Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوكيو ميشيما يكتب الموت بأسلوب ياباني صرف

في مجموعته "موت في منتصف الصيف" قصص زوال وتلاشٍ ومحاولات عبثية لاستعادة السيطرة على الحياة

الروائي الياباني يوكيو ميشيما (مؤسسة ميشيما)

ملخص

صدرت بالعربية حديثاً مجموعة قصصية للياباني يوكيو ميشيما بعنوان "موت في منتصف الصيف" ترجمة إسكندر حبش (دار الساقي، 2024). ويوكيو ميشيما هو الاسم الأدبي للكاتب الياباني كيميتاكي هيراوكا (1925- 1970) الذي كان روائياً وشاعراً وكاتباً مسرحياً يابانياً والذي ليس مجهولاً لدى القارئ العربي بفضل ترجمة لعدد كبير من أعماله عن لغات وسيطة وليس عن اليابانية.

ذاع صيت ميشيما أدبياً وعُرف أكثر ما عُرف بروايته "اعترافات قناع" التي وضعها عام 1949 هو الذي تم ترشيحه عدة مرات لنيل جائزة نوبل للآداب قبل انتحاره. ثم تلت رائعته هذه أعمال أخرى منها: "بعد الوليمة" و"خيانة الفضيلة" و"الموسيقى" و"سقوط الملك" و"الجياد الهاربة" و"ألوان محرمة" و"صوت الأمواج" و"المعبد الذهبي" وغيرها، وطبعاً رباعيته "بحر الخصوبة" التي عبر فيها عن فلسفته للحياة والتي أنهى كتابتها قبيل انتحاره.

يُعد ميشيما من أبرز الكتاب اليابانيين الذين عاشوا في القرن العشرين، وقد اتسم أدبه بما تتسم به النصوص اليابانية عموماً من ميل إلى التطرق إلى دواخل الإنسان الروحية والعاطفية مع اختزال شديد بالوصف ونقل لكثير من عادات المجتمع الياباني وأصول التعامل فيه. ويُعد ميشيما مؤلفاً متمرداً مثيراً للجدل في الأدب الياباني. ومما يُذكر عنه انتحاره بطريقة السيبوكو بعد قيادته لمحاولة انقلاب فاشلة. وطريقة السيبوكو طريقة شائعة بين مقاتلي الساموراي الذين كانوا يلجؤون إليها لتفادي الوقوع في أيدي العدو أو لمسح عار الهزيمة.

نُشرت المجموعة القصصية "موت في منتصف الصيف" أولاً في أكتوبر (تشرين الأول) 1952، وهي مؤلفة بالأساس من عشر قصص باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وقد اعتبرت "النيويورك تايمز" في عام 1966 هذه المجموعة بأجزاء كثيرة منها نوعاً من "دراسة اجتماعية تغوص في أعماق النفس البشرية المظلمة". لكن اللافت أن الترجمة العربية عن دار الساقي لم تحمل سوى خمس قصص مرتبة ترتيباً كرونولوجياً من أصل العشرة الموجودة بالنسختين الإنجليزية والفرنسية، ثانيتها هي القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، أما لماذا تمت ترجمة خمس قصص فقط إلى العربية فهو سؤال يُطرح ويبقى معلقاً.

الموت بمختلف أوجهه

يلاحظ قارئ المجموعة القصصية اليابانية "موت في منتصف الصيف" أن جو السرد في القصص الخمس إنما هو الاضمحلال والتلاشي والزوال. فإن كان الموت بحد ذاته هو ثيمة القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، فهو يظهر بأوجه أخرى وتجليات أخرى في القصص الأربع الباقية.

يروي السرد في القصة الأولى من المجموعة وعنوانها "رحلة مضجرة" قصة امرأة متقدمة في السن تحاول جاهدة الحفاظ على جمال جسدها وجمال وجهها إنما عبثاً. فيرد في النص: "نظرت السيدة كورومازاكي إلى الحديقة وهي ترمش عينيها. كانت تعاني من قصر النظر، ولكي تبدو مغناجة، لم تضع نظارات قط. أصيبت بوزن زائد، وخوفاً من إصابتها بذقن مزدوج، اضطرت إلى وضع طوق لتصليب رقبتها". (ص20) هوس بالمحافظة على جمال الجسد وشبابه يفضح الخسارات الكثيرة التي منيت بها هذه المرأة. محاولات فاشلة يتوقف عندها السرد ويُظهر أنها لا تفعل شيئاً سوى إثارة الشفقة حول المرأة المسكينة. تُضاف إليها خساراتها في مجال الحب هي التي تشتري بمالها حب شباب صغار في السن ومحتاجين، فتنجح مرة وتفشل مرات.

أما القصة الثانية "موت في منتصف الصيف" فهي قصة الموت بامتياز. يختار ميشيما أن يستهل قصته هذه ببيت للشاعر الفرنسي شارل بودلير من ديوان "الفراديس المصطنعة" هو: "الموت يؤثر فينا بشكل أعمق تحت هيمنة الصيف البهية". (ص51). فمن يتوقع أن يموت ثلاثة أفراد من عائلة واحدة على الشاطئ وفي خلال العطلة الصيفية؟ من يتوقع أن تخسر امرأة طفليها وشقيقة زوجها بينما تأخذ قيلولة الظهيرة؟ لتأتي الشمس وتتحول إلى رمز للموت تماماً كما في حال رواية "الغريب" لكامو التي تتحول فيها الشمس إلى مرادف للقتل والجريمة والفناء الذي لا مفر منه.

أما القصة الثالثة "اللؤلؤة" فتُظهر موقفاً غريباً يعكس بامتياز طريقة تفكير النساء وحياءهن في المجتمع الياباني، فعندما تضيع لؤلؤة في حفل عيد ميلاد تتوتر النساء وتروح الواحدة منهن تتهم الأخرى. فمن منهن المسؤولة فعلاً عن اختفاء اللؤلؤة؟ ولماذا هذا التركيز على لؤلؤة وتحويل مناسبة اللقاء السعيدة إلى "موقف محرج للغاية" (ص122)؟

تعالج القصة الرابعة بدورها فقدان الحب وزواله وعنوانها "صبيحة حب طاهر". فبينما تعجز المرأة المتقدمة في السن عن استعادة شبابها والقدرة على اجتذاب الشبان في القصة الأولى من المجموعة، يجد القارئ نفسه في هذه القصة أمام زوجين يعمدان إلى الحيلة لينجو حبهما من الفناء بعد عشرين سنة زواج. حيلة غريبة وغير متوقعة يلجأ إليها الثنائي لتتحول قبلاتهما التي خبا وهجها منذ سنوات إلى قبلات جميلة حميمية مفعمة بالمشاعر والشغف.

لتبقى القصة الخامسة والأخير من هذه المجموعة بنسختها العربية قصة قد تكون ذاتية، تتناول هوس أحد القراء بكاتبه المفضل واقتحامه بيته وتحوله في غمضة عين من قارئ شره إلى مجرم خلف القضبان يواجه سنوات طويلة في السجن.

أسلوب محايد وبارد

تتطرق مجموعة "موت في منتصف الصيف" إلى موضوعات الخسارة والانهزام والعلاقات المتوترة. قصص فقدان ومحاولات عبثية للسيطرة على الحياة والتفلت من براثن الزمن والاضمحلال تنتهي جميعها بهزائم جديدة. تنجح هذه القصص بإدخال القارئ إلى عالم ميشيما الظلامي المتشائم. واللافت أن أسلوب الكاتب بارد محايد بالكاد يحمل أي تفاصيل عاطفية أو متعاطفة مع الشخصيات. فلا يوظف ميشيما في أي مرحلة الإطناب أو الوصف الدقيق على رغم ما تحتمله الموضوعات المعالجة من توقف عند الدواخل البشرية الممزقة والمتهافتة.

إنسيابية في السرد لا تضارعها إنسيابية خارج الأدب الياباني، فمن يقرأ هذه القصص سيعرف أنها تنتمي إلى الأدب الياباني مباشرة من خلالها لغتها المباشرة وأسلوبها السريع وابتعادها عن الانغماس في المشاعر. لا تنتج من اللغة إثارة ولا تشويق ولا غموض، لكن ذلك لا يعني أن هذه العناصر غير موجودة. يلاحظ القارئ أن الإثارة والتشويق والغموض موجودة في النص بسبب الاقتضاب والاقتصاد في الوصف والبساطة في نقل الواقع. لا زخرفات ولا إطالة ولا إمعان في التوقف عند مزايا الشخصيات إنما مع ذلك يشعر القارئ أنه قريب من هذه الأخيرة ويفهم صراعاتها الداخلية ومكامن وجعها الروحي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إذا نظرنا عن قرب إلى قصة "موت في منتصف الصيف" وجدنا أن ألم الأم على فقدان ابنيها غير موجود ولا موسع ولا يصور حتى 10 في المئة من ألم أم في الحياة الحقيقية. على العكس، يحول الوصف الأم إلى كتلة من اللامشاعر، فيرد عن الأم عندما تتلقى خبر الوفاة في البداية: "شعرت توموكو بالإرهاق وقد استولى عليها الإحساس بنوع من الفراغ الذي لا يخلو من الحلاوة. لم تكن حزينة. فكرت في الأطفال". (ص61).

لا عواطف جارفة في الوصف على أن الموضوعات المطروقة تحتمل الكثير من الوصف والسوداوية في الكتابة. يلاحظ القارئ كذلك أن الحبكات الموجودة في القصص الخمس وطريقة تطور أحداثها إنما هو ياباني النزعة بامتياز من حيث الضآلة في تقديم التفاصيل وتقديم الشخصيات والفتح في القفلات النهائية.

"موت في منتصف الصيف" مجموعة يابانية بامتياز يتجسد فيها المجتمع الياباني بعاداته وبطرق تعامل أهله مع بعضهم في أصغر التفاصيل، فترد مثلاً في القصة الأولى جملة تشير إلى المعتقدات المحلية والتوجس السائد من النحس ومن الخرافات عندما تقول الشخصية: "ثلاثة؟ لا ينفع هكذا أبداً. لا ينفع أن نكون ثلاثة في الصورة، سيجلب ذلك النحس". (ص18) نذكر كذلك في القصة الثانية مشهد التقاء الزوجة بزوجها، فيرد: "شدت الكيمونو على جسدها وركعت أمامه بطاعة. [...] لم يكن يريد أن يراه المدير وهو يضع يده على كتف زوجته ليريحها. سيكون ذلك أسوأ من السماح باكتشاف أسرار الكوة الأكثر حميمية". (ص72-73). كثير من الخفر والحياء تنقله المشاهد ويتلمسه القارئ عبر السرد العفوي السريع لتكون مجموعة "موت في منتصف الصيف" مجموعة فيها الكثير من التلميح في الوصف ولا تصريح بتاتاً. حالات حزن وميلانكوليا وأزمات وجودية وحياتية عميقة تسيطر على القصص وتحول أبطالها إلى أشخاص مهزومين غلبهم الوقت والموت والصيف.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة