Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا ينجذب مراهقو مصر إلى ترندات الموت؟

آخرها "الماء المغلي" لاختبار الصداقة واجتماعيون يرجحون انتشارها إلى عوامل نفسية مرضية وأبعاد اقتصادية وغياب الرقابة الأسرية ويحذرون من الجرائم الناجمة عنها

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي الأكثر استحواذاً على الاهتمامات ونسب المشاهدة داخل المنزل وخارجه (رويترز) 

ملخص

بزوغ تلك الترندات "المرعبة مجتمعياً" يرتبط في المقام الأول بالبعد الاقتصادي، نتيجة عدم إحساس بعض الشباب بالأمان المادي في ظل الظروف والأوضاع الاقتصادية الراهنة، فتصبح لديهم رؤية مشوهة نحو المستقبل ويلجؤون إلى تفريغ شحناتهم السلبية وضغوطهم في بدائل أخرى، مثل التوجه نحو الإفراط في استخدام منصات التواصل الاجتماعي وتجربة ألعاب قد تكون خطرة والمشاركة في تجارب لا تتناسب مع هوية المجتمع وقيمه

بين حين وآخر تطفو موجة من الترندات الصادمة لتطبيق "تيك توك" في مصر، التي تحمل أفكاراً مثيرة للقلق وغير مألوفة، لعل أبرزها ما أثير أخيراً بعد تداول مقاطع مصورة لصب الماء المغلي أو الشاي فوق يد المراهقين، بزعم قياس قوة تحملهما واختبار مدى الترابط والعلاقة بين الشخصين، والادعاء بأن سحب اليد سريعاً دليل على ضعفها، بينما الصمود أمام الحرارة يعد برهاناً على قوة الصداقة، وهو ما أثار حالاً من الغضب والاستياء بين أوساط الرأي العام وصاحبها استنكار دار الإفتاء المصرية، التي أكدت أن "إيذاء النفس باسم اختبار الصداقة محرم شرعاً ومخالف لمقاصد الشريعة".

الواقعة السالفة الذكر، أعادت إلى الأذهان سلسلة الترندات التي جرى تداولها عبر منصة "تيك توك"، وأثارت جدلاً واسعاً، فخلال أكتوبر (تشرين الأول) 2022، انتشر على التطبيق تحد جديد يعرف باسم "تحدي كتم النفس"، أو ما أطلق عليه "لعبة الموت"، ولاقي رواجاً بين طلاب المدارس المصرية، تعتمد فكرته على أن يتنفس الشخص بسرعة كبيرة ثم يكتم نفسه بعدها، ليقوم زملاؤه بالتجمع حوله ويضغطوا على صدره وقلبه مما يجعله عرضة للإغماء خلال دقائق نتيجة عدم وصول الأوكسجين للمخ والقلب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته، تسبب تحدي "القذف إلى أعلى" الذي انتشر بصورة واسعة على تطبيق "تيك توك"، ويعتمد على إطلاق الفرد إلى أعلى وطرقه حتى السقوط على الأرض لمعرفة مدى قوة تحمله، في نتائج كارثية وإصابات لأحد طلاب بالمدارس نتج منه كسور في النخاع الشوكي والعمود الفقري. وتعالت خلال الفترة نفسها تحذيرات أيضاً من لعبة "تشارلي - قطع الشرايين"، التي تحض على العنف.

تكرار ظهور تلك الترندات على فترات متباينة، فرض تساؤلات عدة، حول أسباب تنامي تلك الظواهر سريعاً والأبعاد النفسية والسلوكية لها، فهل أصبح تطبيق "تيك توك" مفرخة للترندات المفزعة والمثيرة للقلق للمصريين سعياً لكسب الأرباح واللايكات؟ وكيف يمكن تلافي آثارها الكارثية؟ وهل القوانين قادرة على مجابهة الجرائم الناجمة عنها؟

أفكار لكن شاذة

يرجع استشاري الصحة النفسية الدكتور وليد هندي الهوس بترندات "التيك توك"، وبخاصة التي تنطوي على أفكار شاذة وغريبة مجتمعياً، إلى أسباب عدة رئيسة أبرزها يكمن في شعور عدد من الأطفال والمراهقين بالعجز عن إثبات الذات، مما يدفعهم إلى خوض تجارب محفوفة بالأخطار، إما بالاشتراك في ألعاب خطرة أحياناً أو تحديات لا تتلاءم مع قيم وهوية المجتمع، أو نتيجة تأثير جماعة الأقران عليهم وتحفيزهم على الرغبة في التقليد والمشاركة في تلك الألعاب "الكارثية"، بحسب وصفه.

الجانب الأخطر، في تقدير هندي، يكمن في نوعية المحتوى الذي يتناقلونه في ما بينهم، إذ ينساقون للتجربة في كل ما يرونه دون وعي أو إدراك حقيقي، ولا يستطيعون التمييز بين المحتوى الهادف والهابط، منوهاً بأن تلك الشرائح العمرية غالباً ما تتأثر سلباً بالمحتوى الذي يعرض على تلك المنصات، نظراً إلى كون مراكز التحكم واتخاذ القرار بالمخ لديهم تكون غير مكتملة، ولم تصل إلى مرحلة النضج الكامل، بالتالي يميلون إلى التجربة بنوع من الاندفاعية والتهور.

 

يضيف استشاري الصحة النفسية، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن ما يعزز من انتشار تلك المظاهر السلبية بين الأطفال والمراهقين، الأجواء الأسرية التي تربوا فيها، لا سيما إذا كانت تفتقر للأمان النفسي نتيجة انفصال أحد الوالدين أو تعرضهم للضرب والإهانة خلال مراحل عمرية مبكرة أو افتقادهم للدفء الأسري، إذ تتضاعف لديهم الرغبة في السعي وراء الترند من أجل كسب الإشادات واللايكات والإعجاب لتعويض جوانب النقص الشعورية، إضافة إلى عدم وجود قضايا محورية ينشغلون بها مما يجعل العالم الافتراضي بكل صوره الملاذ الآمن لهم عن العالم الواقعي.

يتطابق ذلك مع ما أظهره تقرير صادر عن منصة "تيك توك" منتصف يناير (كانون الثاني) الجاري، إذ جرت إزالة أكثر من 3.02 مليون فيديو خلال الربع الثالث من عام 2025 في مصر لمخالفتها إرشادات المجتمع، وحققت معدل حذف استباقي بلغ 99.6 في المئة، مما يضمن رصد وحذف الغالبية العظمى من المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من قبل المستخدمين، وجرى حذف 95.8 في المئة من المحتوى المخالف خلال أقل من 24 ساعة، وعلى صعيد البث المباشر حظرت "تيك توك" 197.88 ألف مضيف بث مباشر، وأوقفت 834.24 ألف بث مباشر لمخالفة سياسات المنصة.

ووفق التقرير، حققت المنصة أعلى نسبة على الإطلاق في حذف المحتوى المخالف باستخدام التقنيات الآلية خلال الربع الثالث، بواقع 91 في المئة من المحتوى المحذوف، إلى جانب تسجيل أعلى معدل حذف استباقي بلغ 99.3 في المئة للمحتوى الذي جرى رصده وحذفه قبل إبلاغ المستخدمين عنه، وسجلت المنصة أعلى نسبة تاريخية لحذف المحتوى خلال أقل من 24 ساعة، التي وصلت إلى 94.8 في المئة، وحذفت أكثر من 22 مليون حساب يشتبه في عودتها إلى أشخاص دون سن 13 سنة على مستوى العالم.

هل يعيش مراهقو مصر معاناة نفسية؟

وفي تقدير استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز فإن ظهور تلك الترندات المثيرة للقلق، مثل "الماء المغلي" و"كتم الأنفاس"، ناتج من معاناة نفسية وسلوكية لبعض الأطفال والمراهقين، مثل "اضطراب الشخصية الحدية" والميل للعنف والقسوة والعدوانية والشعور باللذة والاستمتاع بتعذيب الآخرين، إضافة إلى الشخصيات السيكوباتية التي لا تهتم بسلوكاتها، بالتالي تتصرف بصورة غريبة عن المجتمع.

يضيف فرويز، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن "تيك توك" أصبح أرضاً خصبة لكل الأفكار، ومنصة خطرة في توجيه السلوكات لتلك الشرائح العمرية، وهو ما يفسر سبب انتشار الجرائم الناجمة عنها أحياناً، منوهاً بأن الشريحة الأكبر من مستخدمي "تيك توك" لديهم قواسم مشتركة، مثل الميل إلى لفت الانتباه وكسب التعاطف والمبالغة في تقليد الآخرين أملاً في كسب المشاهدات واللايكات وزيادة أعداد المتابعين ونسب الإعجاب. وأردف "الإفراط في استخدام تلك المنصات والتصفح السريع للمحتوى يؤدي إلى إجهاد الخلايا العصبية المخية ويؤثر سلباً في الذاكرة ومعدلات التركيز وزيادة العصبية المفرطة، مما يجعل سلوك الشخص عدوانياً بصورة غير مبررة، ويرتكب جرائم دون أن يشعر نتيجة تلك التأثيرات".

 

وفي اعتقاد المتخصص في علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة هالة منصور، فإن بزوغ تلك الترندات "المرعبة مجتمعياً" يرتبط في المقام الأول بالبعد الاقتصادي، نتيجة عدم إحساس بعض الشباب بالأمان المادي في ظل الظروف والأوضاع الاقتصادية الراهنة، فتصبح لديهم رؤية مشوهة نحو المستقبل ويلجؤون إلى تفريغ شحناتهم السلبية وضغوطهم في بدائل أخرى، مثل التوجه نحو الإفراط في استخدام منصات التواصل الاجتماعي وتجربة ألعاب قد تكون خطرة والمشاركة في تجارب لا تتناسب مع هوية المجتمع وقيمه، مردفة "بعض الشباب أصبحوا يبحثون عن الاستسهال والحصول على الأرباح والمكاسب المالية دون بذل أي مجهود، أسوة بما حققه زملاؤهم في هذا المجال".

وتعدد منصور، خلال حديثها إلى "اندبندنت عربية"، أسباباً أخرى لانتشار تلك الظواهر المريبة، مثل رغبة بعض الشباب والمراهقين في لفت النظر بأية وسيلة والرغبة في مخالفة كل ما هو مألوف مجتمعياً، والبحث عن الشهرة والفرقعة، ومخالفة أية معايير موضوعية سعياً وراء الترند والمكاسب السريعة، مشيرة إلى أنه ينبغي النظر بجدية للنتائج الناجمة عن تلك القضية.

غياب الرقابة والتوجيه الأسري

وعن ارتباط تلك الترندات بحدوث جرائم مجتمعية، تقول الدكتورة الشيماء علي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إن منصة "تيك توك" تسببت في إعادة تشكيل الوزن النسبي لمؤسسات التنشئة بالمجتمع المصري، إذ أصبحت أفكار الأطفال والمراهقين تتشكل عبر لايفات "السوشيال ميديا" التي تبث من خلالها وليس الأسرة أو المدرسة مثلما كان خلال فترات سابقة، مشيرة إلى أن تلك الشرائح العمرية الصغيرة باتت منفصلة عن الإعلام التقليدي والقنوات التلفزيونية بكل أشكالها وصورها، وأصبحت لا تشاهد سوى ما يعرض عليها فقط عبر "السوشيال ميديا".

وأفصحت الشيماء عن إعداد المركز دراسة بحثية على الأطفال في سن (9 - 15 سنة) عن معدلات استخدام منصات التواصل الاجتماعي والفئات المستهدفة، وأظهرت أن منصة "يوتيوب" هي الأعلى في نسب المشاهدة تليها منصة "تيك توك"، وهو ما يبرز جلياً حجم التأثير الكبير لتلك المنصة على عقول تلك الفئات ومدى التأثير فيهم، مضيفة "الأسر قديماً كانت تتجمع أمام التلفزيون لمشاهدة فيلم أو مسلسل درامي، لكن حالياً أصبحت منصات التواصل الاجتماعي الأكثر استحواذاً على الاهتمامات ونسب المشاهدة داخل المنزل وخارجه".

 

ووفق إحصاءات رسمية، بلغ عدد مستخدمي منصة "تيك توك" ما يقارب 41.3 مليون حساب أوائل عام 2025، مقارنة بـ32.9 مليون عام 2024، لتصبح مصر في المركز الـ11 عالمياً.

وترى الشيماء أن الجانب الأخطر في تلك القضية يكمن في أن تلك المنصة تبث محتويات وأفكاراً شاذة ومتطرفة وغير مألوفة وليست آمنة على الأطفال والمراهقين، مستغلة حال الفراغ لدى تلك الفئات، مما ينعكس على سلوكاتها ويتسبب أحياناً في نتائج صادمة، مطالبة بضرورة أن يجري إعادة النظر في نشاط تلك المنصات حتى لو باقتصار استخدامها على أعمار معينة يكون لديها الوعى والإدراك الكامل، وأن تقوم الأسرة والمدرسة مجدداً بدورهما في عمليات الرقابة والتوجيه وانتقاء المحتويات الهادفة وممارسة الرياضة وإعادة التركيز على القضايا المعمقة لا السطحية الهامشية، مشيرة إلى أن تلك القضية في حاجة إلى فتح نقاش مجتمعي جاد حولها لمعرفة الحد الفاصل بين الحرية الرقمية في استخدام تلك المنصات والضوابط الأخلاقية المرتبطة بها لمنع مخالفة القوانين المجتمعية.

ماذا عن القانون؟

وفي شأن آليات المجابهة القانونية لتلك الترندات والنتائج الناجمة عنها، يقول مدير مباحث الإنترنت السابق اللواء علي أباظة إنه يصعب تحجيم استخدام منصة التواصل الاجتماعي "تيك توك"، واقتصار مشاهدتها على سن معينة نظراً إلى عدم وجود تشريع برلماني يقر بذلك، إضافة إلى أن فكرة المشاركة في تلك المنصات قرار شخصي لصاحبها وليس مفروضاً عليه، مردفاً "نعيش عصر السماوات المفتوحة والانفتاح الهائل على استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يستوجب رقابة شديدة لمنع تسلل الأفكار الشاذة أو الغريبة لعقول الأطفال والمراهقين".

ويوضح أباظة، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن مصر تمتلك إطاراً تشريعياً متكاملاً لمكافحة كل صور الجريمة الإلكترونية، إضافة إلى أدوات رصد وتتبع لحظي لمجابهة كل الترندات الخطرة والمثيرة للقلق، التي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى ارتكاب جرائم مجتمعية، منوهاً بأن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لعام 2018 المنوط له مكافحة تلك النوعية من الجرائم بكل أشكالها وصورها، كما أن هناك قوانين أخرى لديها عقوبات صارمة في أية جرائم لا ترد في نص ذلك القانون، مثل استخدام منصات التواصل الاجتماعي في الاتجار بالبشر أو الاستغلال الجنسي أو الابتزاز أو نشر أعمال منافية للآداب العامة أو استغلال الأرباح في جرائم غسل الأموال.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات