Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القصف الواسع على إيران يخلف أثرا بيئيا كارثيا

رصد العلماء أكثر من 300 حادثة شهدت 232 منها مستويات تلوث مختلفة

غالباً ما تعاني المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان والأهواز مستويات خطرة من تلوث الهواء (أ ف ب)

ملخص

لا تقتصر أضرار القنابل الحديثة على تدمير المباني فحسب، فعندما تضرب المتفجرات المناطق الحضرية، فإنها تفتت الخرسانة والمعادن والأسفلت ومواد العزل إلى جزيئات متناهية الصغر، كثير منها تكون شظايا خفيفة بما يكفي لترتفع في الهواء وتبقى عالقة فيه لساعات أو حتى أيام.

عادة ما تناقش الحروب من منظور سياسي أو استراتيجي عسكري أو قانوني إنساني، لكن ثمة قضية أخرى بالغة الأهمية، لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام، ألا وهي تأثير النزاعات المسلحة في البيئة، ولا سيما الغلاف الجوي.

في المناطق التي تشهد بالفعل عواصف رملية وترابية متكررة، يمكن أن تفاقم الحروب المشكلات البيئية، إذ يمكن أن تطلق الانفجارات كميات هائلة من الجسيمات في الهواء، والتي تحملها بدورها أنظمة الغبار القائمة لمسافات طويلة، وتقدم إيران مثالاً واضحاً على كيفية تفاعل هذه العمليات حالياً.

إلى جانب ذلك رصد العلماء في الصراع الدائر حتى الـ10 من مارس (آذار) الجاري، أكثر من 300 حادثة، خضع 232 منها لتقييم أخطارها البيئية، وتشمل الحوادث مجموعة متنوعة من المنشآت، ذات مستويات تلوث مختلفة، من المستشفيات إلى مستودعات الإطارات ومصافي النفط، التي تنعكس بصورة كارثية على البيئة.

دولة تعيش مع العواصف الترابية

تقع إيران في إحدى المناطق الرئيسة في العالم المعرضة للعواصف الترابية، وتشهد أجزاء كثيرة من البلاد بانتظام عواصف رملية وترابية شديدة، وتزداد هذه العواصف تواتراً بسبب التصحر، وفترات الجفاف الطويلة، وجفاف البحيرات والأراضي الرطبة.

وغالباً ما تعاني المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان والأهواز مستويات خطرة من تلوث الهواء، ويأتي جزء كبير من هذا التلوث من جزيئات الغبار الدقيقة في الهواء، وهذه الجزيئات صغيرة بما يكفي لدخول الرئتين ومجرى الدم، وترتبط بأمراض الجهاز التنفسي والقلب.

تبدأ العواصف الترابية غالباً في التربة المتدهورة وقيعان البحيرات الجافة، ويمكن للرياح القوية أن تحمل هذه الجزيئات في الهواء لمسافات تصل إلى مئات أو حتى آلاف الكيلومترات، وحتى من دون نزاعات مسلحة، تشكل العواصف الترابية بالفعل مشكلة بيئية خطرة في منطقتنا، إذ تؤدي هذه العمليات إلى تدهور جودة الهواء، وإلحاق الضرر بالزراعة والبنية التحتية، وتكبد الصحة العامة كلفاً باهظة، وعندما يقع قصف واسع النطاق في مثل هذه البيئة، قد تتفاقم الأخطار البيئية بصورة كبيرة.

القصف كمصدر للعواصف الترابية

لا تقتصر أضرار القنابل الحديثة على تدمير المباني فحسب، فعندما تضرب المتفجرات المناطق الحضرية، فإنها تفتت الخرسانة والمعادن والأسفلت ومواد العزل إلى جزيئات متناهية الصغر، كثير منها تكون شظايا خفيفة بما يكفي لترتفع في الهواء وتبقى عالقة فيه لساعات أو حتى أيام.

ونتيجة لذلك فإن السحب الناتجة من القصف المكثف ليست مجرد دخان، بل تحوي مزيجاً معقداً من الجزيئات الدقيقة، بما في ذلك الخرسانة المسحوقة وغبار السيليكا، والمعادن الثقيلة من مواد البناء والإلكترونيات، والتلوث الناتج من احتراق الوقود والبلاستيك، والمواد الكيماوية الصناعية المنبعثة من المنشآت المتضررة.

 

 

وتعتبر العواصف الترابية أنظمة نقل طبيعية فعالة، إذ تستطيع الرياح القوية رفع جزيئات الغبار العالقة من الأرض ونقلها عبر مساحات شاسعة، ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الرياح لا تميز بين غبار الصحراء الطبيعي والحطام الملوث الناتج من الحرب، فإذا ما تسبب القصف في انتشار كميات كبيرة من الأنقاض الناعمة في مدينة ما، فإن هبات الرياح اللاحقة قد تعيد رفع هذه الجزيئات إلى الهواء، بعبارة أخرى، يمكن أن يصبح الغبار الناتج من الحرب جزءاً من دورة الغبار الطبيعية في المنطقة، وتشير البحوث العلمية من مناطق نزاع أخرى إلى أن الحطام الملوث قد يبقى في التربة والأنقاض فترة طويلة بعد انتهاء القتال.

يمكن لكل عاصفة رياح قوية أن ترفع بعض هذه الجزيئات مرة أخرى، مسببة موجات متكررة من التلوث الجوي، وفي المناطق التي تشهد عواصف ترابية متكررة، يمكن لهذه العملية أن تفاقم بصورة كبيرة الأثر البيئي للحرب، وإذا ما أخذنا طهران كمثال، فسنجد أنها تعاني بالفعل تلوث هواء حاداً، لذا فإن إضافة كميات كبيرة من غبار الحطام إلى البيئة يمكن أن يدفع مستويات التلوث إلى مستويات خطرة للغاية هناك.

التلوث الناتج من المواقع والمعدات العسكرية

استهدفت غالبية الضربات الأميركية والإسرائيلية المبلغ عنها خلال المرحلة الأولى من عملية "ملحمة الغضب" قواعد صواريخ ومطارات ومنشآت وسفناً بحرية ومستودعات أسلحة ومواقع إنتاج عسكري في جميع أنحاء إيران، وعلى رغم أن كثيراً من المواقع العسكرية المستهدفة تظهر انفجارات وحرائق ثانوية، فإن هذه الهجمات نادراً ما تدمر جميع المواد الخطرة، وقد تولد تلوثاً إضافياً، وتشمل الملوثات المحتملة الوقود والزيوت والمعادن الثقيلة والمركبات النشطة، بينما يمكن أن تطلق الحرائق الديوكسينات والفيورانات.

وتقع كثير من المنشآت العسكرية الإيرانية الكبيرة في المناطق الريفية أو تحت الأرض، مما يعقد تقييم الأضرار ويقلل من أخطار تعرض السكان لها، بينما تقع مواقع أخرى قرب المدن، مما يزيد من أخطار تعرض العامة للملوثات الناتجة من النزاع.

وتعد طهران مثالاً واضحاً على مدى تداخل البنية التحتية العسكرية الإيرانية مع المناطق المدنية، فقد شهدنا قصفاً أو استهدافاً صاروخياً في المدينة، ويؤثر التخطيط العمراني والجغرافيا في طهران بصورة كبيرة في حركة ملوثات الهواء، فالمدينة التي يزيد عدد سكانها على 10 ملايين نسمة محاطة بسلسلة جبال "ألبرز"، التي غالباً ما تحبس الضباب الدخاني والتلوث داخل المدينة، كذلك تعوق المباني الشاهقة تدفق الرياح، مما يقلل من تشتت ملوثات النزاع ويفاقم تلوث الهواء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشكل المنشآت الصاروخية المتضررة مصدر قلق بالغ، لا سيما أن إيران تشغل صواريخ باليستية تعمل بالوقود الصلب والسائل، وبعض أنواع الوقود السائل مثل "ثنائي ميثيل هيدرازين غير المتماثل" و"حمض النيتريك الأحمر المثبط" المستخدم في أنظمة صواريخ "سكود" شديدة السمية، وقد شكلت هذه المواد سابقاً تحديات خطرة في إدارتها والتخلص منها في مناطق نزاع أخرى.

وتشكل مستودعات الأسلحة التقليدية أخطاراً بيئية عند استهدافها، إذ يمكن أن يؤدي التدمير غير الكامل للذخائر إلى تلوث المناطق بالمعادن الثقيلة والوقود والمتفجرات السامة، بينما يمكن أن تنتج الحرائق الديوكسينات والفيورانات وتطلق جزيئات دقيقة.

حوادث البنية التحتية للطاقة الأحفورية

تسيطر إيران ودول الخليج العربي على حصة كبيرة من إنتاج النفط والغاز العالمي، وقد لفتت الهجمات الإسرائيلية على أربع منشآت نفطية في طهران ومحيطها في السابع والثامن من مارس الجاري، انتباه العالم إلى التداعيات البيئية للحرب، بعدما تعرض سكان المدينة لمستويات تلوث خطرة، بما في ذلك "المطر الأسود" الناتج من تساقط السخام والملوثات من سحب الدخان.

ووقعت حوادث خطرة أخرى في مصفاة "رأس تنورة" السعودية وميناء الفجيرة الإماراتي، وأفيد بأن الحادثتين نجمتا عن طائرات إيرانية مسيرة، مما أدى إلى تصاعد أعمدة دخان كثيفة، وقد تحوي هذه الأعمدة جسيمات دقيقة وأكاسيد النيتروجين، وكذلك ثاني أكسيد الكبريت وأول أكسيد الكربون ومركبات عضوية سامة بما فيها الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وربما الديوكسينات مما يشكل أخطاراً صحية على المجتمعات الواقعة في اتجاه الرياح.

ويمكن أن تتسبب انقطاعات التيار الكهربائي التي أعقبت الهجمات على البنية التحتية للطاقة، كما حدث في مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، في أضرار ثانوية جسيمة، إذ يؤدي انقطاع التيار الكهربائي إلى تعطيل أنظمة السلامة والتسبب في تلوث صناعي.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات