ملخص
وفق مراقبين لم تكن حادثة جسر الملك حسين "معبر اللنبي" مجرد إطلاق نار عابر، بل مرآة للتناقضات التي يعيشها الأردن بين عاطفة شعبية جياشة تجاه غزة، وحسابات سياسية دقيقة تحاول حماية مصالح الدولة، ويجد الأردن نفسه اليوم أمام تحد مزدوج ما بين الاستمرار في أداء واجبه الإنساني، وتجنب الوقوع في فخاخ سياسية قد تنصبها إسرائيل، والأسوأ احتمال أن تستغل إسرائيل ذلك لجر الأردن إلى مربع مواجهة لا يريده.
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، لم يتوقف الأردن عن لعب دور محوري في إيصال المساعدات إلى القطاع المحاصر، إذ نقل عشرات آلاف الأطنان من الغذاء والدواء عبر البر، وقاد تحالفاً دولياً لعمليات الإنزال الجوي، وأقام مستشفيات ميدانية تخفف من آلام آلاف الجرحى.
لكن وسط هذه الجهود الإنسانية، برزت تحديات أمنية خطرة ألقت بظلالها على صورة المساعدات، بعدما تحولت قوافل الغوث ذاتها إلى ساحة مواجهة سياسية وأمنية.
ووفق مراقبين لم تكن حادثة جسر الملك حسين "معبر اللنبي" مجرد إطلاق نار عابر، بل مرآة للتناقضات التي يعيشها الأردن بين عاطفة شعبية جياشة تجاه غزة، وحسابات سياسية دقيقة تحاول حماية مصالح الدولة.
ويجد الأردن نفسه اليوم أمام تحد مزدوج ما بين الاستمرار في أداء واجبه الإنساني، وتجنب الوقوع في فخاخ سياسية قد تنصبها إسرائيل، والأسوأ احتمال أن تستغل إسرائيل ذلك لجر الأردن إلى مربع مواجهة لا يريده.
نافذة مرور أم ساحة اختبار؟
وكثيراً ما شكل جسر الملك حسين نافذة لمرور القوافل الإنسانية من الأردن إلى الضفة الغربية وغزة، قبل أن يصبح مسرحاً لحوادث أمنية غير مسبوقة، فخلال عام واحد فحسب، سجلت حادثتان أقدم فيهما سائقان أردنيان لشاحنات مساعدات على تنفيذ عمليات إطلاق نار ضد جنود إسرائيليين.
وعلى رغم أن هذه الأفعال جاءت كسلوك فردي مدفوع بتصاعد الغضب الشعبي من الحرب في غزة، فإنها وضعت الأردن في موقف معقد لا يستطيع معه تجاهل التعاطف الشعبي الجارف مع غزة، كما أن تكرار هذه الحوادث على المعبر يهدد بتحويل قوافل المساعدات من جسور للحياة إلى مصادر توتر أمني، ويمنح إسرائيل ذريعة للضغط على الأردن سياسياً وأمنياً، وبخاصة بعدما حملت الحكومة الإسرائيلية الأردن المسؤولية مباشرة، في خطوة اعتبرها مراقبون تمهيداً لخطوات عدائية مستقبلية، إذا تكررت الحوادث.
يؤكد الباحث والمحلل السياسي مصطفى أحمد أن معبر جسر الملك حسين يربط الأردن بالضفة الغربية، وهو المنفذ الوحيد للفلسطينيين إلى الأردن والعالم، ويقع على الحدود الغربية للأردن ويبعد 60 كيلومتراً عن العاصمة عمان، وقرابة خمسة كيلومترات عن مدينة أريحا شرق الضفة الغربية، ويستخدمه المغادرون من الأردن إلى الأراضي الفلسطينية حيث يتجه المسافر بعد جسر الملك حسين من الجانب الأردني إلى المعبر الإسرائيلي (اللنبي)، ويخضع لإجراءات تفتيش دقيقة، تليها المغادرة إلى الجانب الفلسطيني معبر (الكرامة) ومنه إلى الأراضي الفلسطينية.
ويستخدم هذا المعبر لمرور الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية من حملة التصاريح والهويات وجوازات السفر الفلسطينية وحملة بطاقات الجسور الخضراء والزرقاء (أبناء قطاع غزة) والأردنيين من حملة التصاريح الإسرائيلية (لم الشمل) وجوازات السفر الأردنية الدائمة بأرقام وطنية ويحملون بطاقات إحصاءات جسور صفراء.
تسييس المساعدات
في المقابل لم تفوت إسرائيل الفرصة لاستغلال هذه الحوادث، فعقب حادثة إطلاق النار الأخيرة، بادرت حكومة بنيامين نتنياهو إلى وقف دخول المساعدات عبر الجسر، بل أغلقت المعبر في الاتجاهين، في خطوة أوضح ما تكون أنها عقابية للأردن ولأهل غزة على حد سواء.
وسارعت إسرائيل إلى تحميل الأردن المسؤولية الكاملة، في خطاب وصف بأنه تمهيد لخطوات عدائية مستقبلية ضد المملكة، كما أعلنت تل أبيب نيتها فرض إجراءات تفتيش "دقيقة" ومعقدة على كل شاحنة، في حال السماح بمرورها لاحقاً، وهو ما يظهر كيف تحولت قضية إنسانية بحتة إلى أداة ابتزاز سياسي بيد الاحتلال.
وثمة خشية لدى مراقبين من عواقب اقتصادية بعد إعلان نتنياهو إغلاق المعبر إلى أجل غير مسمى، إذ تفيد تقارير وزارة الاقتصاد الفلسطينية بأن التجارة السنوية بين فلسطين والأردن تبلغ في المتوسط نحو 380 مليون دولار، حيث تمر غالبية هذه التجارة عبر هذا المعبر.
أخطار أمنية وسياسية
ويعتقد مراقبون أن تكرار مثل هذه الحوادث يضع الأردن أمام معادلة شديدة الحساسية، فمن الناحية الأمنية، استمرار هذا النمط قد يشجع آخرين على تكرار التجربة، مما قد يجر الأردن إلى صدام مفتوح مع الحكومة الإسرائيلية التي لا تخفي عداءها للمملكة.
أما من الناحية الإنسانية، فإن تعطيل قوافل الغوث يعني عملياً مضاعفة مأساة أكثر من مليوني إنسان في غزة، يعانون الجوع ونقص الدواء وانعدام الأمان، ومن الواضح أن إسرائيل توظف هذه الورقة لإجبار سكان غزة على النزوح جنوباً، وتجفيف مصادر صمودهم في الشمال والوسط، حيث الحصار الأشد والعدوان الأفظع.
وسبق أن شهد المعبر حوادث أمنية قليلة نسبياً منذ عام 2014، عندما أطلق حراس أمن إسرائيليون النار على قاض أردني زعموا أنه هاجمهم، وفي 2010، استهدفت سيارة السفير الإسرائيلي لدى عمان وطاقمه الدبلوماسي في منطقة العدسية القريبة من جسر الملك حسين بعبوة ناسفة، وعام 1990 اقتحم المواطن الأردني سلطان العجلوني موقعاً إسرائيلياً بعدما اجتاز الحدود الأردنية وأطلق النار، مما أدى إلى مقتل جندي إسرائيلي.
ووفقاً للباحث مصطفى أحمد فإن الحادثة الأخير تهدد بإشعال سلسلة من الأحداث التي قد تؤدي إلى زعزعة استقرار هذا الوضع بصورة أساسية، مع عواقب كارثية على المنطقة بأكملها، كتنامي شبكات المقاومة في الأردن أو محاولة إيران اللعب على أوتار الحادثة، إذ سبق لها أن لعبت دوراً فعالاً في توريد الأسلحة إلى "حماس" و"حزب الله"، كما سعت إيران أخيراً إلى تهريب الأسلحة للضفة الغربية، باستخدام الأردن كطريق عبور، مما يثير أيضاً المخاوف في شأن بقاء بعض الأسلحة في الأردن، وتمكين الفوضى هناك.
هل من بدائل؟
أمام هذه التحديات، يطرح مراقبون ضرورة إعادة النظر في آلية إيصال المساعدات عبر جسر الملك حسين الذي أصبح هدفاً للتجاذبات الأمنية والسياسية، إذ يطرح المحلل السياسي فهد الخيطان خيار العودة إلى المسار المصري عبر معبر رفح، وبخاصة أن غالبية سكان غزة نزحوا إلى الجنوب القريب من مصر.
ويعتقد الخيطان أن هذا المسار يجنب الأردن ضغوطاً إضافية، مع الإبقاء على الدور الجوي والإنساني، ويدعو إلى تعزيز جهود الأمم المتحدة والصليب الأحمر ومنظمات الإغاثة الدولية، لتتولى هي عملية الإشراف المباشر على دخول المساعدات، بما يقلل من احتمالية توظيفها سياسياً، فضلاً عن تشديد السلطات الأردنية آليات الرقابة والضبط، بما يحمي قوافل الغوث من أي استغلال فردي.
يضيف الخيطان "حاجة غزة إلى المساعدات ستمتد لأعوام، وحرب الإبادة الوحشية مستمرة، والبعض يعبر عن غضبه لهذا الإجرام بسلوك فردي كما فعل السائق الأردني قبل أيام وعلى نحو يضر بغزة في الحصول على مساعدات تسعفها في وجه القتل والتجويع والتهجير الإسرائيلي".
ويعتقد المحلل السياسي أن حكومة نتنياهو استغلت الحادثة الأخيرة، كما فعلت مع الحادثة الأولى، وأوقفت دخول المساعدات، وأغلقت الجسر في الاتجاهين، في خطوة مقصودة ولذلك ثمة أخطار مترتبة على استمرار مسار نقل المساعدات بهذه الطريقة، على أكثر من مستوى، ومع وجود احتمال تكرار الحادثة في الفترات القادمة، فإن ذلك سيضع الأردن في موقف محرج مع الجانب الآخر، ناهيك بتحفيز آخرين على تنفيذ مثل هذه العمليات التي تلقى تأييداً في الشارع الأردني، وليس مستبعداً أن تحاول بعض الأطراف التي تسعى إلى جر الأردن لحال الفوضى والصدام، إلى تجنيد شبان من السائقين لتنفيذ عمليات مشابهة، بما يضع الأردن في مواجهة مفتوحة، مع حكومة متطرفة في إسرائيل لا تخفي نياتها تجاه المملكة، ولا غضبها من مواقفها حيال عدوانها على غزة ودول عربية أخرى.
انقسام داخلي
وأعادت حادثة إطلاق النار التي نفذها سائق شاحنة أردني على جنود إسرائيليين عند جسر الملك حسين النقاش الداخلي في الأردن إلى الواجهة، ففي وقت يرى فيه جزء من الشارع الأردني أن ما جرى يعكس غضباً شعبياً مشروعاً، اعتبر سياسيون وإعلاميون أن هذه الحوادث الفردية تضر بالمصالح الوطنية وتعرض الدور الأردني الإنساني للخطر.
وخلال الأيام الماضية حدث انقسام داخلي في الأردن بين مؤيد ومعترض على قاعدة أنها أضرت بالأمن الوطني والدور الإغاثي الأردني، فضلاً عن أنها قد تعطي إسرائيل ذريعة للاعتداء على المملكة، ففي المشهد الأردني ظهر تيار إعلامي وسياسي واضح انتقد الهجوم الأخير ويرى أنه منح إسرائيل ذريعة لتشديد الإجراءات على الجسر أو حتى إغلاقه، مما يعرقل وصول المساعدات ويحرج الأردن أمام المجتمع الدولي، ويرى آخرون أن الهجوم الأخير يضرب الدور الإنساني الأردني ويفتح الباب أمام اتهامات إسرائيلية للأردن بالتقصير الأمني، وربما استغلالها كورقة للضغط السياسي لاحقاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، هناك تيار شعبي وجد في الحادثة نوعاً من "التعبير الغاضب" عن تراكمات الشارع الأردني تجاه الحرب في غزة، وهو ما يفسر حجم التفاعل المؤيد على منصات التواصل.
وهنا يؤكد الكاتب والمحلل السياسي حسين الرواشدة أن دعوات الانتظام الفوري أو التحالفات العاطفية التي تترجم إلى مواقف قد تجر الدولة للحرب، خاطئة وخطرة، لأن الكلفة على الأردن ستكون محلية بالدرجة الأولى ولن يجد داعماً عملياً كافياً في ساحة القرار الدولي.
ويدعو الكاتب إلى اعتماد مبدأ "الاعتماد على الذات" أولاً عبر حماية الدولة ومؤسساتها، وتعزيز القدرة الدفاعية واللوجيستية والسياسية قبل الدخول في حسابات تصعيدية، كما يحذر الرواشدة من أن أي دفع أو تسويق للحرب كخيار قد يسهل تنفيذ مشاريع تلحق ضرراً بالأردن.
جرس إنذار ثان
يمثل معبر جسر الملك حسين، المعروف أيضاً بجسر "اللنبي" في الجانب الإسرائيلي ومعبر الكرامة في الجانب الفلسطيني، أهمية كبيرة واستراتيجية لكل من الفلسطينيين والأردنيين على حد سواء لأسباب تاريخية واقتصادية وسياسية، إذ كان ولا يزال يمثل رمزاً للارتباط الديموغرافي بين الشعبين الأردني والفلسطيني.
لكن المحلل السياسي حسن البراري يرى أن حادثة إطلاق النار التي نفذها سائق شاحنة مساعدات على جسر الملك حسين، هي بمثابة جرس إنذار ثان، بعد عملية مماثلة، قبل عام تقريباً، مضمونه أن رحلة الشاحنات المضنية إلى غزة، تحمل في طياتها أيضاً أخطاراً أمنية كبيرة، تستدعي مراجعة لهذا الخيار في نقل المساعدات للأشقاء في غزة.
ويضيف المتحدث أن حكومة نتنياهو ستسعى إلى استثمار الهجوم على المعبر في اتجاهين خطرين، الأول وقف تدفق المساعدات الإنسانية التي تمر عبر الأردن تجاه غزة، ورفض أي عمليات إنزال جوي مستقبلية، والثاني استخدام الحادثة لتبرير خطوات سياسية وأمنية خطرة، مثل ضم غور الأردن رسمياً، أو توسيع مهام فرقة "جلعاد" بذريعة ضمان الأمن.
ويعلق البراري على انقسام الداخل الأردني في تفسيره للحدث بالقول إن ثمة فريقاً يرى أن العملية مبررة تماماً، وفريقاً آخر يتحفظ عليها، معتبراً أن منح إسرائيل المبررات قد يجر الأردن إلى مواجهة لا يريدها الآن في ظل كلفة قد تكون باهظة وربما فوق طاقته.
ويعتقد أن ثمة من سيلقي باللوم على مثل هذه العمليات إذا ما قررت إسرائيل عدم السماح للشاحنات، التي تقدر بمئات الشاحنات أسبوعياً، بالمرور إلى قطاع غزة.