ملخص
حتى بين من يرون أن ستارمر يجب أن يرحل، لا يزال هناك غموض حول حكمة هذه الخطوة
خلال الأسبوع الماضي تداول نواب حزب العمال نكتة تعود إلى الحقبة السوفياتية عن ثلاثة مظاريف، تقول التعليمات، "كلما واجهت مشكلة افتحها بالترتيب. المظروف الأول: ألقِ اللوم على سلفك، تفعل ذلك، وتنجح، وسيبدو مسؤولو الحزب راضين، وبعد عام تعود المشكلات للظهور. افتح المظروف الثاني، فتجد: أعد هيكلة المنظمة. تجري تعديلاً واسعاً، تغير بعض المناصب، وتكسب مزيداً من الوقت، ثم تأتي أزمة جديدة، ومن ثم تفتح المظروف الثالث، فتجد: حضِّر ثلاثة مظاريف".
تقول "الغارديان" إن المعضلة بالنسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تكمن في أن النواب الذين يروون النكتة مقتنعون بأنه فتح المظروفين الأول والثاني بالفعل، إذ بات من الصعب العثور على أي شخصية داخل حزب العمال تجادل بأن الأمور تسير على نحو غير كارثي لحكومة ستارمر.
تضيف الصحيفة أن مخاوف النواب تتركز على أن محاولات معالجة الأزمات المتلاحقة التي واجهت رئيس الوزراء ستارمر خلال العام الماضي كثير منها نتيجة أخطائه الذاتية مثل قرار ضريبة الوقود الشتوية وقضية الهدايا المجانية والتعامل مع تخفيضات الرعاية الاجتماعية، والتي لم تُؤدِّ إلا إلى فوضى أكبر. وتشير إلى أن أحدث الأمثلة على ذلك كان إقالة السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون، فعلى رغم تحذيرات الوزراء من أن تاريخه المليء بالفضائح يجعله عبئاً أكثر من كونه ورقة رابحة، حتى عندما أعربت أجهزة الأمن، وفقاً للتقارير عن قلقها، مضى ستارمر في تعيينه.
وعلى رغم تحذيرات ماندلسون العلنية من أن مزيداً من رسائل البريد الإلكتروني "المحرجة" المرسلة منه إلى المدان في قضايا اعتداء جنسي على الأطفال جيفري إبستين على وشك النشر، دافع ستارمر عنه في جلسة أسئلة رئيس الوزراء.
ومع تكرار التشكيك في حكمه السياسي يتوجه أعضاء حزب العمال إلى ما يسمونه "رؤيته" لبريطانيا، والمشكلة أنهم لا يستطيعون تحديد ما يؤمن به رئيس الوزراء فعلياً. ويقول الحلفاء إنه لا يحب كلمة "رؤية" ولم يُخفِ يوماً كونه سياسياً غير أيديولوجي بالمطلق.
وبدلاً من ذلك يعتقد ستارمر أن على الحكومة أن تظهر التغيير عبر إحداث فرق ملموس في حياة الناس من خلال المدارس والخدمات الصحية الوطنية ونظام الهجرة والاقتصاد، حتى لو كان ذلك على خطوات بطيئة وتدريجية نسبياً.
وقال أحد الوزراء للصحيفة "الأمر ميؤوس منه. كثر من الناس يشعرون أن البلاد في تراجع، والطريق الوحيد للعودة هو حلول كبيرة وجذرية. نحن نفعل كثيراً من الأمور الجيدة، لكنها بالكاد تلاحظ. لا تصل الرسالة".
والسؤال الذي يطرح في غرف الشاي والبارات وممرات وستمنستر هو: هل ستارمر قادر على إيجاد الحلول التي يحتاج إليها البلد؟ وتزداد الإجابة لدى نواب حزب العمال "لا".
بالطبع هناك من يطالب بالهدوء، سواء في الحكومة أو المقربين من ستارمر. وقال أحد كبار الشخصيات في الحزب، "لا أعرف لماذا كل هذا الذعر. كير يمتلك غالبية كبيرة، وما زال أمامه أكثر من ثلاثة أعوام حتى الانتخابات المقبلة، ولديهم الوقت لتصحيح الأمور".
لكن الشك بدأ يرسخ، ليس فقط بسبب نقص الحكم السياسي أو الرؤية الأيديولوجية، أو خصوصاً عند المقارنة بكاريزما زعيم حزب "ريفورم يو كي" نايجل فاراج الشخصية، بل لأنه لم يمتلكها منذ البداية، فلا حزب حاكماً منذ الثمانينيات شهد انخفاضاً في استطلاعات الرأي بهذا القدر خلال عامه الأول في السلطة. ومع صعود حزب "ريفورم يو كي" يقلق نواب حزب العمال من أن الوقت ينفد.
هل هناك عمليات سرية لإزاحة رئيس الوزراء البريطاني؟
تقول الصحيفة إنه ليس من الغريب أو المفاجئ أن يشتكي النواب من قادة أحزابهم، أو أن يناقشوا نظرياً كيف يمكن استبدال شخص آخر بهم، لكن هذه المرة يبدو أن الأمر تجاوز مجرد الثرثرة العابرة، إذ تحدثت صحيفة "الغارديان" إلى نواب ووزراء، بما في ذلك على مستوى مجلس الوزراء ومسؤولين في الحزب، والذين أكدوا أن عمليات سرية لإزاحة رئيس الوزراء قائمة بالفعل.
وقال أحد النواب المشاركين في التخطيط إن الحديث لم يعد عن "إذا"، بل أصبح عن "من" و"كيف"، وأضاف أن عطلة الصيف، حين غابت الحكومة عن الساحة العامة وترك المجال لحزب "ريفورم يو كي" لتشكيل السرد، كشفت الحاجة الماسة لإحداث تغيير.
وقال نائب آخر، "قبل ذلك كان هناك كثر ممن يقولون إنه يجب علينا أن نجعل الأمور تعمل، لكن بعد العودة من الصيف تغير المزاج بصورة كبيرة". وأضاف، "الناس في دوائرهم الانتخابية يتلقون تعليقات سيئة للغاية. فاراج كان في كل مكان. المزاج العام كان: هذه كارثة حقيقية. لم يترك لنا شيء لنفعله. الحكومة تركت الملعب خالياً".
وينظر آخرون إلى التوقيت مع الرأي العام القائل إن انتخابات مايو (أيار) المحلية 2026، إذ تواجه ويلز وعشرات المجالس المحلية في شمال إنجلترا خطر السقوط في يد حزب "ريفورم يو كي"، فيما تظل اسكتلندا تحت سيطرة الحزب الوطني الاسكتلندي تمثل لحظة خطرة بصورة خاصة بالنسبة إلى ستارمر، لكن بعض المراقبين لا يعتقدون أن ستارمر قادر على البقاء حتى ذلك الحين، فبعد استجابة "داونينغ ستريت" البطيئة في أزمة ماندلسون وجه النواب الغاضبون غضبهم نحو رئيس موظفي مكتب رئيس الوزراء ماك سويني، ومع ذلك بالنسبة إلى معظمهم هو مجرد صاعق لكل غضبهم وخيبات أملهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال أحد وزراء حقبة بلير للصحيفة، "لست متأكداً حتى أن ستارمر سيصمد حتى مايو المقبل، المزاج متشائم للغاية، علاوة على أن الرسالة من جميع الجهات تقريباً كانت أن أي أزمة كبيرة أخرى مثل قضية أنجيلا راينر وبيتر ماندلسون ستؤدي إلى انفجار السد، لكن هذا حزب العمال، لذلك سنرى".
حزب العمال ليس معروفاً بإطاحة قادته كما يفعل المحافظون، فليس هناك لجنة 1922 لكتابة رسالة، ولا آلية تدفع لإجراء تصويت على الثقة، والحزب، بصورة ساخرة، يتصرف أكثر كالنادي الراقي، فإذا أجري تصويت على الثقة ونجح، قد يتوقع من القائد أن يفعل الشيء الشريف ويستقيل، لكن جيريمي كوربين لم يستقل عندما لم يؤيده 80 في المئة من نوابه.
وكشفت "الغارديان" عن أنه خلال عطلة الصيف اجتمع بعض النواب الطموحين من الدورة الجديدة بعيداً من وستمنستر لمناقشة الوضع الكارثي في استطلاعات الرأي. وكثر منهم لديهم مسيرة طويلة داخل حزب العمال أو قربه، ويعرفون جيداً الصعوبات الخاصة بنظام قيادة الحزب عندما يتعلق الأمر بإمكان إزالة زعيم غير محبوب.
ووفقاً لقواعد الحزب، ما لم تكن هناك شغور، يحتاج المتحدون المحتملون لدعم 20 في المئة في الأقل من النواب، أي هناك حد أدنى يبلغ 80 نائباً لبدء المنافسة، وستارمر سيكون تلقائياً على ورقة الاقتراع إذا رغب.
وبدلاً من ذلك، إذا لم تتحسن نسبة الموافقة الشخصية على ستارمر، فقد ينصحه حراسه البروتكتوريون، ربما بما في ذلك ماك سويني، بأنه حان الوقت للتنحي من أجل مصلحة البلاد، على رغم أنهم بذلك قد يفقدون وظائفهم أيضاً.
كيف سيطاح ستارمر؟
حتى بالنسبة إلى النواب الذين يشعرون بأنهم توصلوا إلى إجابة عن سؤال "كيف" يطاح ستارمر، لا يزال هناك قدر كبير من الغموض حول سؤال "من".
وقال أحد النواب، "إذا تعلمنا شيئاً واحداً من المحافظين، فهو أنه يجب أن يكون لديك خطة قبل أن تتحرك. لا أعتقد أن هناك مرشحاً مثالياً في الحكومة الحالية".
ومع اضطرار نائبة رئيس الوزراء أنغيلا راينر للتنحي عن الحكومة وتبدو عودتها المستقبلية غير مؤكدة، فإن المرشح المفضل لدى المراهنين خارج الصورة بصورة شبه مؤكدة في الوقت الحالي، علاوة على أن رحيلها يمنح ستارمر ما يشبه شريان حياة سياسياً.
واليوم تطرح أسماء أخرى على الجناح اليساري المعتدل للحزب ضمن الاحتمالات، مثل إد ميليباند، الذي لم يستبعد العودة، ووزيرة النقل السابقة المعروفة بقدرتها التنظيمية القوية لويز هايغ.
وعلى الجناح الأيمن من الحزب، يظل بعض النواب مخلصين لوزير الصحة البريطاني ويس ستريتنج كخيار مستقبلي للقيادة. وقال أحدهم "لديه 10 أضعاف الكاريزما، لكن لا أعرف مساره من دون نوع من الاتفاق مع اليسار لتجنب إجراء منافسة. كان بإمكانه أن يستفيد من أنغيلا، ربما، لكن لا أعرف كيف يبدو ذلك الآن".
ويدعي الحلفاء أن الاستطلاعات الخاصة بين الأعضاء أكثر تشجيعاً بالنسبة إلى ستريتنج مما قد يتوقع، ومن المعروف أنه كان دائماً الخيار المفضل لماك سويني كخليفة، وكلاهما مقرب، لكنه أيضاً كاد يخسر مقعده في الانتخابات العامة بسبب أزمة غزة.
أيضاً لدى وزيرة التعليم، بريدجيت فيليبسون، التي تخوض سباق النائب الأول للزعيم، وشبانة محمود، وزيرة الداخلية الجديدة والبارزة، طموحات يمكن أن تعرقلها عضوية الحزب ذات التوجه اليساري.
ولا تمتلك أي منهما حتى الآن عملية قيادة، على رغم أن فيليبسون ستبني واحدة على الأرجح لسباق النائب الأول، وسيدعم بعض النواب شبانة محمود.
في حين أن الاسم الوحيد الذي جذب مزيداً من التأييد خلال الأشهر الأخيرة هو عمدة ميدينة مانشستر الكبرى آندي بيرنهام، إذ أظهر النواب بيانات تظهر أنه السياسي العمالي الوحيد الذي يحظى بتقييم إيجابي صاف من الجمهور، إذ يرى ثلث البريطانيين فيه صورة إيجابية، وهو ما يعادل مديحاً سياسياً واسع النطاق.
بيرنهام قادر على بناء جسور داخل الحزب، فقد تحدثت "الغارديان" إلى أعضاء من كل من مجموعة النواب المعتدلين، ومن مجموعة الحملة الاشتراكية، واتفقوا جميعاً على أنه الخيار الوحيد.
ودعم بيرنهام شبكة "مينسيتريم" (شبكة سياسية بريطانية يسار الوسط مرتبطة بحزب العمال البريطاني الجديد)، وأنشئت لتغيير اتجاه حزب العمال، والتي ينظر إليها على أنها آلية يمكن تحويلها بسرعة إلى عملية قيادة إذا لزم الأمر. وعند سؤاله الأسبوع الماضي، لم يستبعد بيرنهام إمكان خوض سباق القيادة مستقبلاً بدعم هذه الشبكة.
بيرنهام ليس نائباً في البرلمان، بالتالي فهو غير مؤهل رسمياً للترشح، لكن هذا ليس عقبة لا يمكن تجاوزها. وكشف كبار المسؤولين في حزب العمال أن نائباً حالياً في مانشستر، يعاني مشكلات صحية، مستعد للتنحي، ما سيفتح الطريق لإجراء انتخابات فرعية، ومن المتوقع أن يبذل الحزب كل ما في وسعه لدعم هذا السيناريو.
وقال أحد حلفاء بيرنهام "آندي مستعد للعودة، لكن يجب أن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن. يحتاج لأن يكون في مكانه قبل انتخابات مايو المقبل ليكون جاهزاً، كما يجب أن يكون صريحاً في شأن سبب رغبته في العودة وتحدي القيادة على رغم رغبات الحزب"، لكن حتى بين من يرون أن ستارمر يجب أن يرحل، لا يزال هناك غموض حول حكمة هذه الخطوة، وقال أحد الوزراء في الحكومة "هناك حسابات يجب أخذها في الاعتبار. قد نحصل على دفعة إذا وضعنا زعيماً جديداً وتمكن بسرعة من السيطرة على الأمور، لكن هناك خطراً وهو أننا في الأساس نقول للبلاد إننا مثل المحافظين".
هل يمكن لـ"التحسن في الأداء" إنقاذ ستارمر؟
السؤال الأبرز هو ماذا يمكن أن يفعل ستارمر حيال ذلك؟ يقول حلفاؤه إنه يشعر بإحباط شديد، إذ قضى الصيف يفكر في كيفية تحسين أداء الحكومة وإعادة صياغة السرد السياسي، لكن جهوده قوضت بصورة مذهلة بسبب كل "الضوضاء والهراء" في الأيام الأخيرة.
وقال مصدر قريب من ستارمر "بصراحة، أعيقت الأمور من قبل نائبة رئيس الوزراء التي لم تستطع ترتيب شؤونها الضريبية أو سرد قصتها بصورة صحيحة، وأيضاً الأكاذيب والخداع المتكرر لبيتر ماندلسون".
أضاف المصدر، "لا أحد يغفل حجم التحديات أو الحاجة إلى تحسين الأداء، وأقلهم ستارمر. نحن نعلم أن الوقت صعب والنواب قلقون في شأن غالبية مقاعدهم. نحن أكثر وعياً من أي شخص بأن الوضع متقلب جداً".
وأكد الحلفاء أن ستارمر، كقائد متزن وعقلاني وعملي، "في موقع فريد" لمواجهة الشعبويين اليمينيين مثل نايجل فاراج واستغلالهم للسخط وسردهم للفشل.
وقال أحدهم، "نحتاج إلى مضاد لفاراج وترمب، وليس نسختنا الخاصة منه. المضاد هو تقديم التغيير وتحسين حياة الناس. ستارمر يعلم أنه في حاجة إلى فعل ذلك، ويعلم أننا في حاجة إلى أن نكون أفضل"، لكن حتى قبل انتخابات مايو المحلية 2026، هناك نقاط حرجة خطرة للوزير الأول. فبينما كانت المخاوف العامة المتزايدة في شأن عبور القوارب الصغيرة وإمكان رفع الضرائب في الموازنة دائماً تحديات صعبة، فإن المزاج الحالي للحزب يجعل أياً منهما كافياً لإسقاطه.
وعلى رغم ذلك، حتى بين القلة القليلة الذين يخططون فعلياً لإطاحة ستارمر، هناك خوف من أن أي زعيم جديد، مهما كان براقاً، قد ينهار أمام التحديات العميقة التي تواجه البلاد، مما يمهد الطريق لعصر فاراج.
وقال أحد المطلعين في الحكومة، "هذه الحكومة تائهة، تطفو مثل فلين صغير على أمواج لا تملك الشجاعة لمواجهتها. وحتى مارغريت تاتشر وتوني بلير كانا سيعانيان الآن. مزيج القضايا العالمية، والكوارث الاقتصادية، وأزمة الخدمات العامة، والهجرة هو كوكتيل مرعب بحق".