ملخص
الملك السعودي الراحل عبدالعزيز آل سعود سرد في خطابه إلى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت حقائق تاريخية تؤكد أن العرب ليسوا دخلاء على فلسطين، بل هم أصحاب الأرض الأصيلين، بينما الوجود اليهودي لم يكن سوى محطات عابرة لا تمنحهم حقاً في ملكيتها.
بعد اللقاء التاريخي الذي جمع الملك السعودي الراحل عبدالعزيز آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت وجهاً لوجه على متن الطراد الأميركي "كوينسي" في قناة السويس في الـ 14 من فبراير (شباط) 1945، بعث الملك السعودي المؤسس في الـ 10 من مارس (آذار) 1945 خطاباً مطولاً إلى البيت الأبيض، وصف بأنه من أطول الرسائل التي أرسلها إلى رئيس غربي.
في هذا الخطاب، عرض الملك عبدالعزيز أبعاد الموقف السعودي والعربي من قضايا المنطقة، مؤكداً أن فلسطين أرض عربية لا تقبل المساومة، ومحذراً من أن تزاحم المهاجرين اليهود مع أهلها سيقود إلى صراع طويل الأمد، وشدد على أن المملكة لا تنفصل عن محيطها العربي، وأن التزامها بالقضية الفلسطينية جزء من هويتها وعمقها الاستراتيجي.
الرسالة التي اطلعت عليها "اندبندنت عربية" حملت نبرة تحذير واضحة من الممارسات الصهيونية التي وصفها الملك عبدالعزيز بأنها دعايات كاذبة وأعمال قمعية، هدفها التمهيد لقيام كيان أشبه بالنازية والفاشية في قلب المشرق العربي، وشدد على أن هذا المشروع يجري تحت أنظار القوى الديمقراطية الغربية، في وقت قدّم العرب تضحيات كبيرة ووقفوا بإخلاص إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
بهذه اللغة المباشرة، وضع الملك عبدالعزيز الأساس المبكر للموقف السعودي والعربي من قضية فلسطين، مؤكداً أن المملكة لا تنفصل عن محيطها، وأنها تعتبر الدفاع عن الحق العربي في فلسطين جزءاً من هويتها والتزامها التاريخي.
تهنئة الحلفاء
استهل الملك المؤسس رسالته بالتعبير عن سروره بانتصار المبادئ التي أعلنت الحرب العالمية دفاعها عنها، قبل أن ينتقل إلى جوهر القضية التي شغلت اهتمامه آنذاك، وهي حق العرب في فلسطين، وأكد أن هذا الحق ثابت منذ فجر التاريخ، وأن محاولات إلغائه تمثل ظلماً لم يسجل له التاريخ مثيلاً.
ثم استطرد في حق العرب في فلسطين وأنه حق تاريخي وطبيعي لا يقبل الجدل، غير أن هناك محاولات لاغتصابه عبر الدعاية الكاذبة والمظالم على الأرض، تمهيداً لخلق كيان "نازي فاشي" في قلب الشرق العربي.
الاستدلال بميثاق الأطلسي
وأكد الملك السعودي الراحل أن هذا الحق لا يحتاج إلى براهين إضافية، فالعرب هم سكان فلسطين منذ أقدم العصور، وهو حق تكفله مبادئ الإنسانية و"ميثاق الأطلسي".
ويعد ميثاق الأطلسي وثيقة دولية صادرة في أغسطس (آب) 1941 بعد لقاء روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، ووضعت مبادئ الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، أبرزها حق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة، واعتُبر لاحقاً أساس قيام منظمة الأمم المتحدة.
ذكاء الملك عبدالعزيز السياسي برز في استشهاده بهذا الميثاق داخل خطابه إلى روزفلت، إذ ربط قضية العرب في فلسطين بمبادئ أعلنها الحلفاء أنفسهم، ليجعل منها مرجعية دولية يصعب على واشنطن ولندن تجاوزها، فخطابه لم يكن مجرد دفاع عاطفي، بل توظيف ذكي لمبادئ الغرب المعلنة لتثبيت أن حق العرب في فلسطين حق طبيعي وتاريخي وموثق أيضاً بميثاق الأطلسي.
سرد في تاريخ فلسطين
وانتقل الملك في رسالته إلى تاريخ فلسطين الذي يكشف بوضوح أن "العرب هم سكانها الأصليون منذ نحو 3500 عام قبل الميلاد، حين استوطنها الكنعانيون الذين نزحوا من جزيرة العرب، وظل وجود العرب فيها متصلاً عبر العصور، أما اليهود، فلم يتجاوز حضورهم في فلسطين سوى نحو 380 عاماً متفرقة، عاشوا خلالها في فترات متقطعة وانتهى وجودهم المستقر منذ أكثر من ألفي سنة، وهو انقطاع طويل لا يمنحهم أي حق تاريخي في ادعاء ملكية الأرض".
وأوضح الملك عبدالعزيز أن الادعاء اليهودي بالحق التاريخي مغالطة، لأن الاحتلال المؤقت أو العابر لا يؤسس لملكية ولا يمنح حقاً ثابتاً، مستشهداً بأن العرب ظلوا في فلسطين عبر مراحل الحكم المختلفة، سواء في العصور الإسلامية التي امتدت قرابة 880 عاماً منذ الفتح عام 637، أو خلال الحكم العثماني الذي استمر أربعة قرون، وصولاً إلى الحقبة الحديثة.
وأشار الملك الراحل أيضاً إلى أن "العرب عندما دخلوا القدس مع الفتح الإسلامي وضعوا مبادئ إنسانية واضحة، حيث أوصى الخليفة الفاتح جنوده بألا يقتلوا طفلاً أو شيخاً، وألا يقطعوا شجرة مثمرة أو يعتدوا على دور العبادة، وهو ما يعكس الطابع الأخلاقي لوجود العرب في فلسطين، متابعاً "أما اليهود، فبعد خروجهم من فلسطين قبل أكثر من 2200 عام، لم يكن لهم أي نفوذ أو حكم، وظلوا مجرد أقليات صغيرة حتى الاحتلال البريطاني عام 1918، حين لم يتجاوز عددهم 80 ألفاً يعيشون في رغد وأمان بين السكان العرب".
وبحسب الملك عبدالعزيز، فإن هذه الحقائق التاريخية تؤكد أن العرب ليسوا دخلاء على فلسطين، بل أصحاب الأرض الأصيلين، بينما الوجود اليهودي لم يكن سوى محطات عابرة لا تمنحهم حقاً في ملكيتها.
قضية عدالة عالمية
وشدّد الملك عبدالعزيز على أن حقوق العرب في فلسطين ثابتة وراسخة عبر التاريخ، مستندة إلى استيطانٍ متواصل منذ آلاف السنين وارتباطٍ طبيعي وديني بأرضهم المقدسة، وأكد أن العرب لم يكونوا يوماً دخلاء على فلسطين، بخلاف الادعاءات اليهودية التي وصفها بأنها مغالطات تاريخية لا تستند إلى حق مشروع، إذ إن حكم اليهود القصير والمتقطع لم يمنحهم يوماً صكّ ملكية الأرض.
ورأى الملك عبدالعزيز أن قضية اليهود المضطهدين في العالم تختلف تماماً عن المشروع الصهيوني، مبيناً أن إيجاد أماكن لإيواء المشتتين مسؤولية مشتركة يمكن أن تتعاون عليها الدول، أما محاولة تحميل فلسطين ما لا تحتمل عبر جلب الغرباء واقتلاع سكانها الأصليين، فذلك ظلم فادح لا يليق بتاريخ البشرية ولا يقبله الضمير الإنساني.
بهذا الطرح جمع الملك المؤسس بين البعد الإنساني والبعد السياسي، ليؤكد أن فلسطين ليست أزمة محلية، بل قضية عدالة عالمية.
لم يكتفِ الملك عبدالعزيز في رسالته إلى روزفلت بتأكيد الحقوق التاريخية للعرب في فلسطين، بل مضى أبعد من ذلك محذراً من أن دعم المشروع الصهيوني لا يشكل خطراً على فلسطين وحدها، بل يهدد استقرار المنطقة العربية برمتها، وأوضح أن ما يقوم به الصهاينة من تشكيلات عسكرية سرية واعتداءات متكررة ليس فعلاً معزولاً لجماعات متطرفة، بل هو برنامج منظم يحظى بمباركة الحركة الصهيونية العالمية، بدليل اغتيال اللورد موين في مصر عام 1944، وهو المسؤول البريطاني المعروف بتعاطفه مع اليهود المضطهدين، وهي الجريمة التي اعتبرها الملك المؤسس دليلاً على أن الصهيونية لا تتورع عن الانقلاب على من أحسن إليها.
تحذير مبكر من الصراع العربي – الإسرائيلي
وأكد مؤسس السعودية أن "أخطر ما تخشاه البلاد العربية من المشروع الصهيوني هو إشعال المذابح بين العرب واليهود، وزرع الشقاق بين العرب وحلفائهم الغربيين، فضلاً عن أن مطامع الصهيونية لا تقف عند حدود فلسطين، بل تمتد إلى ما جاورها من البلدان العربية، ولو تحقق لليهود كيان مستقل في فلسطين، فإن خطره لن يقتصر على الداخل، بل سيفتح الباب أمام تحالفات مريبة مع أعداء العرب والحلفاء على حد سواء".
وبهذه الرؤية الثاقبة، قدّم الملك المؤسس تحذيراً مبكراً لما ستشهده المنطقة لاحقاً من صراعات دامية كان محورها الصراع العربي – الإسرائيلي.
ليست مجرد رقعة أرض
وفي خاتمة خطابه، وضع الملك عبدالعزيز النقاط على الحروف بشأن ما قد يترتب على المشروع الصهيوني من تداعيات كارثية على فلسطين والعالم العربي برمته، فقد رأى أن تجميع اليهود في فلسطين ليس مجرد ظلم مطلق لشعبها الأصليين، بل هو في الوقت نفسه تهديد مباشر للسلم الدولي، وخطر يهدد بجر المنطقة إلى دوامة صراع دائم.
وأكد الملك عبدالعزيز أن العرب إذا ما ضاقت بهم السبل يوماً ويئسوا من مستقبلهم، فلن يترددوا في الدفاع عن أنفسهم وعن أجيالهم المقبلة، الأمر الذي سيشعل صراعاً لم يكن في حسبان الحلفاء الذين رفعوا شعارات الحق والعدل في زمن الحرب.
ولفت الملك المؤسس إلى أنه لم يكن يرغب في إشغال الحلفاء وهم يخوضون معارك الحرب العالمية الثانية، إلا أن ما قامت به الحركة الصهيونية من محاولات ضغط منظمة للتأثير في سياسات الحلفاء، جعله يرى أن الصمت لم يعد ممكناً، وكانت الفئة الصهيونية، كما وصفها، تتحرك بخطط مدروسة، مستغلة انشغال القوى الكبرى بالحرب، لتفرض واقعاً جديداً على حساب العرب وحقوقهم التاريخية.
ومن هنا جاءت رسالته لتكون بمثابة كشف للحقائق وتذكير للحلفاء بأن العرب، الذين وقفوا إلى جانبهم في لحظات عصيبة، لن يقبلوا أن يُسلبوا حقوقهم ويُستبدل مستقبلهم بكيان غريب يُزرع في قلب أوطانهم.
وختم الملك عبدالعزيز بنداء مباشر إلى الحلفاء، محذراً من أن السماح لليهود باغتنام هذه الفرصة التاريخية على حساب العرب لن يخلق إلا حالة دائمة من القلق والفوضى في الشرق الأوسط، وأن الإنصاف وحده كفيل بإقامة سلام عادل ومستقر، وأراد الملك أن يضع أمام روزفلت ومن خلفه قادة العالم حقيقة جلية أن فلسطين ليست مجرد رقعة أرض يمكن التصرف بها وفق موازين القوى، بل هي قضية حق وعدل ومصير، وأن أي تجاهل لهذه الحقيقة سيكون شرارة لصراع طويل الأمد سيقوّض استقرار المنطقة لعقود مقبلة.
رد روزفلت
أحدث خطاب الملك عبدالعزيز إلى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في مارس (آذار) 1945 أثراً ملحوظاً داخل الإدارة الأميركية، فقد بادر روزفلت بالرد برسالة ودية أكد فيها إدراكه لحساسية القضية الفلسطينية، وتعهد بعدم اتخاذ أي قرار بشأن مستقبل فلسطين من دون التشاور المسبق مع العرب واليهود على حد سواء، كذلك أعاد التأكيد على ما قاله للملك خلال لقائهما على متن الطراد "كوينسي"، بأن الولايات المتحدة لن تتخذ أي خطوة عدائية تجاه العرب في هذا الملف.
غير أن وفاة روزفلت المفاجئة بعد أسابيع قليلة من اللقاء غيرت المشهد السياسي في واشنطن، حيث خلفه الرئيس هاري ترومان، الذي كان أكثر ميلاً إلى دعم المشروع الصهيوني، الأمر الذي انعكس لاحقاً في اعتراف الولايات المتحدة المبكر بقيام دولة إسرائيل عام 1948، وهذا التحول عكس طبيعة الانقسام داخل السياسة الأميركية آنذاك، بين توجه حذر يسعى إلى التوازن مع العرب، وآخر يميل بوضوح إلى دعم الصهيونية.
مسار سياسي ثابت
لقد مثّل خطاب الملك عبدالعزيز إلى الرئيس روزفلت نقطة ارتكاز لمسار سياسي سعودي متواصل تجاه القضية الفلسطينية، فمن مؤتمر أنشاص عام 1946، مروراً بالدعم السياسي والمالي في حرب 1973، وصولاً إلى مبادرة السلام العربية التي أُطلقت من بيروت عام 2002 وحتى اليوم الذي شهد حشداً دولياً غير مسبوق للاعتراف بدولة فلسطين برعاية السعودية وفرنسا في نيويورك، ليظل الموقف السعودي ثابتاً في رفض أي مساس بالحقوق الفلسطينية، والدعوة إلى حل عادل يضمن قيام دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وهذه الاستمرارية تعكس أن ما صاغه المؤسس لم يكن موقفاً ظرفياً، بل إطاراً استراتيجياً تحوّل إلى أحد ثوابت السياسة الخارجية للمملكة.
واليوم، بعد ما يقارب ثمانية عقود، ما زال هذا الخطاب يجد امتداده في مواقف السعودية المعاصرة، فعلى رغم تغير التوازنات والتحالفات الدولية، بقيت المملكة تعتبر فلسطين قضية مركزية في سياستها الإقليمية والدولية، وتستثمر ثقلها السياسي والاقتصادي لضمان استمرار حضورها على أجندة المجتمع الدولي، كذلك فإن التحذيرات التي أطلقها الملك عبدالعزيز بشأن ما قد يترتب على المشروع الصهيوني من صراعات واضطرابات، ثبتت صحتها مع الحروب العربية – الإسرائيلية المتعاقبة وتداعياتها الممتدة حتى اليوم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويمكن القول إن خطاب 1945 لم يكن وثيقة دبلوماسية عابرة، بل مرجعية مبكرة أسست لرؤية سعودية طويلة الأمد في التعامل مع القضية الفلسطينية، رؤية وضعت فلسطين في موقع القضية المحورية، ليس فقط من منطلق قومي أو ديني، بل باعتبارها عاملاً حاسماً في استقرار الشرق الأوسط وأمنه، وهو ما جعل الموقف السعودي يتسم بالثبات والاستمرارية على رغم تغير الظروف.
وتذكر المصادر أن الملك عبدالعزيز ظل حتى وفاته عام 1953 متمسكاً بالموقف ذاته، مؤكداً أن فلسطين قضية لا تقبل المساومة، حتى في خضم التحولات الكبرى في المنطقة.
ومع مرور الزمن، بقيت رسالة الملك عبدالعزيز وثيقة مرجعية في السياسة السعودية، إذ استخدمتها الرياض دليلاً على أنها أوضحت موقفها منذ البداية، وأنها لم تمنح واشنطن "شيكاً على بياض" فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وأسس هذا التوثيق المبكر لمسار من الوضوح والاتساق في الموقف السعودي، جعل المملكة تعود دائماً إلى ما قاله مؤسسها كحجة تاريخية وسياسية تثبت ثباتها على نهج واحد تجاه فلسطين.