ملخص
"بياض الذاكرة" رواية للكاتبة الفرنسية- الهندية الأصل ناتاشا أباناه صدرت ترجمتها العربية حديثاً عن دار الآداب، وقد أنجزها محمد آيت حنا. تعالج الروائية المولودة في جزر موريشيوس، مواضيع الهجرة والسخرة والعبودية والفروق الطبقية والعنصرية العرقية والعنف الأسري وقمع المرأة وغيرها من القضايا التي أرقت الإنسان في القرن الـ20 ولا تزال.
قد يستغرب القارئ للوهلة الأولى هذا العنوان، "بياض الذاكرة"، (La mémoire délavée)، بخاصة أن الكاتبة تدأب طوال سردها على منازلة الذاكرة لتروي قصة أجدادها وهجرتهم من الهند إلى جزر الموريشيوس. وتختار الكاتبة أن تجعل خصمها الأبرز عنوان روايتها، أي الذاكرة الممحوة والزمن المفقود والماضي المسكوت عنه. فيكتشف القارئ أن الكاتبة تحاول طوال السرد أن تنسج أحداث روايتها من ضئيل شذرات الذكريات التي وصلتها من جديها ومن والديها ومن الأقرباء.
وتخلق الكاتبة تواطؤاً بينها وبين القارئ الذي يدرك صعوبة أن تعود بأحداثها للقرن الـ19 ومن بعده بدايات القرن الـ20. ذاكرة بيضاء لا تذكر ولا تعرف التفاصيل هي ذاكرة هذه الكاتبة المتحدرة من عائلة مهاجرين، فهي الكاتبة- الراوية، لا تكف طوال السرد عن التأكيد أن الذاكرة مليئة بالثغرات وأن الماضي مجهول، حتى إنها تعترف في موضع من السرد بأخطاء روايتها، فتكتب "هوذا غلط هذه القصة التي أكتبها بخليط عجيب - معرفتي، ذاكرتي، ذكرياتي، ذكريات عائلتي، قدرتي على التخييل، إرادتي في ملء الغياب- وينبغي أن تعذروني لأنها مجرد فرضية".
تكتب ناتاشا أباناه روايتها المفترضة، بضمير المتكلم المفرد الحميمي والشخصي في محاولة منها لسد ثغرات الذاكرة. فتروح تملأ البياض والفراغ كما تستطيع لنراها تحاول سبغ تفاصيل على قصص وصلت إليها متشظية غير مكتملة لأن سرد القصص الحميمية والعائلية أمر غير شائع في ثقافة ذويها، أخبار الزواجات المدبرة والعلاقات الشخصية والخلافات العائلية والليالي العتيقة إنما هي تابوهات لا أحد يُطلعها عليها ولا أحد يتحدث بها، لتتحول الكاتبة إلى بطلة ميثولوجية معاصرة تخوض رحلة بحث عن الذات والجذور والهوية بمواجهة الزمن والنسيان والصمت. محاولة سردية عبثية تحاول فيها الكاتبة قدر الإمكان التمسك بالواقع والحقيقة، فتكتب "لا شأن لي بالخيال، بالتخييل، إنما أصبو إلى معرفة المستحيل: ما حدث كما حدث".
نظام أبوي صارم
إن رحلة العودة للماضي المتعثرة بل المستحيلة، كما تقول الكاتبة، تصبح رحلة عودة للأعماق لفهم الذات والعائلة والعالم، لكنها أيضاً طريقة لنقد المجتمع الذكوري والبطريركي والطبقي والعنصري. مواضيع كثيرة تطرقها أباناه عَرَضاً في نصها البسيط والقصير والساكن، مما يمنحه وهجه وقوته وطبقاته، فهو سرد يُفصح لكنه لا يواجه، يلامس القضايا ويعرضها من دون أن يشعر القارئ بأنه يقرأ وجعاً اجتماعياً فظاً وحشياً.
وتطرح ناتاشا أباناه في رحلة بحثها عن الماضي أسئلة الذاكرة، إنما أيضاً أسئلة المنافي والهجرات واللجوء والعنصرية. وتسرد قصص أجيال من المهاجرين، من خلال عودتها للهجرة الهندية نحو جزيرة موريشيوس منذ أغسطس (آب) من عام 1872. سرد ذاتي ينصب في سرد الذاكرة الجماعية من خلال وصف العمل بالسخرة وطريقة عيش المتسخرين الهنود على جزيرة موريشيوس، فتقول أباناه مثلاً في تعليق جاف لما فيه من واقعية ولا إنسانية: "كل ما يتصل بالحياة الحميمية والشخصية للمتسخرين ينبغي أن يتم خلسة، بلا ضجيج. لم ينالوا بعد مشروعية إبراز ثقافتهم وممارساتهم. إنهم مهيمَن عليهم، أجساداً وعقولاً".
إن نظام الهجرة للعمل بالسخرة الذي أقامه الأوروبيون منذ عام 1830 إنما هو ترسيخ الفروقات الطبقية والعنصرية العرقية التي كانت مستشرية في المجتمعات. فتصبح لغة المهاجرين أدنى مرتبة من لغة أهل البلاد، وكذلك همومهم وعاداتهم وثقافاتهم ويومياتهم. حتى آلهة المهاجرين تصبح أدنى قيمة من آلهة العرق الأبيض، فتسرد الكاتبة حادثة محددة بقولها إن جدتها كانت تصلي لآلهتها الأصليين بكل تقوى، إنما يبدو أنها تعتبر آلهة الأسياد أقوى من آلهتها، فتقول "[كانت جدتي]، في ما يخص الامتحانات، تثق أكثر بإله البيض، الإله الذي يتكلم الفرنسية والإنجليزية".
بشر من المرتبة الثانية
ويتحول المهاجرون إلى أفراد من المرتبة الثانية، مجرد أرقام آتية من خلف البحر. ويتحولون من أفراد أتوا حالمين بحياة أفضل إلى مجرد متسخرين فقراء لا حقوق لهم ولا وجود، مجرد أفراد هامشيين يعيشون على الأطراف في بيوت من طين وضمن نظام اجتماعي صارم وعنصري، فتكتب أباناه عن حركات الهجرة عبر التاريخ التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا "طالما ثمة بحار وطالما ثمة بؤس وطالما ثمة مهيمنون ومهيمَن عليهم، أظن أنه ستكون دوماً ثمة مراكب تقل أناساً يحلمون بآفاق أفضل".
وتتوقف الكاتبة عند النظام الأبوي متعدد المستويات الذي تظهر المرأة في قاعه. فيتطرق السرد إلى الهرمية الاجتماعية الموجودة والمترسخة التي على رأسها المالك، ثم رئيس العمال، فالعمال والمزارعون، لتكتب أباناه "يخشى المزارعُ المالكَ، لكنه يثق برئيس العمال، وله أن يسعى إلى أن يصير، بجهده، رئيس عمال. أما المرأة، فلا دور لها سوى العبء الذهني واليومي الذي تفرضه الأسرة، وهي تابعة تبعية مباشرة لزوجها/ أبيها/ ولدها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سخرة وفروق طبقية وعنصرية عرقية وامرأة مهمشة هي المواضيع الحساسة التي تؤم فضاء ناتاشا أباناه السردي. وجروح اجتماعية تنقلها إلى الوعي الجماعي بلغة العرق القوي من خلال رغبة في نسج الماضي بأخطائه وخطاياه.
وما يميز هذه الرواية التي فيها الكثير من عناصر السيرة الذاتية إن لم نعتبرها سيرة ذاتية فعلية، الصور والوثائق التي توردها الكاتبة مع النص. صور تمنح السرد سماكة حقيقية وتمنح الأسماء وجوهاً. صور من أرشيف الكاتبة تتحدى الذاكرة وتنقل محاولة السرد من عمل فردي إلى تحدٍ جماعي يطاول المهاجرين أينما كانوا، حتى إن أباناه تكتب أن الماضي نفسه الذي تنبشه تشوبه هفوات وأخطاء "إن الأرشيف ليس الانعكاس الدقيق للتاريخ، فهو قابل للاختراق والتناقض، ويتأثر بسياق التوثيق والأخطاء البشرية والزمن الذي يمضي فيبيض، والصدف المتمثلة في اختلاط ملف بآخر، أو صورة تنفك فتنزلق. إن الأرشيف ذاكرة معيبة".
"بياض الذاكرة" رواية الكاتبة الهندية الأصول ناتاشا أباناه هي نبش في البياض الذي يخفي الماضي، هي مرآة عصور من الاستعمار والاستعباد والاستبداد، عصور قاتمة ضحيتها الأبدية المهاجرون، ليكون السؤال الجوهري الذي تطرحه أباناه في سردها هو سؤال البشرية جمعاء "أما الألم، ألم القلب، ألم الجسد، ألم الظلم المتواصل، الألم الذي يُتوارث كمرض، فكيف لنا أن نحدد كل تلك الآلام؟ بأي مقياس تقاس؟ [...] والأهم من ذلك كله، متى تتوقف تلك الآلام؟".