ملخص
اعترفت بريطانيا بدولة فلسطين في خطوة تاريخية سبقتها ضغوط سياسية وتصاعد المجاعة في غزة، مؤكدة أن القرار يمثل التزاماً أخلاقياً وموقفاً دبلوماسياً يعزز موقع الفلسطينيين في أي مفاوضات مقبلة. رغم أن الاعتراف لن يغير الواقع الميداني مباشرة، فإنه يكرس وزناً دبلوماسياً أوروبياً متنامياً لحل الدولتين ويزيد من عزلة الولايات المتحدة كداعمة وحيدة لإسرائيل.
أعلن السير كير ستارمر رسمياً اعترافه بدولة فلسطينية اليوم الأحد، في خطوة قال إنها تهدف إلى "إحياء الأمل بالسلام وبحل الدولتين" في الشرق الأوسط.
وكان رئيس الوزراء البريطاني قد صرح سابقاً بأن حكومة بنيامين نتنياهو يجب أن تنهي سياسة التجويع وتسمح بإيصال المساعدات إلى القطاع المحاصر قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا الشهر، وإلا فإن المملكة المتحدة ستعترف بالدولة الفلسطينية.
وأعلن ستارمر الاعتراف بدولة فلسطينية اليوم الأحد، أي قبل انعقاد الجمعية العامة، في ظل غياب وقف لإطلاق النار وإعلان المجاعة في مدينة غزة، حيث وسعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية. وجاء هذا الإعلان بعد دقائق فقط من إعلان كلّ من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، اعترافهما أيضاً بدولة فلسطين.
وواجه رئيس الوزراء ضغوطاً متزايدة من داخل حزبه للاعتراف بدولة فلسطينية، وهي ضغوط تصاعدت منذ إعلان الرئيس ماكرون في يوليو (تموز) الماضي نية فرنسا القيام بالخطوة ذاتها.
في هذا المقال، تسأل "اندبندنت" متخصصين عن معنى اعتراف المملكة المتحدة بدولة فلسطين عملياً.
ما الذي سيترتب على اعتراف بريطانيا بفلسطين كدولة؟
الأستاذة المشاركة في جامعة لندن والمتخصصة في سياسات الشرق الأوسط، جولي نورمان، قالت إن اعتراف المملكة المتحدة بدولة فلسطين يعني التصويت لمصلحة ذلك في الأمم المتحدة. لكنها أوضحت أنه من غير المرجح أن تتمكن المنظمة الدولية من إقرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية بسبب احتمال استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد الخطوة.
ومع ذلك أوضحت أن تصويت دول مثل بريطانيا وفرنسا لمصلحة الاعتراف في الأمم المتحدة سيكون خطوة "مهمة".
وأضافت أن اعتراف بريطانيا الرسمي بالدولة الفلسطينية سيظل "ذا قيمة"، حتى لو لم يتغير كثير على أرض الواقع، في ظل استمرار إسرائيل في "رفضها الكامل" فكرة الاعتراف.
وعن دلالة هذه الخطوة، قالت الدكتورة نورمان: "سيكون ذلك بمثابة التزام أخلاقي وموقف قوي تجاه فلسطين في لحظة يعد فيها الوضع في غزة والضفة الغربية أكثر خطورة من أي وقت مضى".
وتابعت: "على المدى القصير، يمثل الاعتراف موقفاً دبلوماسياً يفتح المجال أمام تغييرات في السياسات، أما على المدى الطويل، فإن عادت الأطراف إلى مناقشة الصراع، فسيساعد هذا الاعتراف على تعزيز موقع الفلسطينيين في المفاوضات. ومن ثم، قد لا ينعكس على الواقع بشكل فوري، لكنه يبقى خطوة ذات قيمة".
وأشارت نورمان إلى أن أثر الاعتراف قد يظهر بداية في لندن أكثر مما يظهر في رام الله، المدينة الواقعة في وسط الضفة الغربية، والعاصمة الإدارية لفلسطين، من خلال خطوات مثل افتتاح سفارة فلسطينية في بريطانيا. لكنها أوضحت أن هذا لا يعني الاعتراف بحركة "حماس".
ما حل الدولتين؟
تعود فكرة تقسيم الأراضي المقدسة إلى عقود طويلة.
فمع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، اقترحت خطة التقسيم التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1947 تقسيم الأرض إلى دولتين: يهودية وعربية. لكن مع إعلان قيام إسرائيل في العام التالي، اندلعت حرب مع جيرانها العرب، ولم تنفذ الخطة أبداً. وأدت الحرب إلى فرار أكثر من نصف الفلسطينيين أو إجبارهم على النزوح. وبموجب اتفاقية الهدنة عام 1949، سيطر الأردن على الضفة الغربية والقدس الشرقية، فيما سيطرت مصر على غزة.
وفي حرب الأيام الستة عام 1967، استولت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة. ويسعى الفلسطينيون إلى إقامة دولتهم المستقبلية على هذه الأراضي، فيما ظل حل الدولتين، القائم على حدود ما قبل عام 1967، أساس محادثات السلام منذ تسعينيات القرن الماضي.
يحظى هذا الحل بدعم واسع على المستوى الدولي، غير أن الخلاف يتمحور حول كيفية تنفيذه. وتعتبر سياسات إسرائيل في إنشاء وتوسيع المستوطنات داخل الضفة الغربية المحتلة - وهي مستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي - عقبة رئيسة أمام ذلك.
ما الذي يعنيه الاعتراف بدولة فلسطين بالنسبة إلى اللاجئين؟
يشرح القنصل البريطاني العام السابق في القدس، عضو مجلس أمناء مؤسسة "بريطانيا – فلسطين" الخيرية، فنسنت فين، أن الاعتراف بفلسطين كدولة سيعني أن جوازات السفر الفلسطينية، إذا ما جرى إصدارها، سيعترف بها رسمياً في المملكة المتحدة باعتبارها صادرة عن دولة.
ومع ذلك شدد فين على أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن يؤثر في نظام اللجوء إلى بريطانيا.
وقال موضحاً: "هل يؤثر ذلك في عدد اللاجئين القادمين إلى المملكة المتحدة؟ الجواب: لا". وأرجع ذلك إلى أن نظام التأشيرات الحالي بين بريطانيا وفلسطين سيبقى كما هو، إذ لا يسمح بالسفر إلا بعد الحصول على تأشيرة مسبقة.
وأضاف أن الاعتراف بدولة فلسطينية "لن يغير كثيراً في ما يتعلق بحق العودة للفلسطينيين إلى وطنهم". وأشار إلى أن هذا الحق "راسخ منذ زمن طويل"، لكنه يحتاج إلى تسوية عبر مفاوضات مع إسرائيل.
ماذا يعني اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين بالنسبة إلى آلية التواصل بين الجانبين؟
قال السير فنسنت إن هذه نقطة "بالغة الأهمية" يجب توضيحها، مشدداً على ضرورة التمييز بين الاعتراف بكيان فلسطيني والاعتراف بسلطات حاكمة بعينها.
وأوضح: "من المهم القول إن الحكومة البريطانية لا تعترف بالحكومات، بل تعترف بالدول. لذلك فهي لا تعترف فعلياً بالرئيس محمود عباس بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيساً للسلطة الفلسطينية. لكن عملياً سيكون هو المحاور في رام الله، لأنه لا يوجد بديل آخر".
وشدد في المقابل على أن بريطانيا قد صنفت "حماس" بالفعل منظمة إرهابية، وأن هذا الموقف لن يتغير.
من جانبها، أضافت الدكتورة جولي نورمان أن السلطة الفلسطينية هي الكيان الحاكم الرئيس للفلسطينيين في الضفة الغربية، وأن بريطانيا تعترف بها ولديها قنوات تواصل معها منذ وقت طويل. وقالت إن الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين لن يغير هذا الواقع، بل سيستمر كما هو.
كما أكد السير فنسنت أن احتمال أن تتولى "حماس" حكم فلسطين في المستقبل "يكاد يكون معدوماً"، لأن فرص الحركة المسلحة في الفوز بالانتخابات "بعيدة للغاية".
