ملخص
تحولت ملحمة "سيد الخواتم" من عمل أدبي جامع إلى مرآة تعكس صراعات سياسية معاصرة، إذ أعاد اليمين الجديد، من ماسك إلى ميلوني، توظيف عالم تولكين لصالح قراءات قومية متشددة، في مقابل تأويل سينمائي ليبرالي، تاركاً الحقيقة معلقة بينهما.
يطل "سيد الخواتم" The Lord of the Rings بين الحين والآخر كقريب ثري مسن، يعود فجأة إلى حياتك ليحدثك عن إنجاز جديد أو ليلمح إلى دائرة معارفه اللامعة. في يوم من الأيام، كان أجمل حكاية لما قبل النوم أسرت خيال الطفولة، ثم تحول لاحقاً إلى سلسلة سينمائية تقدر بمليارات الدولارات هيمنت على مطلع الألفية الحالية.
واليوم تعود الثلاثية مجدداً للاحتفال بمرور خمسة وعشرين عاماً على انطلاقتها، عبر طرح "نسخة موسعة" في صالات السينما، رغم أنها كانت متاحة أصلاً للمشاهدة المنزلية. في جوهره، لم يتبدل "سيد الخواتم" كثيراً: عمل ترفيهي ناجح، وملحمة تستحق المتابعة. لكن التغير الحقيقي طال جمهوره، الذي أصبح أعلى صوتاً، أغرب أطواراً، وأبعد كثيراً عن أي قيمة تثقيفية.
"قل كلمة ’صديق‘، وادخل"؛ هذه هي العبارة السرية التي تفتح أبواب موريا، في إشارة إلى أن إعلان الصداقة يمنح صاحبه حرية الدخول والتجول، حتى لو لم يكن أصدقاء موريا هؤلاء بالضرورة على وفاق فيما بينهم، تماماً كما هو حال محبي أعمال الكاتب البريطاني جون رونالد تولكين الذين لا يجتمعون دائماً على رأي واحد. على سبيل المثال، في موريا نفسها بدأ بورومير الميال إلى الجدل، يتساءل عن طبيعة الرفقة التي ينتمي إليها، وما الذي قد يجمعه فعلاً بقزم وجني ومجموعة من الهوبيت. يتسلل إليّ إحساس مشابه بالاغتراب اليوم وأنا أراقب الدائرة الجديدة من الأصدقاء البارزين الذين التفوا حول "سيد الخواتم".
كان من السهل في الماضي تمييز العاشق الحقيقي لأعمال تولكين. فحكاياته هي مزيج متوازن من الوقار الأكاديمي ونزعة شعبية غرائبية، ما جعلها محبوبة لدى الشبان المولعين بالمعرفة، والهيبيين المتقدمين في العمر، وقلة من الليبراليين المثقفين من محبي البيرة الكلاسيكية. لكن المشهد تغير، ويبدو أن الوقت حان لإعادة ترتيب جميع الملفات. تلاشى حضور أولئك المعجبين القدامى، فيما كبر الانطوائيون وازدادوا ثراءً ومالوا سياسياً نحو اليمين، ساحبين النص معهم، ومعيدين تقديمه بوصفه مرجعاً فكرياً مشتركاً لسياسيين متطرفين وأثرياء وادي السيليكون على حد سواء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يبلغ هذا الولع مداه لدى المستثمر الرأسمالي ذي التوجهات التحررية (الليبرتارية) بيتر ثيل، الذي وصل افتتانه بعالم ميدل إيرث [أو "الأرض الوسطى" وهو مكان خيالي في روايات تولكين] حد إطلاق أسماء مستقاة من ذلك العالم على شركاته: من "بالانتير" Palantir (المستوحى من حجر الاستبصار الذي يملكه سارومان) إلى "ميثريل" Mithril (نسبة إلى الفضة النادرة التي يمتلكها الأقزام)، وصولاً إلى مشروعه العسكري المبتدئ "أندوريل" Anduril (اسم سيف أراغورن). أما جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، فيعيد الفضل إلى القصص في لعب دور أساسي في "تشكيل رؤيته المحافظة للعالم". ومن باب التأكيد، اعتادت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ارتداء أزياء "أنصاف البشر" عند مشاركتها في "معسكرات الهوبيت" ذات الطابع الفاشي الجديد قرب روما. بالنسبة إليها ليس "سيد الخواتم" مجرد عمل أدبي، بل خريطة طريق وكتاب مقدس وشعار للحياة. حتى إنها قالت ذات مرة: "لا أعتبره خيالاً على الإطلاق".
كما تشير الوقائع إلى أن إيلون ماسك لا يختلف عنهم في هذا الشغف. فما زال "سيد الخواتم" الكتاب الأقرب إلى قلب أغنى رجل في العالم. لكن المقلق هو أن ملحمته التي تتحدث عن مغامرة عبر ميدل إيرث باتت تسهم في صياغة مواقف ماسك المتشددة حيال الهجرة. ففي مقابلة معه العام الماضي على مدونة جو روغن الصوتية، شبه ماسك سكان الهوبيت المسالمين في عالم الرواية بأهالي بلدات إنجلترا الصغيرة، فيما قارن طالبي اللجوء بمخلوقات موردور الشريرة (الأورك) التي تمثل العدو في القصة. وقال موضحاً: "تمكن الهوبيت من العيش بسلام وطمأنينة... لكن ذلك لم يكن ممكناً من دون حماية رجال غوندور الأقوياء". وفي هذه القراءة الواقعية الخاصة لعالم تولكين، يبدو أن ماسك يمنح نفسه دور غاندالف، بينما يضع تومي روبنسون في موقع أراغورن البطل.
في المقابل، ولحسن الحظ، ما زالت لدينا نسخة "سيد الخواتم" التي تخيلها المخرج بيتر جاكسون، مع إيان ماكيلين في دور الساحر وفيغو مورتنسن في شخصية الملك المنتقم. تعود الثلاثية السينمائية كرسول آتٍ من زمن أبسط وأكثر لطفاً، نقية من التوظيفات الراهنة بينما تطلق أبطالها المتواضعين في مهمة مستحيلة لتدمير خاتم الشر وإنقاذ العالم. وكما يقول سام غامجي الوفي: "لا يزال في هذا العالم خير يا سيد فرودو، وهو يستحق أن نقاتل من أجله".
قد يكون من المغري، عند هذا المفصل، التعامل مع نسخة بيتر جاكسون السينمائية بوصفها القراءة الحاسمة لملحمة تولكين، أي شكلها الأصدق وصيغتها النهائية. غير أن ذلك لا يعني سوى استبدال سردية مضللة بأخرى. فنص تولكين، رغم ما يحمله من عناصر تناقض أطروحات ماسك الغريبة، يتضمن أيضاً ملامح عدة محددة (مثل الإحساس بالتفوق الأخلاقي والتلميح إلى تراتبية عرقية) تمنح تلك الأطروحات دعماً بشكل غير المباشر.
لذلك يبدو من السهل أكثر من اللازم الادعاء بأن ماسك وميلوني وثيل وفانس يسيئون فهم "سيد الخواتم" تماماً كما أخفق بعض المشاهدين في إدراك أن أفلاماً مثل "جنود الفضاء" Starship Troopers (1997) و"نادي القتال" Fight Club (1999) كانت أعمالاً ساخرة. لكن الواقع الأكثر إزعاجاً هو أننا أمام قراءات متباينة للنص ذاته: يقدم جاكسون تأويلاً ليبرالياً للنص الكلاسيكي، فيما يعيد ماسك تركيبه بنَفَس قومي عرقي متشدد. أما الحقيقة، إن وجدت، فهي على الأرجح تدور في المسافة الرمادية بين القراءتين.
في سنواته الأخيرة، بينما كان يتمتع برفاهية تقاعده الميسور في بورنموث، ترددت أخبار بأن تولكين شعر بالذعر لرؤية عمله يحظى بتمجيد مجموعة من الهيبيين الليبراليين ذوي العيون الواسعة، الذين لم يكن لديه أي قاسم مشترك معهم على الإطلاق. ومن المعقول الافتراض أنه كان سيصاب بالدهشة نفسها لو شاهد استغلال عمله من قبل جيش من مليارديرات التكنولوجيا المرتبطين بالمجمع الصناعي العسكري. لكن أليس هذا هو الحال مع كل فنان يحالفه الحظ في ابتكار شيء يعتنقه الناس بكل إخلاص؟ لقد فات الأوان لإغلاق الباب بعد هروب الحصان. اغسل يديك من الأمر وامضِ في طريقك.
لم يعد "سيد الخواتم" ملكاً لـ تولكين منذ لحظة انتهائه من كتابته، تماماً كما أنه لم يعد ملكاً لـ جاكسون فور إكماله تصوير أفلامه. أصبح العمل الآن ملكاً لنا جميعاً: لكم ولي، لـثيل وماسك، ولأي شخص يعلن نفسه صديقاً لهذه القصة. لذا، فلتفتح الأبواب ولندع الجميع من جمهور الرواية يتجادلون حولها، ويثيرون النقاش في كل أرجاء عالم تولكين كما يشاؤون. إنها قصة عظيمة، ورحلة جديرة بالاهتمام وحية ومستمرة، وقضاياها مفتوحة للنقاش دائماً. لقد رحل تولكين منذ زمن بعيد، لكن حكاياته، مثلها مثل العالم، ما زالت تستحق القتال من أجلها.
تعاد حالياً عرض ثلاثية "سيد الخواتم" في دور السينما البريطانية
© The Independent