ملخص
اعتبر عديد من المتابعين للشأن العام في تونس أن المعارضين في تونس وبخاصة الإسلاميين يقدمون خطاباً مزدوجاً، خصوصاً حين يصدر عن شخصيات كانت يوماً في موقع القرار. في هذا السياق يبرز موقف الرئيس الموقت والأسبق منصف المرزوقي الذي أدان العملية.
أثار تسليم السياسي وعضو البرلمان السابق سيف الدين مخلوف إلى تونس من قبل السلطات الجزائرية عاصفة من الجدل، وانقسمت الآراء حول هذه الخطوة بين من يراها إجراء قانونياً لتنفيذ أحكام قضائية ضمن اتفاقية أمنية، ومن يعتبرها سابقة حقوقية خطرة تتجاوز القانون الدولي.
وأذنت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية في تونس بالاحتفاظ بالنائب السابق في البرلمان المُنحل سيف الدين مخلوف، المُفتَّش عنه من أجل أحكام صادرة في حقه عن المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف، وذلك بعد هروبه إلى الأراضي الجزائرية.
وكانت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية في تونس، قضت شهر يناير (كانون الثاني) الجاري بالحكم غيابياً على النائب السابق بخمس سنوات سجناً مع النفاذ العاجل.
تعزيز التعاون
يرى المحلل السياسي خليل الرقيق، أن "عملية تسليم سيف الدين مخلوف جاءت في إطار ترجمة الاتفاقية الأمنية بين تونس والجزائر لتسليم المطلوبين قضائياً"، معتبراً أن "مخلوف كان سياسياً سابقاً إلا أنه بعد تحرر القضاء في 25 يوليو (تموز) 2021 تم تتبعه قضائياً من أجل قضية مدنية لا تمت بأية صلة لمواقفه السياسية، فالمطلوب للقضاء ليس لديه صفة لاجئ سياسي في الجزائر على عكس ما يتم ترويجه".
في خطوة من أجل تعزيز التعاون القضائي والأمني بين الجزائر وتونس، صادق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025 على اتفاقية تسليم المطلوبين، التي تم توقيعها بين البلدين في ديسمبر (كانون الأول) 2021. وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز التنسيق بين الجزائر وتونس في مكافحة الجريمة والتهريب، وتسهل عملية تسليم المجرمين المدانين.
وتلتزم الاتفاقية بتسليم الأشخاص المحكوم عليهم من قبل سلطات البلدين وفقاً للقواعد المحددة. وأهمها أن يشمل التسليم المجرمين المدانين بجرائم يعاقب عليها القانون في البلدين، شريطة أن لا تقل العقوبة المحكوم عن سنة واحدة، ولا تقل مدة العقوبة المتبقية عن ستة أشهر. ويمكن رفض التسليم إذا كانت المحاكمة قد جرت على أساس التمييز العرقي أو الديني أو الجنسي، أو في حال تعارض الطلب مع اعتبارات إنسانية، حسب نص الاتفاقية.
وتعزز الاتفاقية التعاون القضائي بين البلدين وتسهل تبادل المعلومات وتنسيق الجهود لمكافحة الجريمة، وهو ما يعتبر أساسياً في مواجهة التحديات الأمنية مثل الإرهاب والتهريب. كما تتضمن حماية حقوق الأفراد، إذ توفر استثناءات لرفض التسليم في حال وجود خطر على حقوق الإنسان. كذلك تعكس تعزيز العلاقات بين الجزائر وتونس، مما يسهم في تحسين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
إخلال جسيم
لكن عديداً من الأطراف ومنها المعارضة، نددت بتسليم سيف الدين مخلوف رئيس الكتلة النيابية السابقة لائتلاف الكرامة التابع لحركة النهضة الإسلامية. وفي هذا الصدد جدّد مرصد "الحرية لتونس"، الإثنين الـ19 من يناير 2026، إدانته "الشديدة لقرار تسليم السياسي التونسي سيف الدين مخلوف إلى سلطات قيس سعيد"، معتبراً أن "ما حدث يمثّل تطوراً بالغ الخطورة، بخاصة في ظل استمرار النظر في ملف طلب اللجوء، ووجود أحكام قضائية صادرة في تونس تُدرج ضمن مسار تتبعات ذات طابع سياسي بحت".
وأكد المرصد أن "السلطات الجزائرية أقدمت على هذا القرار على رغم علمها بوضع سيف الدين مخلوف كطالب حماية دولية، فضلاً عن المراسلات والتنبيهات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وما يفرضه ذلك من التزامات قانونية دولية واضحة"، معتبراً أن "الخطوة تمثّل إخلالاً جسيما بمسؤوليات الدولة الجزائرية في حماية طالبي اللجوء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشدّد المرصد على أن هذا الإجراء يُعد خرقاً خطراً لمبدأ عدم التسليم القسري، محذّراً من "تداعياته على منظومة حماية طالبي اللجوء في المنطقة المغاربية، وعلى التقاليد القانونية الراسخة في العلاقات التونسية- الجزائرية، في ظل تحوّل القضاء في تونس إلى أداة بيد قيس سعيد لتصفية الخصوم السياسيين".
وأضاف المرصد أن تسليم رئيس المكتب السياسي لحزب ائتلاف الكرامة، في ظل أحكام قضائية وصفتها آليات دولية وبرلمانية وحقوقية بأنها تفتقر لأدنى شروط المحاكمة العادلة، يثير شبهة تنسيق سياسي–قضائي بين نظام قيس سعيد والسلطات الجزائرية، ويتجاوز كل الاعتبارات القانونية، بما يقوّض الثقة في منظومة التعاون القضائي بين الدول.
وطالب مرصد "الحرية لتونس" بالإفراج الفوري عن سيف الدين مخلوف، وضمان حقه الكامل في الحماية الدولية، ووقف الملاحقات القضائية ذات الخلفية السياسية، داعياً إلى احترام التزامات الدول المغاربية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعدم الزج بالمعارضين السياسيين في معارك قضائية عابرة للحدود تخدم أجندات استبدادية، على حد وصفه.
توظيف حق اللجوء
من جهتها تابعت جبهة الخلاص الوطني التي تضم عديداً من الحزاب بينها حركة النهضة "ببالغ الاستياء قيام السلطات الجزائرية بتسليم سيف الدين مخلوف للسلطات التونسية في مشهد يخرق التعهّدات الدولية والإقليمية لبلد طلب اللجوء، ويتعارض مع تقليد عريق يمنع تسليم اللاجئين السياسيين لكلا البلدين، وآخرهم الصحفية الجزائرية أميرة بوراوي التي امتنعت السلطات التونسية عن إعادتها إلى الجزائر".
وعبرت الجبهة عن استغرابها الشديد مما تعرّض له النائب السابق من مغالطة وخداع، إذ تم إيهامه بقرب تسوية وضعيته الإدارية ليفاجأ بتسليمه لسلطات لا تعترف بقرينة البراءة، وترى في القضاة موظفين ينفذون ما تقضي به "محكمة التاريخ".
من جانب حقوقي، أدان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تسليم السلطات الجزائرية السياسي التونسي سيف الدين مخلوف إلى تونس، معتبراً أن الخطوة تمثل انتهاكاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وتقويضاً لمنظومة حماية اللاجئين، بخاصة في ظل تقدمه بطلب لجوء لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة.
وحمّل المنتدى السلطات الجزائرية المسؤولية القانونية والأخلاقية عن قرار التسليم، محذراً من خطورة توظيف حق اللجوء في صفقات سياسية، وداعياً إلى احترام الالتزامات الدولية وضمان عدم تعرّض الأفراد للملاحقة السياسية أو المحاكمات غير العادلة.
ازدواجية الخطاب
من جهة أخرى، اعتبر عديد من المتابعين للشأن العام في تونس أن المعارضين في تونس وبخاصة الإسلاميين يقدمون خطاباً مزدوجاً، خصوصاً حين يصدر عن شخصيات كانت يوماً في موقع القرار. في هذا السياق يبرز موقف الرئيس الموقت والأسبق منصف المرزوقي الذي أدان العملية، فحين كان في الحكم عام 2012 أذن بتسليم البغدادي المحمودي، رئيس الحكومة الليبية الأسبق في عهد القذافي، واعتبر البعض آنذاك أنها حادثة خرقت التقاليد الدبلوماسية التي استقرّت عليها الدولة التونسية منذ الاستقلال.
المرزوقي وصف عملية تسليم النائب التونسي السابق بأنها "وصمة عار في جبين السلطات الجزائرية"، وتتعارض مع ما قال إنها "تقاليد العرب والمسلمين التي تمنع تسليم من يستجير بالحماية، ولو كان ألدّ الأعداء"، مضيفاً أن هذه القيم "فوق طاقة فهمهم".
ورداً على تصريحات المنصف المرزوقي الأخيرة، أعادت النائبة في البرلمان فاطمة المسدّي، قضية البغدادي المحمودي إلى الواجهة، ووجهت سؤالاً كتابياً لوزيرة العدل حول ملابسات تسليمه إلى السلطات الليبية عام 2012، والمسؤوليات السياسية والقضائية المترتبة عنها.
وأوضحت المسدي أن العملية تمت ضمن سياق سياسي استثنائي، في ظل حكومة تقودها حركة النهضة برئاسة حمادي الجبالي، وتحت إشراف وزارات السيادة (العدل والداخلية) التي كانت خاضعة لإدارة الحركة الإسلامية، وفي ظروف أثارت جدلاً وطنياً ودولياً واسعاً، وفق قولها.
وتساءلت النائبة عن الإطار القانوني الذي تم على أساسه تسليم المحمودي إلى السلطات الليبية، وهل تم احترام مقتضيات مجلة الإجراءات الجزائية والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل تونس، وبخاصة اتفاقية مناهضة التعذيب؟