Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كلارا شومان "تعدم" كونشرتو زوجها وتندد بفاغنر

شكوك حول الذائقة الفنية للسيدة التي تعتبر من قلة من الموسيقيات في تاريخ الفن

كلارا شومان: تدخلات وشكوك (الموسوعة البريطانية)

ملخص

كانت كلارا شومان هي من يختار ما سيبقى وما سيخفى من أعمال زوجها الراحل روبرت شومان الموسيقية، وهكذا اتخذت قراراً مبرماً بأن يجري الحفاظ على ما ابتكره روبرت من مصاحبة على البيانو لسوناتات باخ للفيولنسيل والقياس الذي جرى تدوينه تحت إشراف برامز، والجناز الذي لن يظهر على أية حال قبل عام 1864.

"لقد كان ذلك العمل الأوبرالي من أكثر ما سمعت في حياتي، سماجة. فأن يجد المرء نفسه متأملاً ومصغياً طوال سهرة بأكملها إلى هذا الخطل في دنيا الغرام، الذي يثير في نفوسنا كل المشاعر السلبية التي تتعلق بالأخلاق،  وناظراً ليس فقط إلى الجمهور، بل حتى إلى الموسيقيين وهم في نشوة ما بعدها نشوة، إنما هو الأمر الأكثر بشاعة الذي قابلني في حياتي. ولئن كنت قد تمكنت من الصمود حتى النهاية، فما هذا إلا لأني كنت أريد أن أسمع كل شيء وأشاهد كل شيء. ولا سيما ما رأيته في القسم الثاني، حيث ينام العاشقان ويغنيان من دون هوادة. ثم في القسم الأخير حيث يموت تريستان، وهو موت يستغرق 40 دقيقة ويريدون إقناعنا بأنه درامي! والحقيقة أن ما نرصده هنا ليس قدراً من العواطف، وإنما قدر من الأمراض. والمصابون به إنما يمضون وقتهم وهم ينتزعون القلب بعيداً من الجسد، فيما تعبر الموسيقى عن ذلك كله باللكنة الأكثر قبحاً على الإطلاق! ويا للأسف الشديد!".

جاء هذا الحكم القاطع الذي بالكاد ورد ما يماثله قسوة ورفضاً تجاه أي عمل لريتشارد فاغنر، بقلم كلارا التي كانت حينها قد أضحت أرملة الموسيقي الكبير روبرت شومان، وكتبته بعد رحيل فاغنر نفسه وليس في مطبوعة عامة بل في يومياتها.

والحقيقة أن كثراً رأوا أن كلارا قد تكون محقة في حكمها، لكنها خيراً فعلت إذ أوردته في نص كتبته لنفسها ليمعن على أية حال في "الكشف على قصور في الذائقة الفنية لواحدة من النساء النادرات اللاتي انخرطن على مدى التاريخ في التأليف والأداء الموسيقيين". ونقول إنه يمعن في ذلك بالنظر إلى أن كثراً كانوا قد دهشوا دهشة سلبية قبل ذلك بكثير، إزاء ما أبدته كلارا من مواقف طاولت تراث زوجها نفسه بعد رحيله واصلة إلى إعدام واحد من أجمل أعماله، وهو "كونشرتو الكمان" الذي سيختفي بناء على قرار اتخذته كلارا بنفسها، طوال نحو قرن بكامله قبل أن يظهر من جديد كما سنرى بعد سطور.

كنز حقيقي في مخبأ

وتعود حكايتنا هذه لليوم الذي كتب فيه روبرت شومان وصيته في عام 1851، وقبل دخوله المصح الذي لن يخرج منه إلا إلى القبر. فهو كتب في الوصية حرفياً: "بما أننا جميعا فانون، أريد لأي قرارات تتخذ في شأن أعمالي التي لم تنشر بعد أن تعود لجاد وإلا فإلى ج. ريتز، بالتوافق مع عزيزتي كلارا في مضمار الاختيارات بعد تدقيق نقدي صارم".

كانت إرادة شومان واضحة وتعطي لكلارا مكانة ثانوية وربما استشارية فقط في مجال المصير الذي سيكون لأعماله، بيد أن كلارا ومباشرة بعد موت زوجها، تمكنت من أن تدبر الأمور بحيث تستبدل المنفذين اللذين عينهما زوجها الراحل، بالموسيقيين اللذين كانا الأقرب إليه دائماً، جوهان برامز وجوزيف يواكيم، وهما اللذان ظلا إلى جانبه طوال الفترة التي أمضاها في المصح.

واللافت أن كلارا ستكون هي من يختار ما سيبقى وما سيخفى من أعمال شومان، وهكذا اتخذت قراراً مبرماً بأن يجري الحفاظ على ما ابتكره روبرت من مصاحبة على البيانو لسوناتات باخ للفيولنسيل والقياس الذي جرى تدوينه تحت إشراف برامز، والجناز الذي لن يظهر على أية حال قبل عام 1864. وعلى هذا النحو عاش وانتشر عدد من آخر الصفحات الموسيقية التي كتبها شومان في آخر سنواته، سنوات المصح.

لكن المخفي أعظم...

ولكن في المقابل ها هي كلارا تعمل بعناد لا مبرر له على إخفاء عدد آخر  من أعمال زوجها الأخيرة، ومنها على سبيل المثال نوطات حول ما يتوجب أن يكون مرافقة أوركسترالية لنزوات باغانيني، واصفة إياها بأنها "غير ذات أهمية على الإطلاق"، وكذلك الحال مع سوناتا اختفت بحيث إنها لم توجد من جديد إلا بفضل مسودات عثر عليها مشتتة. أضف إلى ذلك خمس رومانسيات للفيولونسيل تعود لعام 1853. إضافة إلى تنويعات وصفت بأنها شبحية، ثم خصوصاً كونشرتو الكمان الذي اختفى ولن يعود للظهور إلا في عام 1937، ولن يقدم من جديد كما كان يمكن لروبرت شومان نفسه أن يقدمه، إلا في عام 1957 على يد اليهودي مينوحيم، عازف الكمان الأكبر أواسط القرن الـ20 كما سنرى.

ولكن قبل ذلك لا بد من التوقف عند هذا العمل الذي يصعب تصور السبب الذي جعل كلارا تريد محوه من الوجود، ليأتي مينوحيم ويعلنه "كنزاً موسيقياً حقيقياً". فالحقيقة المتعلقة بهذا العمل تقول لنا إن شومان قد أنجزه في عام 1853 وأهداه إلى يواكيم، غير أن ظروفه الصحية لن تسمح له أبداً بالاستماع إليه يعزف ولو مرة واحدة، وقد أضحى في ذلك الحين نزيل المصح. ومن هنا اقترح عليه يواكيم أن يوافيه في المصح ليعزفه أمامه، لكن شومان فضل أن ينتظر الخروج من هناك قبل الاستماع إلى عمل سيحكم التاريخ لاحقاً على أنه أجمل ما كتب خلال سنواته الأخيرة.

المهم أن يواكيم سيعزفه للمرة الأولى أمام كلارا في عام 1855، لتعلن هذه عدم رضاها عنه لأنه يحمل آثار وجود زوجها الراحل في المصح، فطلبت من يواكيم أن يعيد كتابته من جديد فرفض رفضاً قاطعاً. وهكذا سكتت عن الأمر حتى عام 1880، إذ اتخذت قرارها بإعدام نوطات العمل كلياً. ولكن يواكيم، لحسن الحظ، استنكف عن ذلك وأخفى النوطات في مكان لا تطاوله يد الأرملة العنيدة، وبذلك لن ينشر العمل إلا في عام 1957 كما أشرنا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عودة بفضل الأرواح

لقد اختفى كونشرتو الكمان إذاً طوال ما يقرب من قرن، وهو لئن كان قد عاد للظهور، فإنه إنما فعل ذلك بفضل سيدة تدعى جينيه درانيي قريبة من بعيد للعازف والموسيقي يواكيم، التي ستعلن أن الأرواح هي التي كشفت لها عن مكان النوطات، وبالتحديد روح روبرت شومان الذي دلها عن طريق التخاطر على مكان إخفاء نوطات الكونشرتو، طالباً منها ضرورة أن يعزف الكونشرتو كما هو. وهكذا رفع الغبار عن النوطات وجرى نشرها وعهد إلى كبير عازفي الكمان في الخمسينات مينوحيم بالقيام بعزفه. وهذا الأخير قبل بكل حماسة، معلنا أن هذا الكونشرتو إنما هو "الحلقة المفقودة بين كونشرتو مماثل لبيتهوفن وآخر لا يقل جمالاً ليوهان برامز". بل كتب يقول منذ عام 1956 إن "هذا الكونشرتو كنز حقيقي سحرني تماماً، إنه شومان حقيقي رومانطيقي وطازج، وهو إلى ذلك سليم تماماً من الناحية العقلية لمبدعه. وباستثناء مقطع صغير جداً في حركته الأولى، يمكن عزفه بقوة وبكل تأكيد. من المؤكد أن يواكيم لم يحدث فيه أي تغيير، ولئن كان صحيحاً أن ثمة لحظات فيه تتميز بالجرأة وتباغتنا، فإن هذا كان يمكن أن يكون صحيحاً زمن كتابته، أما اليوم فإنه لا يدهشنا إطلاقاً. وأملي أنه كان ثمة أسباب غير هذا الكونشرتو تبرر وضع شومان في المصح، في ذلك الحين".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة