Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أي تعليم تبقى في غزة مع عودة أبنائها إلى المدارس؟

رسائل الـ"واتساب" ومقاهي الإنترنت والملاحظات الصوتية باتت تسد الفجوة أمام الطلاب المحرومين من أماكن التعليم

أحمد كمال جنينة يقف أمام أنقاض مكتبه في جامعة الأقصى (اندبندنت عربية)

ملخص

تعيش غزة مأساة تعليمية غير مسبوقة مع تدمير المدارس والجامعات ومقتل آلاف الطلاب، فيما يُحرم أكثر من 650 ألف تلميذ من أبسط حقوق التعلم. الحرب حولت العودة إلى المدارس إلى ذكرى بعيدة، ولم يعد مستقبل جيل كامل مضموناً من دون وقف فوري لإطلاق النار وإعادة بناء قطاع التعليم.

خلال الشهر الماضي، كان من المفترض أن أرحب بالطلاب في جامعة الأقصى في غزة. لكن عوضاً عن ذلك، أجد نفسي أدرّس عبر الإنترنت من داخل مقهى مزدحم بالرواد، أتواصل متى ما توافر الاتصال بالإنترنت - أحياناً خلال لحظات وجيزة من الهدوء لا يكسرها سوى أزيز المولد الكهربائي ونقر لوحات المفاتيح، وأحياناً وسط فوضى مفاجئة: إخلاء سريع بعد تحذيرات، أو مواجهة انقطاعات متقطعة للتيار الكهربائي، أو التدريس فيما الطائرات المسيّرة تحلق فوق رؤوسنا وأصوات صافرات سيارات الإسعاف في البعيد.

لقد دُمّر حرم الجامعة واستحالت مكتبتها ركاماً وغرفها الصفية أنقاضاً. لا تنفك تصلني أنباء عن مقتل أو إصابة أحبة. حتى الساعة، قُتل 41 فرداً من أفراد عائلتي الكبيرة. لكن مسيرة الحياة والعمل لا تتوقف حتى في ظل الاجتياح البري الإسرائيلي لمدينة غزة.

منذ أيام قليلة، تبدد عالمي فجأة عندما تعرض محمد ابن أحد إخوتي البالغ من العمر 17 سنة لإصابة في عنقه من مسيّرة كوادكوبتر. وصلني الخبر قبل دقائق من بدء اجتماع لأحد المشاريع وعشية موعد إلقائي كلمة محورية في منتدى التعليم والتنمية في أكسفورد. ارتعشت يداي وبدا لي أن الغرفة تختفي من حولي. 

قضيت تلك الليلة في المستشفى أراقب ابن أخ آخر اسمه تامر ويعمل ممرضاً، يبذل جهوداً محمومة مع الفريق الطبي لإنقاذ حياة ابن عمه. كان المشهد مؤثراً بشدة: شابان تربطهما روابط العائلة والدم، أحدهما يصارع للبقاء على قيد الحياة والثاني يصارع لإبقائه حياً. كانت لحظة وحدة وسط الخراب.

بعد مرور ساعات، ألقيت كلمتي افتراضياً، محافظاً على ثبات صوتي مع أن أفكاري لم تفارق محمد. والآن، فيما أكتب هذه السطور، ما زال محمد يقبع في العناية المركزة لمستشفى ميداني متنقل في مدينة غزة، يصارع للبقاء بينما كان يفترض أن يجلس في صف دراسي يتعلم وينمو ويحلم بالمستقبل. يثقلني هاجس ما قد يحدث مع كل ساعة تمضي.

ومع ذلك، فإن التعليم في غزة مستمر على رغم المآسي التي تفوق كل وصف. حتى وسط الحزن والخوف، لا ينطفئ شغف التعلّم. غير أن الكلفة اليومية مؤلمة إلى حد يفطر القلب.

يتواصل الطلاب معي كلما نجحوا في الاتصال بالإنترنت ولو لفترة وجيزة. تصلني رسائل عبر "الواتساب" وتسجيلات صوتية على عجل وصور لواجبات مكتوبة باليد التُقطت في لحظات اتصال عابرة بالشبكة. هذا ما آلت إليه بداية العام الدراسي في غزة: تعليم مشظى، تُجمع أوصاله المقطّعة بين انقطاع وآخر للتيار الكهربائي أو تحت وابل من الرصاص العشوائي المتساقط من السماء.

صورة تناقض تماماً ما كان يعنيه شهر سبتمبر (أيلول) في غزة قديماً. في طفولتي، كان موسم العودة إلى المدارس طقساً مليئاً بالحماسة والتوق. قبل أسابيع من أول يوم دراسي، اعتاد والدي أن يصطحبني إلى سوق الزاوية، وهو أقدم أسواق غزة، للتبضع وشراء مستلزمات المدرسة: أقلام رصاص ودفاتر وممحاة معطرة برائحة الحلوى وحقيبة مدرسية جديدة. وبعد العودة إلى المنزل، ننهمك، إخوتي وأنا، بتغليف دفاترنا الجديدة بعناية.

 

في أول يوم دراسي، كانت أمي تستيقظ قبل الفجر لتحضر لنا طعاماً نأخذه معنا إلى المدرسة - سندويشات فلافل تصنعها بيديها - فيما نراقبها ونحن نرتشف الشاي المحلّى. وفي مساء ذلك اليوم، كنا نروي لوالدينا ما اكتسبناه من قصص وأفكار ومعلومات جديدة، وهما ينصتان بابتسامة يغلبها الذهول. بعدها تُفتح الحقائب، وتُمد الجداول، ويبدأ حل الواجبات.

وعلى رغم ما حملته هذه الطقوس من بهجة، فقد كانت تجري دوماً على وقع انقطاع الكهرباء، وشح الموارد، واكتظاظ الصفوف. وكانت بمثابة تذكير دائم بأن ارتباط الفلسطينيين بالتعليم ظل ملازماً لواقع العيش تحت الاحتلال، مقروناً بإصرار لا يلين على مواصلة الطريق.

أما اليوم، ومع بلوغ واقع الحياة في غزة حدوداً تعجز العقول عن استيعابها، لم تعد تلك الطقوس سوى ذكرى بعيدة. وبوصفي أباً لثلاثة أطفال كان يفترض أن يعودوا إلى مدارسهم في سبتمبر، أثقلني عبء لا يُطاق مما فُقد بالفعل، وما يعنيه ذلك لمستقبلهم. كان من المفترض أن ينهضوا باكراً كما كنت أفعل، تغمرهم رهبة البدايات وحماستها، يرتدون زيهم المدرسي النظيف، يغلقون حقائبهم الجديدة، وينطلقون مسرعين إلى ساحة المدرسة للقاء الأصدقاء. لكن بدلاً من ذلك، ها هم يلازمون البيت بقلق، بلا كتب يتصفحونها، ولا جداول يتّبعونها، ولا صفوف يدخلون إليها.

 

لكنني لا أخشى على أطفالي وحدهم، بل على جيل بأكمله. أكثر من 650 ألف تلميذ في غزة حُرموا من التعليم للعام الثالث على التوالي، بعدما تضررت 97 في المئة من المدارس، وتعرضت 432 منها لضربات مباشرة، فيما تحول كثير منها إلى ملاجئ مكتظة بالنازحين. ولم تسلم الجامعات هي الأخرى من التدمير، جزئياً أو كلياً، ما حرم عشرات الآلاف من الطلبة من مواصلة التعليم العالي الذي كافحوا طويلاً للوصول إليه. مستقبلهم اليوم معلق، تماماً كسوق الزاوية الذي كان يعج يوماً بألوان العودة إلى المدارس وضجيجها، قبل أن يتحول إلى كومة أنقاض صامتة.

ولا يقف الخراب عند حدود الصفوف. كثير من الطلاب لن يعودوا أبداً إلى مدارسهم، ولن يسيروا ثانية في الأروقة المألوفة التي طبعت أيامهم ذات مرة. منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، قُتل أكثر من 18 ألف طالب في غزة - معظمهم من تلامذة المرحلتين الابتدائية والثانوية. رقم هائل يكفي تقريباً لملء صالة O2 في لندن، أو ماديسون سكوير غاردن في نيويورك، أو قاعة أكور في باريس.

في مثل هذا الوقت من العام، كان عملي كرئيس قسم جامعي يقتضي متابعة أفواج خريجي الثانوية العامة– التوجيهي– وهم يدخلون حياتهم الجامعية مفعمين بالأمل. لكن تلك الامتحانات أُلغيت للسنة الثالثة على التوالي، ليُحرم نحو 39 ألف طالب من فرصة التقدم إليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبات طلاب غزة يتأخرون أكثر فأكثر عن أقرانهم في بقية فلسطين وفي العالم، ما يفاقم فجوة عدم المساواة في فرص التعليم ونتائجه. وبدلاً من الجلوس في الصفوف، يصطفون اليوم أمام المطابخ المجتمعية، أو يبحثون عن الحطب للطهي، أو يبيعون القليل مما يملكون للبقاء على قيد الحياة. وكثيرون منهم قضوا وهم يؤدون هذه المهام.

هذه الظروف تضع المجتمع الدولي أمام سؤال ملحّ: أي عالم ذاك الذي يسمح لجيل كامل أن يكبر محروماً من أبسط طقوس التعلم، ومن شعائر تشكل الطفولة، ومن حق الوصول إلى المدرسة، ذلك الفضاء الذي يصوغ هوية كل واحد منا؟

الوقت ينفد أمام شباب غزة. يجب فرض وقف فوري لإطلاق النار، فهو الأساس الضروري لاستعادة التعليم والكرامة لجيل يواجه خطر الضياع. وعلى المجتمع الدولي، والمربين، وصنّاع القرار أن يغتنموا هذه اللحظة للتحرك: وفّروا الموارد التعليمية العاجلة وادعموا التعليم عن بُعد واضمنوا الوصول الآمن للتعليم لكل طالب في غزة.

وحده وقف إطلاق النار يتيح دخول المساعدات الإنسانية بحرية وحصول المبادرات التعليمية على الدعم العاجل الذي تحتاجه وبدء المهمة الشاقة لإعادة بناء قطاع التعليم في غزة، بما يعيد إلى الأطفال والشباب مستقبلاً سلبته الحرب.

أحمد كمال جنينة أستاذ مساعد في اللغويات التطبيقية ورئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى بغزة، وزميل في مركز البحوث المقارنة والدولية في التعليم بجامعة بريستول.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء