث يقاوم ويحاول.
يتردد مفهوم القوة الناعمة في مصر أخيراً بصورة تشير إلى أنها ربما باتت هاجساً لدى كثير من المؤسسات المعنية، فهل هذا نابع من إدراك عميق لمدى أهمية تأثيرات هذه القوة، أم بسبب شعور ما بأنها تراجعت وينبغي العمل على إعادتها إلى مكانتها التي جعلتها بمثابة "سطوة محببة" إن جاز التعبير على قلوب وعقول جماهير شتى؟
ربما ينبغي البحث عن وضع القوة الناعمة المصرية خلال الوقت الحالي، إذ المنافسة على أشدها، ورواد هذه القوة وأبرزهم بالطبع العاملون في عالم الفن والأدب والإعلام والثقافة ينقسمون لفرق، بعضهم يحظى بفرص ضخمة والآخر يعاني ويخرج من الصورة ويبدو ناقماً، وفريق ثالث يقاوم ويحاول.
لكن بطبيعة الحال فإن القوة الناعمة في مجالات أخرى مثل الرياضة والمؤسسات الدينية والتعليمية وغيرها، في حاجة إلى نظرة أيضاً، وبخاصة أن هذا السلاح الشديد التأثير يبدو فعالاً بصورة تفوق في بعض الأوقات القنوات الدبلوماسية التقليدية نفسها، وإن كانت هذه القنوات جزءاً منه أو في الأقل تؤثر في وضعه وحاله، إذ تتخذ المؤسسات المعنية مسارات تبدو جاذبة وجماهيرية تؤثر في الناس بلا حواجز، وتعمل كدعاية تلقائية للبلد وثقافتها وصورتها الذهنية من دون استعمال أسلوب الدعاية المباشر المتمثل في الإنفاق ببذخ، أو الإلحاح على الترويج لمنتج ما أو فكرة.
ربما هذا ما يعبر بصورة دقيقة عما أراده المتخصص في العلاقات الدولية الأميركي جوزيف ناي، الذي صاغ هذا المفهوم مطلع تسعينيات القرن الماضي، بينما كان عمل القوة الناعمة في مصر بدأ قبل ذلك بعقود طويلة، إذ تحدث ناي شارحاً فكرته بأنها تبحث عن طرق "للحصول على ما تريد من طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال".
يدخل هذا في إطار القوة المعنوية والروحية والثقافية وكذلك السمعة السياسية، إذ يحدث الإقناع والتأثير في الرأي العام بصورة غير مباشرة ولكن بطريقة أكثر رسوخاً، فهل إنجازات القوى الناعمة المصرية التي يضرب بها المثل باتت في خطر الآن، وتعرقلها متغيرات جديدة أو إهمال ما، أم على العكس، كل ما هنالك أن الانطلاقة الجديدة في مجالات شتى تشوش عليها بعض المنغصات الخاصة بعالم التكنولوجيا الجديدة في التواصل المعرفي بدلاً من أن تستفيد منها، وبخاصة أنها لم تعد تلعب بمفردها؟
كبوات القوة الناعمة
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر محمد رفعت الإمام يقول "لا شك أن هناك تراجعاً وهو أمر لا يمكن إنكاره"، ولكنه مع ذلك، يؤكد أن التراجع ليس مسلماً به، إذ إن تأثيرات هذه القوة تخفت وتبرز وفقاً لمعايير وظروف كثيرة، ولكنها في النهاية موجودة لأن لها عمقاً تاريخياً لم ولن يتغير، موضحاً وجهة نظره بالقول "القوة الناعمة في مصر أصيلة وصلبة وليست مشتراة ولا جاهزة، فهناك ما يمكن تسميته رأس مال تاريخي وثقافي يجب الاستثمار فيه لأنه بلا نهاية، وعلى رغم التجريف على مستويات عدة فإن الجينات الحضارية الفطرية الطبيعية ليس لها مثيل بالوقائع والإثباتات، كما أن التأريخ لغالبية مظاهر هذه القوة، سواء في مجالات الفنون أو الإرث الحضاري والآثار والرياضة والدبلوماسية أيضاً، على المستوى العالمي من غير المطروح أن يتجاهل مصر، لهذا فإن أية كبوات لهذه القوة يمكن تخطيها بسهولة بشرط عدم الارتهان للتراث فحسب، وإنما صنع مجد مواز".
وعلى رغم إقراره بالتراجع بفعل قرارات كثيرة أبرزها تنحي المؤسسات الرسمية عن المشاركة المستنيرة في صناعة الثقافة والفنون، يرى أن هناك مؤسسات لا تزال شديدة التأثير وذات زخم وتحافظ على مكانتها في قلب معركة القوة الناعمة، مثل الأزهر الشريف لما له من مكانة لا تضاهيها مؤسسة دينية وتعليمية أخرى في العالم الإسلامي، حيث يستقبل وفوداً من أفريقيا وجنوب شرقي آسيا ودول أخرى، ويتمتع بمكانة عظيمة في الوجدان، وكذلك الكنيسة المصرية التي تتبعها عدد من الكنائس الشرقية.
ويواصل المؤرخ الذي أصدر كتباً عديدة مدعمة بالوثائق والتحليل لظواهر حضارية وسياسية مصرياً وعربياً ودولياً أن "الأزهر والكنيسة قوة ناعمة ليس لها بديل، وهي تقوم بدور وطني مكمل للسياسة".
قوة إبداعية ولكن
تعد الفنون من أبرز مظاهر القوة الناعمة، وعلى رغم انتشار الدراما المصرية إقليمياً بصورة تجعل شعبيتها تحلق لا سيما في المواسم البارزة مثل شهر رمضان، كذلك يتمتع نجوم الطرب المصريون بحضور طاغٍ في النشاطات الغنائية، إضافة بالطبع إلى السينما والمسرح وغيرهما، كما أن صناعها يشكلون قوة ملحوظة على مستوى العدد حتى، لكن مقارنة بأوقات مضت فإن الأمر يبدو أقل زخماً، فهل لفوضى الـ"سوشيال ميديا" يد في ذلك، أم تغيرت الأذواق؟
يرى الأستاذ بأكاديمية الفنون المصرية أشرف عبدالرحمن أن القوة الناعمة الفنية المصرية بالطبع لن تخفت يوماً لأنها صنعت أرضية راسخة لن تتبدل، وحتى إذا حدث تخبط فإن المهارة لا تزال حاضرة ولو بصورة غير مباشرة، فدوماً هناك قطعة موسيقية بأنامل مصرية تعُزف في حفل ما، أو عازف مصري ماهر يقدم إبداعاته على مسرح كبير، أو أغنية مصرية يعاد إنتاجها بأصوات أخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم الاهتمام بدراسة دور القوة الناعمة لمصر خلال فترات متعددة، لكنها كانت عادة تركز على تفنيدها من دون الإشارة إلى قياساتها ومدى تراجعها أو ازدهارها، ولكن قبل أربعة أعوام استفاضت دراسة للمركز المصري للفكر والدراسات في تحليل مستويات التأثير، إذ ذكرت أن القوة الناعمة المصرية شهدت تراجعاً خلال الفترة التي أعقبت ثورة 2011 بفعل التوترات الداخلية وعدم الاستقرار السياسي الذي أثر في العلاقات الخارجية والمؤسسات العلمية والفنية والثقافية والرياضية والدينية في القيام بدورها لتعزيز صورة مصر.
الدراسة نفسها تحدثت عن تنامي هذا الدور بصورة ملحوظة منذ عام 2014 من طريق مشروعات مهمة مثل تجديد الخطاب الديني وإقامة المهرجانات الفنية وإطلاق المسابقات الرياضية، إضافة إلى الإنجازات الرياضية التي حققتها الفرق والألعاب الفردية في مجالات عدة.
وذكرت الدراسة دور اللاعب المصري المحترف في إنجلترا محمد صلاح منفرداً في الارتقاء بتأثيرات القوة الناعمة لمصر في مجال الرياضة، إذ تخطى تأثيره كونه مصرياً وشمل الصورة الذهنية للمسلمين عموماً، واستندت الدراسة إلى نتائج استطلاع الرأي التي أجرتها جامعة "ستانفورد" الأميركية عام 2019، والتي عدت أن سبب تراجع جرائم الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا بنسبة تقترب من 20 في المئة داخل مدينة ليفربول، حيث يسكن ويلعب لناديها، هو مكانة محمد صلاح لدى الجماهير المحبة له.
في الجانب نفسه أيضاً تبدو الأندية المصرية ذات شعبية مرموقة في المحيط الإقليمي، حتى لو كانت تعرقل المنظومة الرياضية أزمات كثيرة، سواء في ما يتعلق بالانتقالات أو حتى سير الدوري المصري نفسه، وتقييد أعداد الجماهير في المدرجات.
ترى الأستاذة في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان صفية القباني أن التراجع في ميزان القوة الناعمة المصرية يبدو طبيعياً، إذ إن الأمور لا يمكن قياسها بمعايير دقيقة ولا تسير عادة على وتيرة واحدة، وتذكر أستاذة الجداريات أنه منذ الحضارة المصرية القديمة ثمة عصور ازدهار تشرق معها فنون العمارة والبناء والنحت والطب والاقتصاد، وعصور اضمحلال، لافتة إلى أن المنطقة العربية بصورة عامة مشتعلة، ومن الطبيعي أن يقل الاهتمام بمجالات عديدة.
وتنوه القباني إلى أن الفنون القوية في حاجة إلى إنفاق مادي ضخم، مضيفة "كان العائد الفني مجزياً قديماً بحيث يتفرغ الفنان تماماً لمهنته وينتج فناً جيداً يعيش ويؤثر"، لافتة إلى أن المؤسسات التعليمية كانت تلعب دوراً مهماً أيضاً حيث تصدر مصر معلميها إلى الدول المجاورة، وكذلك تستقطب طلاباً وافدين.
وفي رأيها أن الانفتاح الحالي الذي أدى إلى تفضيل كثير من المصريين السفر للدراسة في الخارج أثر بلا شك في الوجود في هذا المجال، فتكوين الشخصية يتشكل من مرحلة الدراسة ولا سيما الثانوية والجامعية، لهذا صنعت مصر في فترة من الفترات رصيداً كبيراً في هذا المجال، وهو أمر تجده العميدة السابقة لكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان تغيراً كبيراً، إذ باتت المؤسسات المصرية التعليمية أقل في التصنيف العالمي، ولهذا لم تعد خياراً أولياً، وتختم بقولها "بحكم احتكاكي بالطلاب ومعرفتي بالمواهب والفنون، فإنه مع كل خطوة في هذا البلد سنجد فناً وإبداعاً ولكنهما في حاجة إلى الدعم بجميع صوره ولا سيما المادي".
أرقام متراجعة
تضع مصر حالياً خططاً متواصلة لتنمية رافد مهم من روافد القوة الناعمة وهو السياحة، إذ تبدو المجهودات ملحوظة لا سيما في زيادة عدد المتاحف، وإن كان هناك انتقاد يتعلق بعدم استمرارية الدعاية لتلك المؤسسات بالقوة نفسها، إذ تخفت نبرة الاهتمام بعد مشاهد الاحتفالات تدريجاً، كذلك يحدث تشويش بسبب بعض الاستغناءات عن مواقع تاريخية مهمة وهدمها بهدف إقامة مشروعات حديثة، وأيضاً تهدف المؤسسات المعنية لتنمية الصادرات الإبداعية وتطوير ما يعرف بقطاع الاقتصاد البرتقالي الخاص بالفنون والثقافة والحرف والتكنولوجيا، إذ تصل إلى مليارات وربع المليار دولار سنوياً وفقاً لمنظمة "الأونكتاد" التابعة للأمم المتحدة.
وعلى رغم أن قياسات مستويات القوة الناعمة تعد بالنسبة إلى بعض غير دقيقة لأن بنودها ومعاييرها تبدو فضفاضة وقد لا تشكل بياناتها نتائج دقيقة، فإنها أيضاً لا تزال معبرة بعض الشيء ويمكن الاستناد إليها في تحليل الوضع من دون التغافل عن معطيات كثيرة، فقد حلت مصر أخيراً في المركز الرابع عربياً بمؤشر القوة الناعمة وفقاً لـ"براند فايننس"، والأول أفريقياً، والـ39 دولياً، في حين كانت في المركز الـ31 عام 2022، مما يمثل تراجعاً لا يمكن تجاهله، على رغم المجهودات والمحاولات والتصريحات، وربما كان هذا من بين أسباب الاهتمام الأخير بمحاولة البحث عن الخلل، والتركيز في المجالات ذات الصلة.
لكن خلال الوقت نفسه، وفي حين تتميز دول أخرى بأنها حضانات أعمال جاذبة وذات اقتصاد قوي ومستقر سهل لها من الوجود بمراكز متقدمة في هذا المؤشر، فإن مصر تحقق مركزاً بارزاً وذهبياً وفقاً لتعليقات المتخصصين في مجال التراث الغني، إضافة إلى حفاظها على مراكز متقدمة في مؤشر الألفة والسمعة الطيبة. مع ذلك لا يزال هناك قطاع كبير غير راضٍ عن وضع الدبلوماسية الثقافية في البلاد، ويرون أن هناك تراجعاً في التأثير المجتمعي للثقافة الشعبية المصرية، ويتفق أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر محمد رفعت الإمام مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن التراجع يبدو مبرراً بعض الشيء، وبدأ تدريجاً منذ منذ مطلع القرن الـ21 على كل المستويات، وظهرت تجلياته خلال الأعوام الأخيرة.
ويفند أستاذ التاريخ الحديث أبرز مظاهر قوة مصر الثقافية التي تتأثر حتماً بالوضع السياسي وتؤثر فيه، والتي تحققت على سبيل المثال في ما سبق من خلال سمعة معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي استقطب كبار الشخصيات المؤثرة، وشهد مساحة من الحرية الإبهار التي تجعله محط أنظار نجوم الثقافة في الفن والشعر والأدب، لكنه بدأ يتراجع لمصلحة كيانات أخرى وبسبب عدم تطوير المنظومة بصورة عامة، وفي حين أن دور النشر تحاول أن تقوم بدورها من خلال إنتاجات المبدعين التي لا تتوقف، فإن المناوشات التي تحدث بين حين وآخر مع القائمين عليها تنتج دعاية سلبية.
ويذكر المؤرخ والعميد السابق لكلية الآداب بجامعة دمنهور أن مصر كانت البوابة الرئيسة لصناعة الثقافة في الشرق الأوسط، فأول صحيفة كردية في العالم كانت في مصر نهاية القرن الـ19، وكذلك الصحف الإيرانية كانت هنا، وغالبية الكتب الفارسية كانت تطبع في القاهرة، معتبراً أن البلاد كانت تصنع وتصدر القوة الناعمة من أدباء ومدرسين ومبدعين وحتى رجال الاقتصاد والسياسة والإنتاج والصناعة.
بحثاً عن التمويل
أخيراً بدأت الحكومة المصرية تبني مصطلح السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، في خطوة تشير إلى إدراك أن الاستقرار الاقتصادي هو محرك أساس للقوة الناعمة، لا سيما في عصر أصبح فتح مجالات الاستقرار بلا قلق أحد أهم معايير القوة الناعمة وفقاً للمؤشرات التي تعتمدها المؤسسات المعنية، وهنا يوضح أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر محمد رفعت الإمام أهمية هذا البند بالقول "بالطبع سوء الأوضاع الاقتصادية له دور، فهذه صناعات في حاجة إلى تكاتف عوامل كثيرة بينها ارتفاع سقف الحريات وعدم التنازل عن الدور الإقليمي وأيضاً قوة اقتصادية تنفق وتدعم وتختار بدلاً من أن تترك صناعة الذوق العام بكاملها في أيدي كيانات خاصة تشوه مستوى المحتوى المتاح، حتى المهن المهمة مثل معلمي المدارس وأساتذة الجامعات باتوا في مراتب متدنية من حيث الرواتب، مما يعكس خللاً كبيراً في منظومة الأولويات بالنسبة إلى صناعة الوجدان والوعي، وهذه كلها أمور أثرت بالسلب. وفي المقابل، بات يتصدر المشهد أنصاف المبدعين وأنصاف الكفاءات، والحقيقة أنني لمست بنفسي عدم وجود كيان لديه رغبة في صنع عمل فني كبير ومهم ويحمل معايير الجودة من جميع الجهات ليصبح حاضراً في التاريخ مثل الأعمال القديمة، إذ يصطدم المشروع دائماً بمعوقات أبرزها التمويل".
وحول الفن بالتحديد يرى الإمام أنه القوة الأكثر انتشاراً والأعمق تأثيراً، ولكنه بات يفتقد وجود منتجين مثقفين لديهم مشروع مثلما كان في السابق، مضيفاً "بصورة عامة المشروع الحضاري لمصر يتراجع أمام قوى كثيرة بينها التركية والإيرانية، لهذا يجب أن تكون هناك خطة ورغبة حقيقية لتصدير الأفكار والمشروع الفني والأدبي والسياسي والمسرحي، بدلاً من الدعاية المباشرة الساذجة التي تضر أكثر مما تنفع، وكذلك توفير مناخ جاذب ومطمئن يشجع القطاع الخاص بتيسير الإجراءات التي تضمن له عدم الخسارة وكذلك المشاركة إيجاباً في عودة القوة الناعمة المصرية لبريقها، فمصر لديها تحديات كبيرة، ولابد من إسهام قوة مصر الناعمة في التصدي لهذه التحديات".
