Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل الرهبة من الجمهور ثقافية أم بيولوجية؟

متخصصون: الخوف من المنبر في العالم العربي مضاعف

يقول كساب، "الخوف من الوقوف أمام الجمهور هو خوف عالمي لا يقتصر على العرب وحدهم" (بيكسلز)

ملخص

الخوف من التحدث أمام الجمهور ليس مسألة فردية بسيطة، بل ظاهرة عالمية أكدتها دراسات عديدة، منها تقرير لـ"واشنطن بوست" عام 2014 الذي أظهر أن الأميركيين يخشون المنبر أكثر من الموت، لكن في العالم العربي يبدو هذا الخوف مضاعفاً لأنه يتغذى من عوامل بيولوجية طبيعية وأخرى ثقافية - اجتماعية - سياسية.

في عام 2014 نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريراً لافتاً عن أكثر المخاوف شيوعاً لدى الأميركيين. المفاجأة لم تكن في أن كثراً يخشون الأمراض أو الكوارث الطبيعية، بل في أن "الخوف من التحدث أمام الجمهور" تصدر القائمة، متفوقاً حتى على "الخوف من الموت". وقد أعادت الصحيفة نشر هذه الخلاصة في أكثر من مناسبة، مؤكدة أن الرهبة من الوقوف على المنبر ليست حالة فردية معزولة، بل قلق جماعي يشعر صاحبه بأنه عارٍ أمام جمهور يراقب كل كلمة وحركة.

هذا البعد البحثي يفتح الباب على نقاش أوسع: إذا كان "القلق من الجمهور" أو ما يعرف علمياً بـPerformance anxiety موجوداً في المجتمعات الغربية، ويتم التعامل معه بوصفه جزءاً من الصحة النفسية ومن مهارات المواطنة والتواصل، فكيف يترسخ في بيئات أخرى مثل العالم العربي؟ هل يبقى مجرد استجابة بيولوجية طبيعية؟ أم أن الثقافة، التربية، والسياسة تضاعف أثره وتحوله إلى وصمة اجتماعية تعرقل التعبير العلني؟ وعلى هذا السؤال انطلقت آراء المتخصصين.

 

الخوف وأنواعه

تشير الباحثة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ليلى شمس الدين إلى أن "دراسة لعبدالرحمن العليلي وأحمد الحازمي حول المجتمعات العربية توصلت إلى أن الخوف ليس مجرد إحساس نفسي، بل هو موجود ضمن كادر ثقافي وإداري منظم يستخدم للسيطرة على حياة الناس داخل المؤسسات والمجتمع"، وأوضحت "يجب التمييز بين أنواع عدة من الخوف: الخوف الوجودي الذي يعتبر أمراً عادياً ومألوفاً عند جميع الناس، والخوف المعرفي المتعلق بقبول أو رفض المعرفة والتعليم، وصولاً إلى الخوف القيمي الذي يترجم معيارياً أو قيمياً لفرض سلوك اجتماعي يكون مقبولاً بالنسبة إلى المجتمع". وأشارت إلى أن "رهبة الجمهور في بعض المجتمعات العربية تأتي نتيجة تربية اجتماعية مؤسسية تشتغل على كبت التعبير، وليس على مستوى الخوف الفطري فقط"، ولفتت إلى أن الدراسات والبيانات أظهرت أن "المجتمعات التي يسودها القمع تعيش حال خوف من التعبير السياسي، ويعود ذلك إلى برامج تربية قائمة على الخوف، ينشأ فيها الأفراد ويتربون عليها، مما يؤدي إلى ظهور ذاكرة خوفية متجذرة". ولفتت إلى أن "هذه الحالة تبين أن المجال السياسي أو الأيديولوجي يرسخ خوفاً طويل الأمد، يتجذر في الذات ويصبح تلقائياً، فيحد من حرية التعبير حتى عندما ينتقل الأفراد لاحقاً إلى بيئات أكثر انفتاحاً"، وشددت شمس الدين على أن "المقصود هو الخوف الثقافي وليس الخوف الطبيعي مثل خوف الخجل الذي يعد جزءاً من الطبيعة البشرية"، مؤكدة أنه "حتى خوف الخجل يتم تضخيمه أو تقييده تبعاً للثقافة الموجودة في المجتمعات والبيئات، وخصوصاً في المجتمعات العربية".

الخوف القيمي والانعزال الاجتماعي

وعن الحديث عن الخوف القيمي قالت "يعني التطرق إلى الاعتبارات الدينية والثقافية والاجتماعية، فمن يعمل بعكس المسار القيمي السائد في هذه المجتمعات قد يصبح معزولاً، مما يدفع الأفراد إلى الامتناع عن التعبير علناً عن آرائهم"، وأضافت أن "الخوف يصبح جزءاً من التربية الاجتماعية من خلال النظام القائم على القيم، إلى جانب كونه خوفاً مكتسباً عبر الذاكرة والتجربة، ويرتبط بالقمع السياسي والاجتماعي"، مؤكدة أن "هذا الخوف ليس مقتصراً على المجتمعات العربية، لكنه متجدد فيها أكثر، وهو خوف بشري مرتبط بالجماعات والعزلة وطرح الأفكار المختلفة عن السائد، خصوصاً في الفضاء العام". ورأت أن "منشأه ثقافي وتواصلي، وأنه يشكل ضغطاً اجتماعياً يؤدي إلى تعزيز هذا النمط"، ولفت إلى ان "الخوف ليس فقط بيولوجياً أو نفسياً، بل هناك أبعاد ثقافية واضحة تربط بين التلقين والخوف، وهناك أنواع متعددة من الخوف، لكن تراكم العوامل السياسية والتاريخية، إلى جانب بيئات حاضنة، يغذي هذا الخوف حتى يتحول إلى رهبة تسيطر على الفرد والمجتمع".

 

أثر النظام التعليمي العربي

تطرقت شمس الدين إلى تأثير النظام التعليمي العربي التقليدي، مشيرة إلى أن "الأنظمة التعليمية في العالم العربي متعددة ومتنوعة، بخاصة في دول مثل لبنان، حيث توجد مدارس وأنظمة أجنبية مختلفة"، ومع ذلك أشارت إلى أن تقارير صادرة عن مؤشر "تامي للإنسانية العربية" أظهرت أن الأنظمة التعليمية في المنطقة تعزز الطاعة والخنوع، وتكرس غياب التفكير النقدي. وأكدت أن "الطلاب في الجامعات يعتمدون على الحفظ والتلقين بدل النقد والتحليل، مما يعيد إنتاج عقلية خوف من الخطأ ويضعف قدرتهم على المناقشة والتفكير النقدي"، وأوضحت أن "دراسات عدة تناولت القلق من التحدث أمام الجمهور داخل التعليم، حتى عند استخدام اللغة العربية"، مبينة أن "الطلاب يعانون خوفاً ذاتياً من أن يتم تقييمهم سلباً من قبل زملائهم"، وأشارت إلى أن "هذا الخوف يزيد من التردد ويضعف الثقة بالأداء الشفهي، خصوصاً في ظل غياب النقاش التفاعلي"، مؤكدة أن "التعليم التلقيني يعزز القلق ويضعف الثقة، في وقت يخلق فيه التعليم التفاعلي بيئة أكثر أماناً للتعبير، ويعزز الثقة والفهم البناء". وتحدثت عن الصورة الاجتماعية، معتبرة أن الأدبيات البحثية تسميها "القيمة"، وأشارت إلى أن "المجتمعات العربية تشهد ارتفاعاً في أخطار الخجل والتردد في الظهور العلني"، وإلى أن هذه "الظاهرة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، إذ إنها نتاج عوامل متعددة: ثقافية وتربوية ومؤسساتية وسياسية ونفسية وبيولوجية محلية وعالمية".

العامل الثقافي والذاكرة الجماعية

رأت شمس الدين أن "دراسات إثنو-سوسيولوجية ولغوية على العالم العربي أظهرت أن الأمثال والتقاليد والطقوس اللغوية المرتبطة بالمحافظة على السمعة والكرامة تشكل قيمة اجتماعية مركزية"، لافتة إلى أن "التنشئة التربوية التقليدية والرقابة السياسية والاجتماعية والقوانين القمعية كلها تكثف الخوف، وتحوله إلى ذاكرة جماعية تجعل الناس يمارسون الحذر والامتناع عن التصريح العلني بآرائهم، تجنباً للخطر".

المقارنة مع الغرب

وأكدت أنه "لا يمكن القول إن العرب أكثر خجلاً بيولوجياً من الغرب، إذ إن الدراسات العابرة للثقافات أثبتت أن الاختلاف ليس بيولوجياً، بل في طبيعة التعبير عن الخوف ومضمونه"، موضحة أن "القلق الاجتماعي موجود في كل المجتمعات، لكن الاختلاف يكمن في المحفزات الثقافية التي تحدد مضمونه ومجاله"، وشددت شمس الدين على أن "هناك أبحاثاً عديدة تناولت ثقافة العيب والحياء والعار في المجتمعات العربية، وأظهرت كيف تشكل حاجزاً أمام التعبير العلني ومهارات الخطابة، وأن الأبحاث الحديثة في مجال الصحة النفسية تؤكد أن وصمة العار والخجل الاجتماعي مرتبطة بالامتناع عن الكشف عن المشكلات الذاتية والنفسية، مما يؤدي إلى تجنب المواقف التي قد تعرض الشخص للإحراج الاجتماعي، وأن دراسات ميدانية في فلسطين والأردن ومصر وغيرها وثقت استخدام العيب كأداة تنظيمية للسلوك الاجتماعي، تفرض عقوبات رمزية تحدد المقبول وغير المقبول".

 

عوامل الخوف الاجتماعي

أضافت أن "العوامل التي تفسر تأثير ثقافة العيب تشمل التنشئة الاجتماعية والتعليم التقليدي، إضافة إلى الضغوط الأسرية والقبلية التي تكرس قيمة الصورة كقيد اجتماعي، وأن العامل النفسي الشامل، المتمثل بالخوف من التقييم السلبي، موجود عالمياً، لكن في المجتمعات العربية يتمركز حول العائلة والجماعة، لا حول الفرد فقط. وأكدت أن القلق الاجتماعي ليس فطرياً، بل نتيجة هذه التراكمات التعليمية والسياسية والاجتماعية".

أثر وسائل التواصل الاجتماعي

أوضحت الباحثة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا أننا "أمام تأثير جديد بفعل وسائل التواصل الاجتماعي. فمن جهة، هناك ميدان خوف من الجمهور الافتراضي أمام الكاميرا وانتشار المحتوى بسرعة، ومن جهة أخرى هناك فضاءات للتجربة تقلل من هذا الخوف عند بعض الشباب المنفتحين رقمياً". وأشارت إلى أن الفرق بين العرب والغرب يتمثل بشدة العواقب الاجتماعية والسياسية والقانونية المحتملة.

دراسات حول الهوية الرقمية

لفتت إلى أحدث الدراسات في علوم الاتصال والاجتماع التي بحثت في كيفية تغير قواعد الظهور الذاتي لدى الشباب في الخليج والعالم العربي بفعل المنصات الرقمية، والدور الذي يلعبه المؤثرون في إعادة تشكيل المعايير الثقافية والدينية والاجتماعية، وأوضحت أن "هذه الدراسات أظهرت أن الشباب العرب يستخدمون استراتيجيات مختلفة لعرض الذات وتصفية المحتوى وفقاً للمعايير المحلية، بينما يؤثر فيهم بصورة كبيرة المؤثرون الذين يشكلون مرجعاً لقيمهم وسلوكياتهم".

وعما إذا كان الخوف من الجمهور قد تحول إلى الخوف من الكاميرا أكدت أن "الخوف الافتراضي يشكل أحياناً خطراً أكبر، إذ قد يؤدي انتشار فعل واحد بسرعة إلى وصمة دائمة أو مضاعفات شخصية ومهنية وحتى قانونية"، معتبرة أن "الحكم الرقمي يتكامل مع منطق العيب المحلي، لأن المجتمعات التي تعطي أهمية كبيرة للصورة العامة تجعل الحكم الرقمي أقوى، إذ يهدد مكانة الفرد داخل شبكته الاجتماعية ويؤثر في حياته العائلية والمهنية، وحتى على خيارات الزواج"، ولفتت إلى أن "الخوف من الكاميرا لا يلغي أشكال الظهور كلها، إذ نشأت ثقافة جديدة لدى الشباب تسمى ثقافة التجربة، من خلال متابعة المؤثرين وتقليدهم، مما ساعد بعض الفئات على اكتساب مهارات وتقليل رهبة الظهور"، وقال إن "دراسات عدة بينت أن المؤثرين يعدون مصدر تمكين وسلوكاً يحتذى لدى المراهقين". وخلصت شمس الدين إلى أن "منصات التواصل جعلت الخوف متعدد الأوجه: فهو خوف قديم من إحراج العائلة تحت مظلة العيب، وخوف جديد من الانتشار الرقمي والعقاب الافتراضي، يقابله فرص للتعلم والتجريب عبر المنصات". ولفتت إلى أن "الفروق بين الشباب العربي والغربي ليست بيولوجية، بل ثقافية، وترتبط بالعواقب الاجتماعية والفرص المتاحة للتدريب"، وعدت أن "غياب الدراسات الإحصائية العلمية في العالم العربي حول رهبة التحدث أمام الجمهور يعود إلى ضعف تقاليد البحث في العلوم الاجتماعية، وغياب التمويل والمراكز البحثية المستقلة، إضافة إلى اعتبار هذا الموضوع ثانوياً مقارنة بقضايا كبرى كالهوية والتنمية والسياسة"، مشيرة إلى أن "الدراسات العربية تبقى في معظمها وصفية أو سريرية، بينما في الغرب تعد رهبة الجمهور جزءاً من البنية الديمقراطية، ويجري التعامل معها كمؤشر اجتماعي ونفسي أساسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الخوف كاستجابة بيولوجية

بدوره أكد الاختصاصي في الطب النفسي أنطوني كساب أن "الخوف من الوقوف أمام الجمهور خوف عالمي، لا يقتصر على العرب وحدهم، بل يواجهه الأفراد في المدارس والجامعات وأي مكان يتطلب التعبير الشفهي أمام مجموعة"، لافتاً إلى أن "الدراسات تشير إلى أن نحو 70 إلى 75 في المئة من الناس قد يختبرون رهبة المسرح، وهي استجابة بيولوجية طبيعية تظهر عبر تسارع دقات القلب والتعرق والارتجاف، نتيجة مواد يفرزها الجسم عند التوتر، غير أن الثقافة الاجتماعية قد تزيد من حدة هذا الخوف أو تحد منه، إذ تركز التربية في المجتمعات العربية على الطاعة والامتثال، وتمنح الفرد هامشاً أضيق للتعبير عن الرأي والنقاش".

التعليم التلقيني وتعزيز الفشل

أضاف كساب أن "النظام التعليمي القائم على الحفظ يدرب الطالب على تكرار الإجابة المحفوظة، مما يخلق شعوراً بالفشل عند أي خطأ ويعزز خوفه من التحدث أمام الآخرين. في المقابل التعليم التفاعلي يمنح الطالب مساحة للنقاش والمشاركة، ويكسبه ثقة أكبر في التعبير عن آرائه".

وفي معرض حديثه عن خصوصية المجتمعات العربية، لفت كساب إلى أن "المجتمعات الجماعية مثل العالم العربي، تعطي أهمية بالغة للصورة الاجتماعية، إذ لا تعكس صورة الفرد نفسه فحسب، بل عائلته وبيئته. بالتالي، أي خطأ أمام الجمهور قد ينظر إليه كمساس بالجماعة كلها، مما يضاعف منسوب التوتر والخوف. أما في المجتمعات الفردانية فإن صورة الفرد تخصه وحده، وأخطاؤه تبقى شخصية، وقد تشكل حافزاً للتحسين بدلاً من أن تولد شعوراً بالعار".

ثقافة العيب كعائق أمام الخطابة

شدد الاختصاصي في الطب النفسي على أن "ثقافة العيب" لا تزال تشكل عائقاً أمام تعزيز مهارات الخطابة في العالم العربي، "فارتكاب خطأ علني أمام الجمهور قد يعد فضيحة تؤثر في سمعة الفرد ومحيطه، ما يولد شعوراً بالخجل ويدفع كثراً، وخصوصاً الطلاب الجامعيين، إلى تجنب التعبير الشفهي خوفاً من الوقوع في خطأ".

نقص الدراسات العربية

ختم كساب مشيراً إلى أن "الدراسات حول رهبة التحدث أمام الجمهور موجودة في العالم العربي، لكنها أقل تطوراً من مثيلاتها في الولايات المتحدة بسبب نقص التمويل والبنية التحتية، وضعف الاهتمام بالعلوم الاجتماعية والنفسية، كما أن الوصمة المرتبطة بالقلق والخوف تجعل البحث في هذه المواضيع أكثر صعوبة، ومع ذلك فإن الدراسات المنجزة في لبنان ودول عربية أخرى حول القلق والتوتر تشكل أساساً لرسم خريطة طريق لتحسين واقع الصحة النفسية وتعزيز قدرات الشباب".

المزيد من صحة