ملخص
تبدأ كلمات النشيد الوطني السعودي بدعوة صريحة إلى النهوض والاندفاع نحو القمم بعبارة "سارعي للمجد والعلياء"، وكأنها صيحة استنهاض جماعي للمواطنين كي يسابقوا الزمن نحو العمل والإنجاز.
لا يخلو وجدان الشعوب من رموز تختصر معنى الوطن، وتلخص في لحظة واحدة تاريخ أمة، ومن بين هذه الرموز يتقدم النشيد الوطني بوصفه وثيقة موسيقية وشعرية تعلن حضور الدولة بين الأمم وتوحد مواطنيها على وقع كلمة ولحن واحد.
في احتفالات السعودية بيومها الوطني الـ95، تبرز قصة النشيد السعودي بوصفها رحلة ممتدة عبر عقود، بدأت بلحن يتيم بلا كلمات، ثم تحولت مع الزمن إلى هوية راسخة تجسد روح الوطن، وصولاً إلى مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة موسيقاه بلغة عالمية مع التمسك بثوابته الأصيلة.
البداية... اللحن بلا كلمات
في منتصف الأربعينيات كلف الملك السعودي الراحل عبدالعزيز آل سعود وهو مؤسس الدولة السعودية الثالثة، الموسيقار عبدالرحمن الخطيب بوضع أول لحن للسلام الملكي، وفي تلك الحقبة كانت البلاد أرست دعائم الحكم الملكي في جميع أركان الدولة السعودية، وباتت في حاجة إلى رمز موسيقي يعكس حضورها الدبلوماسي والعسكري.
في بداية الأمر كان اللحن يعزف في المناسبات الرسمية بلا نص حتى يشي بالهيبة والوقار، لكن أظهرت الممارسة أنه تنقصه كلمات تحمل المعنى نفسه وتعبر عن حب الجميع للوطن.
محاولة أولى للكلمات
في عام 1958 كتب الشاعر السعودي محمد طلعت مقطوعة غنائية لتقديمها خلال استقبال الملك الراحل سعود بن عبدالعزيز آل سعود في الطائف (غرب)، حملت عبارات تعبر الولاء للملك مثل "أرواحنا فداه حامي الحرم".
وعلى رغم تعبير القطعة الغنائية عن العاطفة الشديدة والقوية تجاه البلاد ظلت أقرب إلى قصيدة مناسبات ولم تعتمد كنشيد رسمي، مما جعل السلام الملكي يستمر عقوداً يعزف بلا كلمات في عهد الملكين الراحلين المتعاقبين فيصل بن عبدالعزيز آل سعود وخالد بن عبدالعزيز آل سعود.
مع انتظام الرياض المتزايد في المحافل الدولية في السبعينيات، ظهرت الحاجة إلى امتلاك نشيد وطني يجمع بين اللحن والكلمة، وكان المطلوب نصاً يعبر عن هوية الدولة ويترجم قيمها الدينية والوطنية، في وقت كانت فيه السعودية تسجل حضوراً أوسع في الساحة الإقليمية والعالمية.
اعتماد النشيد
بدأت قصة النشيد الوطني السعودي بمحاولات مبكرة في عهد الملك خالد، حين طرحت للمرة الأولى فكرة صياغة نشيد وطني رسمي يرافق اللحن المعتمد منذ الأربعينيات، غير أن رحيل الملك خالد عام 1982 حال دون المضي في المشروع.
تولى الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود الحكم، ليعاد فتح ملف النشيد الوطني بجدية، وبتوصية من الأمير الشاعر عبدالله الفيصل، أسندت المهمة إلى الشاعر إبراهيم خفاجي، الذي صاغ نصاً قصيراً مكثفاً بالرموز، يراعي الثوابت الشرعية والأخلاقية ويصلح لكل زمان ومكان.
كتب خفاجي كلمات تراعي البعد الشرعي والأخلاقي، فجاء النشيد متوازناً بين الهوية الدينية والوطنية، فيما تولى الموسيقار سراج عمر إعادة توزيع النص الجديد على اللحن القديم، مانحاً النشيد روحاً موسيقية أكثر اتساقاً مع مكانته الرمزية.
اعتمد النشيد الوطني رسمياً عام 1984، وتألف من أربعة مقاطع، وبث للمرة الأولى عبر الإذاعة والتلفزيون السعودي.
ومنذ ذلك الحين أصبح رمزاً جامعاً بين كلمات إبراهيم خفاجي، ولحن عبدالرحمن الخطيب، وتوزيع سراج عمر، وذلك بحسب الدليل المعرفي للمحتوى التاريخي لليوم الوطني الصادر عن دارة الملك عبدالعزيز.
معاني الكلمات
تبدأ الكلمات بدعوة صريحة إلى النهوض والاندفاع نحو القمم بعبارة "سارعي للمجد والعلياء"، وكأنها صيحة استنهاض جماعي للمواطنين كي يسابقوا الزمن نحو العمل والإنجاز، ثم يأتي البيت الثاني "مجدي لخالق السماء" ليجعل العزة منسوبة إلى العقيدة، مؤكداً أن القوة الحقيقية لا تستمد إلا من الإيمان.
ومع "وارفعي الخفاق أخضر" تنتقل الصورة إلى العلم السعودي، الذي يرتفع شاهداً على الوحدة وراية للتوحيد، قبل أن تختزل كلمة "موطني" كل معاني الانتماء والعاطفة في لفظة واحدة، تختصر ما قد تعجز عنه القصائد المطولة.
أداة للوحدة والرمزية الوطنية
منذ اعتماده تحول النشيد إلى ركيزة في بناء الوعي الجمعي، إذ يردده طلاب المدارس كل صباح، فيتوارثون من خلاله معنى الوطن.
وفي الملاعب الرياضية واللقاءات الدولية والحفلات والمناسبات يقف السعوديون احتراماً له، في مشهد يجسد الوحدة والاعتزاز، ولهذا ينظر إليه باعتباره جزءاً من "الأمن الرمزي" للدولة، شأنه شأن العلم والشعار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تطوير اللحن
رؤية السعودية 2030 لم تفتح أبواب الاقتصاد والثقافة فحسب، بل ألهمت مشروعاً لتطوير موسيقى النشيد الوطني، ليحافظ على أصالته ويقدم بروح عالمية جديدة.
وأخيراً أعلن رئيس الهيئة العامة للترفيه، المستشار تركي آل الشيخ، عن تعاون مع الموسيقار الألماني العالمي هانز زيمر لإعادة توزيع موسيقى النشيد.
ويعد الموسيقار هانز زيمر من أبرز المبدعين في عالم الموسيقى التصويرية في العالم، إذ ارتبط اسمه بأفلام كبرى مثل "الأسد الملك" و"غلادياتور" و"ثلاثية دارك نايت"، وأدرجته صحيفة "ذا ديلي تليغراف" ضمن قائمة أهم 100 عبقري على قيد الحياة.