مدن إيتالو كالفينو اللامرئية تتجسد في لوحات محمد الجنوبي

معرض في القاهرة يعقد حوارا بين السرد الروائي والتشكيل اللوني

لوحة من معرض "مدن لامرئية" (اندبندنت عربية)

يستحضر الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو الأسطورة ومفردات التاريخ في كتاباته، هذه الكتابات التي تتسم عادة بالغموض، وتنطوي على رؤية ذاتية وفلسفية للواقع، وهي رؤية مراوغة أحياناً، لكنها تحتفظ بمذاق خاص، يعززه شغف صاحبها وخياله الخصب. وهو في كتابه "مدن لا مرئية" الذي ترجمه إلى العربية ياسين طه حافظ يأخذنا كالفينو في رحلة أسطورية إلى أماكن خيالاته تلك. "مدن لا مرئية"، هي رواية يلفها الحنين والخيال، رواية تستحضر الماضي وأساطيره لتلقي نظرة على الحاضر وحقائقه.

في "مدن لا مرئية" نشم روائح الشرق وتأثيراته، في وصف الأماكن، وفي أسماء الأشخاص والمدن، والعبارات المسكونة بالألغاز، وفي استحضار أجواء الحكايات القديمة. هو مزيج خيالي، دافىء وحميم، كأنه خارج من "ألف ليلة وليلة".  في هذه الرواية يستمع "قبلاي خان" إمبراطور المغول إلى المغامر والرحالة الشاب "ماركو بولو" وهو يروي له عن أسفاره ورحلاته الكثيرة، عن هذه المدن البعيدة الملونة بالشفق، والمنسوجة بخيوط الخيال، هذه المدن العجيبة التي تمتزج في أرجائها وساحاتها روائح الشرق والغرب معاً، وتتعانق مفردات التاريخ ووقائعه المتخيلة والحقيقية. تمتزج هنا الأسماء التاريخية للمدن بأسماء أخرى متخيلة، وأوصاف وحكايات غرائبية. هي مدن مستحيلة، لا وجود  لها. "هي مدن ظاهرها رموز، مدن خفية لا ترى، والغريب فيها أنها تفتقر إلى الصلابة، إلى المادة في تكوينها، هي مدن أشكال وأصوات وحركات، مدن تشعر بوجودها ولا تراها، مدن تُستحضر في الأذهان، مدن تعج بهمس المقابر والوشوشة".

الفنان المصري محمد الجنوبي يرسم لنا مقابلاً بصرياً لمدن إيتالو كالفينو في معرضه المقام حالياً في قاعة "موشن" في القاهرة تحت عنوان "مدن لا مرئية" وهو العنوان نفسه لرواية الكاتب الإيطالي. في هذه الأعمال يمزج الجنوبي بين خياله ورؤيته الشخصية لمدينته الخيالية كما يراها. مدينة يملأها الحنين، لا بشر فيها، لا شىء غير الطبيعة الحانية، الطبيعة التي تحاول رد اعتبارها أمام عبث البشر وجورهم. لا يحاول الجنوبي هنا تقديم ترجمة حرفية لأجواء الرواية التي أبدعها كالفينو، بقدر ما يسعى لخلق مدينته الخاصة، مشكلاً معالمها باللون والخطوط والمفردات. عناصر الجنوبي المكونة للوحاته هي عناصر غير مختلقة، فهو ينشىء علاقات بصرية بين النباتات والبيوت، ويزاوج بين المألوف من عناصر الطبيعة، لكنه يمعن في الوقت نفسه في إضفاء روح الأسطورة والخيال في صوغه لهذه العلاقات. القاسم المشترك بين ما رواه إيتالو كالفينو عن مدنه غير المرئية، ومدينة الجنوبي- خلافاً للعنوان- هو ذلك الشغف الساكن في التفاصيل، فكما يغزل الكاتب الإيطالي مدنه بالكلمات ويبحث بين العبارات عن المعنى الغامض والمبهم، والمشترك أيضاً في تراث البشرية، يشكل الجنوبي أعماله التصويرية بالعناصر والمفردات التي تحتمل التأويل والقراءة البصرية المتعددة.

مفردات الجنوبي تكتسب أسطوريتها من فرادتها، فالنبات الصاعد إلى أعلى والملتف في مقدمة اللوحة يشي بأشكال لا حدود لها، يمكنك أن تلمح بين تشعباته كائنات تحدق، وطيوراً تحلق، وفراشات تلامس أطراف الفضاء. البيوت هنا محاصرة بالأخضر، والبشر غائبون أو مغيبون، لا فرق، فالمدينة الآن ملك لهذه الكائنات. تبدو البيوت كأشباح أوكأطلال قديمة تدل على وجود صار عدماً. مدينة الجنوبي تحتفظ بالضوء بين تفاصيلها، فحين تبحث عن مصدره داخل المساحة المرسومة ستستقر في النهاية أمام هذه المعالجات اللونية المرهفة للدرجات القاتمة والزاهية معاً، ففي التحامهما ينبثق الضوء ويتلألأ ليغطي كامل المساحة. الأشكال المرسومة هنا تملأ فراغات اللوحة جميعها، لا يترك الجنوبي فراغاً دون أن يشغله بعناصره الكثيرة التي تراوح بين الثبات والحركة، كما تجمع بين الزخارف والتوريقات النباتية والخطوط الحادة. في لوحات الجنوبي تتبادل البيوت ومساحة الأخضر الأدوار، وتجتمع معاً في مصفوفات أفقية أو رأسية، وربما تلتف حول محور واحد، أو يتغول أحدها على الآخر ليشغل كامل المساحة. هي ملامح لمدينة خيالية يلفها السكون والبهجة، تتطهر فيها الطبيعة من أدرانها، وتتعافى من سقمها؛ مدينة يعيش فيها البشر كظلال، أو كأشباح غير مرئية.

المزيد من ثقافة