ملخص
الكاتب الإيطالي إيتلو كالفينو هو ذلك المثقف الكبير الذي عرف بمعرفته الموسوعية التي حرص دائماً على أن ينهل منها في نصوصه التي اشتهرت بالقصر والاختصار، حتى لُقِّب في بعض الأحيان بكاتب التقشف.
هو صاحب "المدن غير المرئية" و"البارون المعلق"، وغيرهما من أعمال أدبية حققت نجاحات كبيرة في أصولها الإيطالية، كما في ترجمتها إلى عديد من لغات العالم، وهو الذي أعاد في زمنه للأدب التخييلي الإيطالي نكهة كان فقدها قبله بسنوات تحت وطأة الأدب المؤدلج و"الرسائل" القوية التي تستخدم بعض أجمل الأساليب لإرسالها. ومن نتحدث عنه هنا هو بالتأكيد إيتالو كالفينو (1923 - 1985) الهادئ الوديع ذو الخيال الخصب والأساليب الكتابية التي لا تُضاهى.
وهو إلى ذلك المثقف الكبير الذي عرف بمعرفته الموسوعية التي حرص دائماً على أن ينهل منها في نصوصه التي اشتهرت بالقصر والاختصار، حتى لُقِّب في بعض الأحيان بكاتب التقشف. غير أن تقشفه، كما يبدو، لم يطاول سوى إنتاجاته الإبداعية، أو هذا ما تم اكتشافه بعد سنوات من رحيله.
فبعد نحو عقدين من ذلك الرحيل، أي تحديداً في عام 2003 وبعد فترة طويلة لم يخبُ فيها وهج إيتالو كالفينو وأدبه، بل اتسعت حلقة قرائه عاماً بعد عاماً خلالها ووصلت مقروئيته حتى إلى المدارس الثانوية، ليس في بلده إيطاليا وحدها، بل كذلك في فرنسا المجاورة، والتي دائماً ما أعربت عن تقديرها لأدبه مسرعة إلى ترجمة كل ما يصدر له من فورها، بدأ كما يبدو زمن الاهتمام بكتابات أخرى له، هي كتاباته النقدية والبحثية التي بدت مختلفة إلى حد كبير عن رواياته وقصصه القصيرة. وكانت المفاجأة الأولى بعدما جرى تجميع وضبط وتبويب العدد الأكبر من تلك الكتابات، إنها لا تشبه كتاباته الإبداعية، ولا سيما في الطول الذي تستغرقه النصوص.
ومن هنا لم يبدُ غريباً أن ما تم العثور عليه خلال مرحلة أولى، وحين صدر في جزأين متتاليين في الفرنسية بعد فترة قصيرة من صدور الجزأين في الأصل الإيطالي، شغل ما يزيد على ألفي صفحة بالأحرف الصغيرة. ولقد كان لافتاً العنوان الذي أُعطي للجزأين معاً: "في تحدي المتاهات"، وهو عنوان لا شك أنه يتلاءم كل التلاؤم مع جوهر أدب إيتالو كالفينو.
في سياق القضية الاجتماعية
الحقيقة، إن ما يلفت النظر قبل أي شيء آخر في كتابات هذين المجلدين، هو أن كالفينو قد انطلق يغوص في كتابة حلقاتهما حتى من قبل ما يخوض الكتابة الإبداعية إنما من دون أن يبدو عليه أن غايته كانت أن يضحى ناقداً أو باحثاً، بل بدا الأمر، وانطلاقاً تحديداً من أساليبه الكتابية نفسها، وكأنه يحاول أن يتمرن على ما ستكون عليه كتابته المقبلة.
كيف إذاً تتوزع تلك النصوص التي على رغم أن المجلدين الصادرين يكتفيان بألفي صفحة، فإن ما جُمع يزيد على ثلاثة آلاف من تلك الصفحات؟ هي في الأساس كتابات أدبية يغلب عليها الطابع النقدي، ونصوص فلسفية وكتابات في أدب الرحلات، وبخاصة نصوص مطولة حول الحكايات والخرافات، وتعليقات سريعة بعض الشيء على ما كان يصدر من كتب بعيد الحرب العالمية الثانية، ومعظمها يبدو أنه كان يثير حماسة كالفينو وينشرها في صحف رائجة. ولئن كان علينا أن نلاحظ أن معظم تلك النصوص كانت ظلت حبيسة المطبوعات التي نشرت فيها أول الأمر ولم يقدم كالفينو على جمعها أو حتى على محاولة ذلك، فإن عديداً منها قد ظهر خلال حياته، ولكن ليس بعنايته، بل بمبادرات فردية من عدد من كاتبي سيرته، ليبقى العدد الأكبر لينشر في كتب متفرقة بعد رحيله.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من تلك النصوص بدا وكأنه يمهد حتى للنصوص الإبداعية التي سينجزها الكاتب لاحقاً، إذ إنها كشفت، كما الحال في تلك النصوص، عن اتجاه اهتمامات الكاتب المعرفية والجغرافية والتاريخية، ولكن أيضاً حسن اطلاعه على ما كان يدور حوله، في إيطاليا، ولكن بخاصة في فرنسا أيضاً، من سجالات ونقاشات متنوعة تشمل أعداداً لا تُحصى من المسائل السياسية والفلسفية وتلك المتعلقة بالفورات الأدبية والمعرفية.
كما لا بد من الإشارة إلى أن الجزأين الصادرين قد وُضعا في الإيطالية تحت إشراف ماريو فوسكو الذي عرف باهتمامه بأدب كالفينو وسيرة حياته، بالتالي كان من الطبيعي أن يقدم للمجلدين بقوله إن ما يميز هذه القطع من الأدب الرفيع "نوع من تواصل في المسيرة التأملية في اللعبة الكتابية تجعل من هذه النصوص جزءاً لا يتجزأ من تراث كالفينو الإبداعي ككل"، وبخاصة في عدد كبير من نصوص بدت له متجانسة من ناحية أنها تكشف توجه كالفينو في تلك الكتابات، ناحية جعل النصوص البحثية والنقدية تنضوي حقاً "ضمن سياق محاولة الكاتب صياغة جماليات كتابية تكون على علاقة مباشرة بالمجتمع الراهن والتطورات التي تطاوله في شتى المجالات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مسارات للالفية الثالثة
ولئن كانت تلك قد بدت لفوسكو على شكل ملاحظات لا بد من أخذها في الحسبان قبل أي أمر آخر، وقد تبدو مفاجئة على أية حال بالنسبة إلى الكثر من المعتادين على قراءة أدب كالفينو الإبداعي من خارج هذا الإطار الاجتماعي، فإن الباحث يثني على تلك المفاجأة الأولى بثانية يسير فيها على نفس الخط الذي ينساق في لعبة توازن عقلاني واضح، إذ نراه يفيدنا بأن كالفينو وفي سياق دُنوِّه الذي يهيمن عليه، نوع من التوازي بين التشاؤم الذي غلب دائماً على مساراته، والحاجة التي ما لم يكف عن استشعارها لنوع من يوتوبيا صحية، إنما كان يحاول أن يوسع منطقه ليصل إلى ما هو خارج الدائرة المحصورة للعبة الأدبية، و"في هذا السياق، يؤكد فوسكو، نجد جذور سلسلة المقالات التي حملها كالفينو عنواناً واحداً هو "دروس أميركية"، حيث يقترح علينا ما يمكن اعتباره مسارات لا بد من اتباعها للتعايش مع الألفية الثالثة"، وهي بحسب ما يقول لنا: "الخفة والسرعة والصوابية والشفافية والتعددية".
ولعل من الأمور التي يذكرنا فوسكو بها، ويبدو محقاً إلى حد كبير في ذلك، هو أن كالفينو وخلال السنوات الـ30 الأخيرة من حياته، كان غالباً ما يشغل مركز الصدارة في العدد الأكبر من السجالات الأدبية والفكرية في إيطاليا، وذلك غالباً عبر دُنوِّه الحاد أحياناً من أمور وتيمات كانت تثير شغف الحياة الثقافية في هذا البلد، ومنها بصورة خاصة مسائل مثل التزام المثقفين بما يحدث من حولهم، والنقاشات حول البنيوية، والعلاقة الإشكالية مع الثقافات الكلاسيكية، وضرورة التجريبية في عالم الإبداعز، "ومع ذلك يقول فوسكو، لا بد من أن نشير إلى أن كالفينو قد عرف كذلك كيف يدنو من مسائل أقل رواجاً، حيث نراه على سبيل المثال يوجه اهتمامه إلى عالم الخرافات والحكايات الذي كرس له عدداً كبيراً من دراسات تشغل حيزاً كبيراً من الكتاب الذي نحن في صدده".
وهي ملاحظة أخيرة يختمها فوسكو بقوله إن "كالفينو كان من ميزاته الأساسية شفافيته ووضوح لغته وبصيرته النافذة، وكلها مزايا مكنته من أن ينظر بشكل مدهش إلى المجتمع الذي عاش فيه وكتب عنه دون أن يبدو أحياناً أنه قد فعل ذلك".