ملخص
رواية جديدة للكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي عنوانها "تمويه"، تعيد فيها قراءة المأساة الفلسطينية في وجوهها كافة، ولا سيما مأزق الحياة اليومية في ظروف صعبة تحتم المواجهة الدائمة للاحتلال. وكانت رواية عدنية شبلي السابقة "تفصيل ثانوي" أثارت ضجة بعد منعها من الحصول، بترجمتها الألمانية، على جائزة في معرض فرانكوفرت.
هناك روايات عند قراءتها تؤدي بنا نحو الوقوف وجهاً لوجه أمام الدور الذي يشغله الأدب في الحياة، وكيف ينهض عالياً كي يذكرنا بإنسانيتنا المجروحة بواقع أليم لا مفر من تناسيه أو غض البصر عن وجوده، ومن الصفحات الأولى في رواية "تمويه" (دار الآداب) للكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، تحضر إلى الذهن قصيدة محمود درويش "كزهر اللوز أو أبعد"، إذ تنفتح الرواية على مشهد طبيعي طاغ حيث المطر الغزير والسيول التي تغمر التلال والطرق وأشجار اللوز، بينما البطلة تتابع من خلف زجاج السيارة المغبش قطرات الماء المتساقطة.
لكن من خلال الطبيعة واللغة والعلاقات الإنسانية، تطرح الرواية شكلاً جديداً من أشكال السرد يقوم على التمويه في مستويات عدة، عبر إعادة طرح التجربة الفلسطينية من خلال عدسة جمالية تحول تفاصيل الحياة اليومية إلى فضاء رمزي، يتشابك فيه السياسي بالوجداني والواقعي مع المتخيل.
منذ المقاطع السردية الأولى تحضر الطبيعة كبطل سردي فاعل يحجب الرؤية ويضع الشخصيات في فضاء مضطرب مع تبدل فصول العام وتسارعها، وفي خلق إحساس لا يسمح باليقين، فالمطر والوحل هنا ليسا مجرد خلفية مكانية بل تعبير عن حال الفلسطيني في مأزقه الوجودي، في حياة قائمة تحت الاحتلال تجعله يعيش في عالم تغشاه السيولة والغموض لأن وضوح الطريق دائماً يهدد مصيره.
انطلاقاً من الوصف الطبيعي في المقاطع الافتتاحية يتعرف القارئ سريعاً إلى وضع بطلة تجلس داخل سيارة يطلب منها السائق الذي نعرف لاحقاً أنه أخوها، أن تخفي الحطة الفلسطينية قبل التوقف عند الحاجز العسكري الإسرائيلي، ويتبع ذلك فحص للهوية وجدل مع الجنود وتفتيش يؤثر مباشرة في مسار الرحلة، ويجعل البرد يقتحم السيارة عبر الزجاج المفتوح، وفي مشهد لاحق ودلالة رمزية مباشرة للحطة الفلسطينية التي جرى إخفاؤها عن أعين الجنود، تتعرض السيارة للرجم بالحجارة إلى أن يتمكن السائق من التلويح بالحطة من جديد، لنقرأ "يلتقط شقيقها شيئاً من تحت المقعد حالما تهوي عصا على الجهة الخلفية من السيارة، وأخرى حين يهرع إلى الخارج حاملاً الحطة وملوحاً بها أمام الشبان، تتوقف لحظتها أيديهم الممسكة بالحجارة والعصي في الهواء ويجمدون في مكانهم ويختفون"، وهذا الحاجز والتحقق من الهويات يضعان النبرة السياسية المباشرة التي تترك بصمات متكررة في النص، لكن المشهد لا يُروى من زاوية المواجهة المباشرة فقط بل من زاوية التوتر النفسي والانتظار والارتباك الذي يعيشه الركاب.
حياة منفصلة
هكذا يرمز الحاجز العسكري إلى الانقطاع الدائم وانكسار استمرار الحياة الطبيعية، فالطريق الذي يفترض أن يقود من مدينة إلى أخرى يصبح مهدداً، والانتقال نفسه يتحول إلى مغامرة، وشبلي تقدم هنا صورة مكثفة عن حياة الفلسطيني التي تعاش في تقاطعات الحواجز، فلا شيء يسير على نحو طبيعي، والتمويه يكمن في أن العنف يتخفى أحياناً في هيمنة تبدو عادية ظاهريا مثل طلب إبراز الهوية.
لا تعتمد الرواية على أحداث كبيرة وشخصيات كثيرة بل على شبكة من وجوه يومية تؤدي أدواراً مركبة، فيُمسك دفة السرد راو عليم يتابع حركة الشخوص الذين يحملون صفات لا أسماء، مع تدخلات من الكاتبة للتذكير بأن هذا عمل روائي، كأن تقول "ما بات اسم بطلنا.. لنتذكر، لا يزال الوقت صيفاً، أحدهم هو شخصية رئيسة في هذه الرواية"، فكثيراً ما تتحرك الرواية بين عالمين، البطلة التي يبدأ معها النص تُسمى منذ التحاقها بالدراسة "الطالبة" ثم "عاملة النظافة" ثم "المترجمة"، أما الشاب الفلسطيني فهو "الطالب الأسير"، "الطالب الخريج"، "عامل النظافة"، "العاطل من العمل"، "الأجير"، وأما زميلتها في الجامعة، الإسرائيلية من أصول روسية، فاسمها "الطالبة الأخرى".
يطغى على النص حضور الضوء والظل والبر والبحر، وبينهم تحدث حالات تمويه على مدار السرد، فتستدعي الكاتبة كائنات أخرى مستعينة بدلالاتها، العصافير والجدي والببغاء والحرباء التي تُرافق البطلة الساردة خلال دراستها في الجامعة، والأم التي تُشبّهها بالسمكة "تخرج من الماء لتقلي الفلافل وترقب بعين واحدة عالم البحر الممتد إلى جهة، وبالعين الثانية عالم البر الممتد إلى الجهة المقابلة".
لا تبنى شخصيات الرواية، وفق تقاليد الرواية الكلاسيكية القائمة على التطور النفسي والدرامي، بل تظهر بوصفها تجسيدات لدلالات محددة، فالبطلة مثلاً هي العين الراصدة ووجودها قائم على المراقبة والتأمل، تُعرفنا على المشهد الخارجي والداخلي وتستقبل عتمة الخوف والقلق، وفي المقابل يمثل الشقيق الوجه السياسي المباشر، فحضوره مشروط بالاعتقال والملاحقة، والأم رمز للاستمرار والبقاء، حيث مشاهد محل الفلافل تضيف واقعية تباين ظلم اعتقال الأخ، فيما معلم اللغة العبرية يشكل رمزاً للهيمنة الثقافية، وكيف يمكن للغة أن تكون وسيطاً للتمويه، أما الجنود والمستوطنون فهم وجوه بلا عمق إنساني، وأدوات للسيطرة أكثر منهم شخصيات فردية، لتنحت شبلي شخصياتها عبر تفاصيل روتينية صغيرة، فتُنمي التصور النفسي وتجعل من الحياة اليومية ميدانا للمقاومة، ومن خلال هذا التشكيل تبنى شبكة رمزية تجعل من كل شخصية تجسيداً لفكرة أكثر منها فرداً محدداً.
الغالب والمغلوب
وإذا كانت الرواية تقدم صورة المغلوبين في حياتهم والمستضعفين في أجورهم واستحقاقهم، والمضطهدين أمام حواجز العسكر والنار، والسجناء في محبسهم، والأمهات الحزانى على مصير أبنائهم، والشابات المخذولات في أحلامهن، فإن الغالبين على الضفة الأخرى ليسوا أحسن حالاً، على رغم كل ما يمتلكون من قوة، والنماذج التي تقدمها شبلي في روايتها تعيش في خوف وهلع وأمراض نفسية وحيرة لغوية، تسفر عن لكنات هجينة وإن تحدثوا جميعاً بالعبرية، وفي الجامعة يكون الطلاب أكبر من أعمارهم بثلاث سنوات مضت في خدمتهم الإلزامية لجيش الدفاع.
أما الطلاب الفلسطينيون فإن "المواضيع المتاح لهم درسها في الجامعات الإسرائيلية محدودة من أصلها، ويضطر غالبيتهم إلى الالتحاق بمثل هذه الجامعات في ظل الإغلاق المستمر للجامعات الفلسطينية ودهم الجيش لها وتنفيذ الاعتقالات بين صفوف الطلبة، إذ إن هاجس الملف الأمني ليس بالهين، ويقف على نحو شبه قاطع وراء عدم استجابة الغالبية الساحقة من الطلبة لدعوة العصيان".
تتفرع الرواية إلى مفردات الحياة اليومية والجامعة وعمل الأم في محل الفلافل، والتفاصيل المنزلية والاقتصادية وانشغال العائلة بالعيش تحت ضغط المراقبة والاعتقالات، فالمشاهد المدرسية التي تبرز تعلم العبرية ومحاولة تقليد نطق المعلم تشير إلى كيفية غرس هيمنة لغوية وثقافية داخل حياة الأطفال والشباب.
وتتقاطع أحداث محلية مع مواجهات عند الحواجز وعمليات دهم وتفتيش بيوت واحتجاز، مع لقطات بسيطة مثل تجهيز الفلافل وحصاد البرتقال ورعاية النباتات، فتتولد صورة مركبة عن حياة تحت نير الاحتلال والقهر، تظهر في التفاصيل الصغيرة بقدر ما تظهر في المشاهد الكبرى، ولعل أبرز المقاطع الرمزية في الرواية هي محاولة البطلة إتقان اللغة العبرية، لنقرأ "العبرية التي تبلغ مسمعها إبان المحاضرات لا تمت بصلة للعبرية التي درستها لأعوام طويلة، بل ولا اللكنة ولا السرعة اللتين عهدتهما في هذه الحال، حين يكون من الصعب التقاط ما يلفظ من كلمات، لا تعود تجدي أيضاً نصيحة معلم العبرية، يمكن إيجاد معنى تلك الكلمة، في كلمة عربية تحاكيها، الأمر الذي يخُوله تقارب اللغتين، كونهما لغتين ساميتين انبثقتا من مصدر واحد هو الآرامية".
وهناك مشهد مهم آخر يتعلق بالاضطراب اللغوي حين يختلط المعنى على البطلة بين لفظتي: نبلاء ونذلاء، وإحدى زميلاتها في الجامعة تصف العرب بأنهم نبلاء، فتحس الساردة بالامتنان لكنها سرعان ما تكتشف أن ما قالته "نذلاء"، وحينها ترغب البطلة في أن تعود عقارب الساعة للوراء كي تمحو ابتسامتها الممتنة.
السلطة المموهة
هذه المشاهد تكشف في العمق عن ممارسة سلطة مموهة، فالطالب الفلسطيني لا يتعلم العبرية كمهارة إضافية بل يتلقاها كفرض يعيد تشكيل وعيه وهويته، واللغة هنا أداة للسيطرة بقدر ما هي أداة للتواصل، وعندما يخطئ الطلاب في نطق كلمة ما فإن خطأهم ليس لغوياً فقط، بل هو دلالة على رفضهم النفسي وممانعتهم الخفية للانصهار التام في لغة الآخر.
وما يمنح الرواية فرادتها هو اعتمادها على تفاصيل يومية صغيرة مثل عدسة مكبرة لرؤية العالم، ومن خلال هذه التفاصيل نكتشف حيوات أخرى يجري ابتسارها داخل السجون، مثل واقع الأسرى وكيف يتمكنون من كتابة رسائلهم لذويهم على ورق سجائر، وكيف يجري تهريب هذه الرسائل، ثم عالم الراديو الذي يبث أغنية ما تحمل رمزاً، فيصغي إليها جميع السجناء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الفلافل تمثل صمود الحياة الاقتصادية البسيطة، والبرتقال يرمز إلى الجذور الفلسطينية، والبرتقال الحزين الذي يستعيد ذاكرة الفقد، والنملة التي تزحف نحو العصير تمثل استمرار الحياة في أبسط صورها على رغم الخراب المحيط، وهذه التفاصيل تكشف عن أن المقاومة ليست دوماً مواجهة مباشرة بل قد تكمن في الإصرار على الاستمرار في الحياة اليومية، لكن في النتيجة، وكما تقول شبلي، "لا يمكن لأي سطح مهما بلغت صلابته أن يحول دون جهوزية بعض النباتات للنمو فوقه".
يظهر في الجزء الأخير من الرواية رمز جديد وهو سباق الخيل، إذ يتصدر المشهد الفرس رقم (11)، والسباق هنا ليس حدثاً رياضياً عادياً بل دلالة عن القدر الجمعي للرهان على المستقبل في ظل ظروف قاسية، وأيضاً يبدو السباق استعارة كبرى للمصير، فالفلسطيني يظل كمن يراهن على فوز أو خسارة في مضمار غير متكافئ، والفرس يمكن أن تحقق الانتصار لكنها قد تسقط في اللحظة الأخيرة، وهذه الاحتمالات تترك القارئ أمام أسئلة وجودية مثل هل ثمة أمل فعلاً أم أن السباق محكوم سلفاً؟
طبقات سردية
يتسم أسلوب شبلي بالبطء والانتقال السريع والمتداخل بين موضوع وآخر عبر جمل طويلة وأوصاف دقيقة للطبيعة وتفاصيل الحياة الصغيرة، وأحياناً يبدو الإيقاع ثقيلاً ورتيباً بعض الشيء، لكن يبدو أن الكاتبة تتعمد هذا البطء لأنه يجبر القارئ على التوقف عند كل تفصيلة، والنص يُمارس التمويه ذاته الذي يحكي عنه ولا يمنح وضوحاً مباشراً، بل يفرض على القارئ أن يفتش عن المعنى ودلالاته بين طبقات الوصف.
تكشف الرواية عن قدرة عدنية شبلي على إعادة صياغة المأساة الفلسطينية في لغة أدبية غنية بالرمز والإيحاء، فقوتها تكمن في أن الاحتلال لا يظهر فيها كخلفية عنيفة ومهيمنة فقط، بل كقوة متسربة في أدق تفاصيل الحياة: في الطعام واللغة والجامعة والعلاقة مع الآخر، وبذلك يصبح التمويه فكرة شمولية تشتبك في حياة الفلسطيني: "المطر يُمَوه الرؤية، الحاجز يُمَوه الطريق، اللغة تُمَوه الهوية، والحياة الفلسطينية كلها تُعاش في حال التباس دائم بين الظهور والاختفاء"، لذا يبدو هذا الخيار الأسلوبي معبراً عن موضوع الرواية، فالحياة في ظل الاحتلال ليست سلسلة أحداث متصاعدة بقدر ما هي حال انتظار مأسوية متواصلة ومليئة بالتفاصيل الغاصة بمعاناة يومية، لذا لا يمكن اعتبار رواية "تمويه" رواية سياسية فقط بقدر ما هي شهادة على واقع قاس، في نص أدبي شديد العناية باللغة والصورة، ضمن تجربة جمالية تطالب القارئ بأن يعيد التفكير في معنى الرؤية ومعنى الوضوح والتمويه، وفي كيفية تحويل الأدب إلى مرآة مقاومة تتجلى في أدق تفاصيل الحياة.