أسئلة الإعلام والفنون
المجال الإعلامي أيضاً ليس ببعيد من هذا الشأن، إذ يحظى باهتمام كبير على مستوى مؤسسة الرئاسة، ولا تتوقف مطالب الإصلاح، وعلى رغم المحاولات فإن الانتقاد الذي يتكرر هو أن الإعلام الرسمي والخاص بات وكأنه إعلام الصوت الواحد، مع غياب كثير من الوجوه التي تحظى بشعبية كبيرة محلياً وعربياً، بل وعالمياً أيضاً، إذ طالما كان الإعلاميون المصريون يتمتعون بجماهيرية بلا حدود ومتابعة حثيثة جعلت بصمتهم مؤثرة في مسيرة أجيال وراء أجيال، وأخيراً ترددت أنباء قوية عن محاولات للتغيير أبرزها عودة الإعلامي باسم يوسف الذي عُرف بسخريته اللاذعة، وأوقف برنامجه قبل أن يهاجر للولايات المتحدة الأميركية منذ أكثر من 10 أعوام، ومن المفترض أن يظهر على الشاشات المصرية في مفاجأة جعلت كثراً يتفاءلون بأنها رسالة واضحة بالانفتاح على كل الآراء.
ولا يمكن الحديث عن القوة الناعمة المصرية من دون الإشارة إلى الجدل المتكرر حول دور النقابات الفنية في مصر باعتبارها المعنية بأحوال الفن والفنانين، إذ تُتهم بأنها تترك جوهر مهامها وتنخرط في معارك جانبية تتعلق بأزمات تُضخم، وباتت أخبار التحقيقات مع النجوم مسيطرة على أخبار العمل على تطوير المهنة، وقد تكون نقابة الموسيقيين متصدرة في هذا السياق، حتى إن مسؤوليها لم يتركوا عازف جيتار يؤدي أغنية ساخرة في الشارع إلا واستنكروا تصرفه بشدة، إضافة إلى ترافق اسمها دوماً مع قرارات الإيقاف والتحقيق والاحتفاء بمنع حفلات النجوم العالميين، وهذا لا يمنع اضطلاع النقابة بدور تنظيمي للمشهد الموسيقي، وتقديم خدمات ضرورية لأعضائها.
يبدو الأمر أكثر ارتباكاً في نقابة المهن التمثيلية التي فاجأ نقيبها أشرف زكي زملاءه بإعلان استقالته، وعلى رغم الانتقادات التي وجهت لأدائه طوال أعوام، فإن هناك حال استياء عامة داخل الوسط الفني من القرار، نظراً إلى أنه من أكثر المتمرسين في موقعه.
كذلك لا تتوقف الأزمات مع نقابة السينمائيين، وأحدثها تداعيات اختيار الفيلم الذي يمثل مصر في مهرجان الأوسكار "هابي بيرث داي"، إذ وجهت للجنة الاختيارات تساؤلات حول سبب الإصرار على فيلم لم يكن عُرض جماهيرياً بعد مما ينافي المعايير، وعرض الفيلم بعد القرار بأيام في عروض محدودة، مما استدعى مخرجه لإصدار بيان رسمي مطول يدافع فيه عن إجراءات الاختيار.
اللافت أن هناك اتفاقاً شبه تام على أن بدايات تداعي قوة مصر الناعمة بدأ منذ مطلع الألفية، إذ كانت تعمل الدولة من قبل جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص لتقديم أعمال ذات مستوى عالٍ في الموضوعات، فضلاً عن مستوى الانتقادات حتى للمؤسسات السياسية نفسها، وعلى رغم وجود صدامات رقابية حينها، فإن هذا لم يمنع الإنتاجات المهمة من الظهور.
ويشير أستاذ النقد الموسيقي أشرف عبدالرحمن إلى أن الوضع السياسي والاجتماعي هو الذي يحرك الفنان، فـ"حتى في أحلك الظروف مثل النكسة كانت الأغاني هي التي توحد الشعب وترمم الوجدان وتكسر حاجز الحزن المخيم على المجتمع وقتها"، مشدداً على أنه على رغم الإيجابيات التي تتمتع بها وسائل التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي، فإنها باتت تسمح للرديء بالانتشار لأنها خارج سيطرة الرقابة، مما يفسد الذوق العام والمنظومة بأكملها، لأن كل منتج يبحث عن النجاح بالتالي يتردد في تقديم أعمال جادة.
وينهي حديثه بضرورة الاستثمار في المواهب الحقيقية في كل المجالات، وترك الرديء يتلاشى من تلقاء ذاته، من طريق تيسير العملية الإبداعية لدى من يرغبون في تقديم محتوى مؤثر وقادر على المنافسة.