ملخص
يؤكد خبراء الحروب النووية والسلام أن استشارة العلماء في استخدام هذه الأسلحة الفتاكة قلل كثيراً من الضرر المترتب على زجها في الحروب والنزاعات على مر التاريخ.
تُرى، ما هو الأفضل للناس، خصوصاً أولئك الذين اكتووا أو الذين سوف يكتوون بنيران أسلحة الدمار الشامل، إرغام السياسي على استعمال أسلحة الدمار الشامل بشكل علمي مدروس يقلل الأضرار إلى حدها الأدنى، أم الأخذ على أيدي العلماء ومنعهم من تصنيع الأسلحة الفتاكة من البداية، أم أن كلاهما في هذا الزمن أصبح ضرورياً للغاية؟
لا ينكر أحد أن للعلماء الذين اخترعوا وصمموا أسلحة الدمار الشامل على مر التاريخ أخطاءهم وخطاياهم، ولكن في المقابل كان لهم ولابتكاراتهم دور كبير في صناعة السلام. وعلى رغم ذلك يرى متخصصون في مجال قضايا الحروب النووية والسلام أن استشارة العلماء في استخدام هذه الأسلحة الفتاكة خلال النزاعات السياسية الكبرى، قلل كثيراً من الضرر المترتب على زجها في الحروب والنزاعات السياسية، وذلك على مر التاريخ.
والسؤال في هذا الوقت هو: هل يأخذ الرئيس ترمب في حربه اليوم على إيران وغيرها بآراء عُلماء أسلحة الدمار الشامل أثناء الحروب كما فعل زعماء أميركيون سابقون أم لا؟.
"أهل مكة أدرى بشعابها"
ووفق المقولة الشهيرة "أهل مكة أدرى بشعابها" فإن كثيراً من المتخصصين يؤكدون أن العلماء أدرى من السياسيين بأسرار أسلحة الدمار الشامل التي يصنعونها، فهم أكثر علماً بمدى فتكها بالإنسان والبيئة، كذلك هم أكثر إدراكاً لدورها المحتمل في صناعة السلام بدلاً من إذكاء الحروب. لذلك قام زعماء أميركيون سابقون مثل الرئيس نيكسون باختيار الأسلحة التي تشترك في الحروب وفق تفضيلات العلماء وليس بشكل عشوائي.
وفي ظل الرأي القائل بتجاهل ترمب وإدارته الحالية لآراء العلماء، فإن السؤال اليوم هو: هل ينجح العلم الحديث في إعادة توجيه "بوصلة" السياسة نحو الرأي الذي يفضله العُلماء لاستخدام أسلحة الدمار الشامل في الحروب بشكل يقلل الأضرار الناجمة عنها إلى أقل ما يمكن، أم أن الوقت فات على ذلك خصوصاً في ما يتعلق بحرب إيران؟
أجندة بحثية متطورة
لتحقيق ذلك يقول العُلماء إنه "من المهم جداً في هذا الوقت ظهور أجندة بحثية متطورة قائمة على العلم تساعد دعاة نزع السلاح للحد من التهديد النووي"، إذ يسجل علماء الفيزياء لإدارة الرئيس نيكسون المختلفة للغاية عن إدارة ترمب الحالية، أنها تحولت عسكرياً من نظام "سنتينل" للدفاع الصاروخي الشامل الخفيف إلى نظام "سيفغارد" للدفاع الصاروخي المُنفرد، مما حول السياسة فعلياً نحو التكوين الذي يفضله العلماء وليس الزعماء السياسيون.
تناقض
على رغم ذلك، يظل هناك كثير من الجدل حول تناقض العلماء النوويين أنفسهم في هذا المجال، والذي يظهر من خلال مواقفهم المزدوجة في هذا الشأن، إذ لعب كثير منهم دوراً مهماً في تطوير الأسلحة النووية، ودوراً آخر تمثل في محاولة السيطرة عليها بعد ذلك.
وفي هذا السياق وضمن حوار صحافي بعنوان "الحقائق والفيزياء لا تزال مهمة: الرد على كتابات ويلسون التاريخية" أجراه الصحافي الأميركي هربرت لين ونشر على موقع علمي بارز يوم الجمعة الماضي، يبين هربرت أن القضية الخلافية الكبرى بين عدد من العلماء المنخرطين في هذا الحوار تحديداً، تدور حول الدور المشبوه الذي لعبه عالمان نوويان هما هانز بيث وريتشارد غارفين.
ركز الحوار على دورهما في إقناع الإدارات السياسية في زمنهما لـ"نشر نظام دفاع صاروخي باليستي وطني محدود الإمكانات بدلاً من نظام شامل ثقيل كثير العيوب والأضرار"، كذلك ركز الحوار الصحافي ذاته أيضاً على فكرة ما إذا كان نشر العالمين النوويين لمقالات تدافع عن قضايا نزع السلاح في مجلات ونشرات علمية بارزة لاحقاً صادقاً ونزيها، أم أنه كان مجرد استعراض إعلامي لا أكثر.
سجال
ضمن هذا الحوار الذي نشرته مجلة نشرة علماء الذرة قبل أيام وأجراه الصحافي الأميركي هربرت لين مع فرانك فون هيبل وهو عالم سياسة أميركي مشهور، يركز على تقليل الأسلحة النووية والمنع من التسلح، ورد اتهام للسياسيين ورجال القانون وكثير من الإعلاميين بأنهم لا يفهمون "كيفية تفكير العلماء النوويين" وأنهم يقدمون دائماً كتابات "تاريخية" تسيء للعلماء في كثير من الأحيان بدلاً من أن تنصفهم.
وكان فون رئيساً مشتركاً في مجموعة منظمة الأسلحة النووية والمنع، ورئيساً مشتركاً في مجموعة منظمة المواد الفيزيائية. ودافع فون في هذا الحوار وبشكل متوقع عن العالم النووي هانز بيث ورجل القانون ريتشارد غارفين ضد مقالة نشرها السياسي والقانوني الأميركي بنجامين ويلسون والتي تعد مقالته وفق فون مسيئة لهما ولدورهما المهم الذي لعباه لاحقاً في الدعوة إلى منع التسلح النووي.
من هو "بيث"؟
وفق ويكي فإن هانز ألبرخت بيث هو عالم فيزيائي ألماني أميركي حصل على جائزة نوبل للفيزياء عام 1967 وذلك عن "نظرية توليد الجسيمات النووية في النجوم". وهو من رواد الفيزياء النظرية وله بحوث في مجالات عدة منها "إلكترو ديناميكا الكم" والفيزياء النووية وفيزياء الحالة الصلبة وجسيمات علم الفلك. وكان بيث رئيساً لقسم النظريين في معمل لوس ألاموس أثناء الحرب العالمية الثانية الذي صنعت فيه أول قنبلة ذرية.
مع آينشتاين
اشترك بيث لاحقاً مع ألبرت آينشتاين في مقاومة التجارب النووية، وقاوما كذلك سباق التسليح النووي. ووفق الموسوعة العلمية الأوروبية قام هذا العالم آنذاك "بحساب الكتلة الحرجة وهي أصغر كتلة من اليورانيوم لازمة لصناعة القنبلة الذرية". وله أيضاً حسابات عن طريقة تفجيرها بواسطة التحام نصفي القنبلة. وتؤكد الموسوعات العلمية أن الحسابات والتجارب التي وضعها هذا العالم بالاشتراك مع آينشتاين أدت إلى صناعة قنبلتي هيروشيما ونجازاكي اللتين ألقيتا على اليابان عام 1945.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك اشترك هانز بيث خلال خمسينيات القرن الماضي في تصميم القنبلة الأكبر في التاريخ، وهي القنبلة الهيدروجينية. وعلى رغم كل ذلك، يُقال إنه "كان يأمل في ألا تنجح المجهودات التي قام بها للتوصل إليها!".
تجاهل لا جهل
وعلى رغم كل ذلك يرى فون أن رجال القانون والإعلام يجهلون أو يتجاهلون كثيراً من الأمور التقنية التي يعرفها العلماء في شأن صناعة واستخدام هذه الأسلحة المرعبة، ولذلك يشير إلى أن الإعلامي والقانوني ويلسون الذي شكك في مصداقية ونزاهة هؤلاء العلماء، كان يجهل أو أنه تجاهل "حقائق تقنية" حول هذه الأسلحة. كذلك "تجاهل ظهور أجندة بحثية متطورة قائمة على العلم، تساعد كثيراً دعاة السلام وأنصار فكرة نزع السلاح النووي من العالم فوراً".
وفي محاولة لتأكيد مصداقية العلماء يشير فون إلى مثال صارخ في هذا المجال وهو الدور الذي يلعبه تحالف الفيزيائيين للحد من التهديد النووي. وهو يرى أنه بدلاً من "اعتبار القيود التقنية ذريعة للوضع الراهن كما يوحي ويلسون وكثير من رجال القانون والسياسة، يسعى هؤلاء العلماء إلى إيجاد حلول تساعد في تحويل المستحيلات السياسية إلى تحديات هندسية قابلة للإدارة".
مبدأ الاستقرار السياسي
هناك مبدأ مهم يحاول العلماء الذين تورطوا في صناعة الأسلحة الفتاكة والذين أصبح عدد منهم ناشطين في مجال نزع الاسلحة النووية ترسيخه، وذلك لكي يكفروا من خلاله عن بعض ما فعلوا. ويعرف هذا المبدأ الذي يقوم على السماح للعلماء بممارسة أعمالهم في صناعة وتطوير الأسلحة النووية ضمن إطار الاستقرار السياسي باسم مبدأ الاستقرار السياسي. ويحاول هذا الحوار توضيح الفكرة العلمية المعقدة هذه، والتي تلخص كيفية انخراط العلماء النوويين في أتون هذا الصراع السياسي الشرس، إذ يزعم كثير من العُلماء أنهم يسعون إلى "تحويل المستحيلات السياسية إلى تحديات هندسية قابلة للإدارة".
ولكن الحوار لا يؤكد في الوقت ذاته أن جميع علماء أسلحة الدمار الشامل يمارسون عملهم ضمن إطار نموذج الاستقرار السياسي هذا.