وأضاف أن الخطة المتعلقة بمستقبل إدارة قطاع غزة عبر السلطة الفلسطينية ستكون إحدى القضايا المطروحة للنقاش في اجتماع الأمم المتحدة هذا الأسبوع.
ما الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية؟
أعلنت وزارة الخارجية البرتغالية، في بيان صدر أول من أمس الجمعة، أن البرتغال ستعترف بدولة فلسطين الأحد.
وأضافت بأن الإعلان الرسمي المرتبط بالاعتراف سيصدر قبل انعقاد المؤتمر الرفيع المستوى الأسبوع المقبل. وكان وزير الخارجية باولو رانجيل قد صرح هذا الأسبوع بأن بلاده تدرس الاعتراف بدولة فلسطينية خلال زيارته المملكة المتحدة.
وخلافاً لجارتها إسبانيا، التي اعترفت حكومتها اليسارية بالدولة الفلسطينية في مايو (أيار) 2024، اتخذت البرتغال نهجاً أكثر حذراً، قائلة إنها تريد التوصل إلى موقف مشترك مع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى أولاً.
وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلنت فرنسا نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية مما أثار انتقادات غاضبة من إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي الأسبوع الماضي، نشر الرئيس إيمانويل ماكرون رسالة بعث بها إلى الرئيس محمود عباس، أكد فيها عزم بلاده المضي قدماً في الاعتراف والعمل على إقناع شركاء آخرين باتخاذ الخطوة ذاتها. وقال إنه سيصدر إعلاناً رسمياً في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
هذا وتعد فرنسا من أوائل القوى الغربية الكبرى التي غيرت موقفها الدبلوماسي تجاه الدولة الفلسطينية، بعدما اعترفت بها رسمياً كل من إسبانيا وإيرلندا والنرويج العام الماضي.
وقد أعلنت الدول الثلاث اعترافها. وأكدت أن حدود الدولة الفلسطينية يجب أن ترسم وفق ما كانت عليه قبل حرب 1967، حين استولت إسرائيل على الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية.
مع ذلك أوضحت تلك الدول أن هذه الحدود قد تتغير في حال التوصل إلى تسوية نهائية في شأن الأراضي، وأن قراراتها لا تنتقص من إيمانها بحق إسرائيل الجوهري في الوجود بأمن وسلام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعترف نحو 144 دولة من أصل 193 دولة عضوة في الأمم المتحدة بفلسطين كدولة، بما في ذلك معظم دول الجنوب العالمي، إضافة إلى روسيا والصين والهند، غير أن عدداً قليلاً فقط من بين الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قام بهذه الخطوة، ومعظمها من دول أوروبا الشرقية السابقة إلى جانب السويد وقبرص.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف الفعلي بالدولة الفلسطينية ذات السيادة عبر رفع وضعها من "كيان مراقب" إلى "دولة مراقبة غير عضو".
ما تداعيات اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين على الصعيد الدولي؟
قالت الدكتورة نورمان: "هنا تكمن أهمية الخطوة". وأوضحت أن تحرك قوتين عالميتين كبيرتين مثل بريطانيا وفرنسا سيكون "ذا دلالة كبرى"، وسيمهد الطريق لفتح نقاشات مشابهة في أماكن أخرى مثل كندا.
وأضافت: "هذا من شأنه أن يعزل الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة التي تواصل دعم إسرائيل على حساب فلسطين. سيجعلها استثناءً، ويظهر أن بقية العالم يقف إلى حد ما صفاً واحداً خلف حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وهو ما تبنته بريطانيا كسياسة منذ فترة. وإذا كنا جادين في شأن ذلك، فيجب أن نترجمه إلى خطوات جادة".
وتابعت: " قد لا نملك الثقل العسكري نفسه الذي تمتلكه الولايات المتحدة، لكن لدينا وزناً دبلوماسياً ينبغي أن نوظفه بأقصى ما نستطيع".
واختتمت بالقول: "سيكون ذلك دليلاً على التزام أوروبا حل الدولتين، ورفضها السماح لهذا الحل بالاندثار أو التهميش".
© The Independent