"مؤامرة أردوغان الكردية"... ومستقبل المهاجرين في تركيا

أدخل البلاد في حرب لا ضرورة لها لأهداف شخصية لن يتمكن من إنهائها بسهولة

يحق للدول كافة أن تتخذ التدابير اللازمة ضد التهديدات الداخلية - الخارجية التي تستهدف أمنها واستقرارها، وهذا أمر طبيعي للغاية.
وقد قام الجيش التركي يوم الأربعاء الماضي 9 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بعملية عسكرية في الشمال السوري للتصدي لـ "جماعات مسلحة كردية".
ويمكننا تقييم هذه العملية تحت عنوانين رئيسيين.
أولاً، القوات المسلحة التركية غير مرتاحة من هذه المجموعات الكردية التي تموقعت قرب حدودها وحصلت على الأسلحة من الولايات المتحدة وروسيا وإيران. كما أن تركيا تريد أن تقضي على آمال هذه المجموعات في إقامة دولة كردية على المدى المتوسط والبعيد. 
ومع أن هذه النقطة أمر قابل للنقاش، ولكن يمكن للمراقبين من أمثالنا فهم مغزاها، كما أن بإمكان تركيا أن تشرح للرأي العام الدولي بأن ما قامت به "لا يعدو أن يكون عملية دفاعية هدفها تأمين الحدود التركية من المخاطر المحسوبة"، وهذا ما يقوله الجيش التركي في تصريحاته حول العملية.
ولكن هناك نقطة ثانية هي ما أريد أن أتحدث عنها، وهي خطط الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يحاول استخدام هذه الحركة من أجل مصالحه الشخصية والحزبية.
 

"ذريعة داعش"
 

وفي هذا السياق أود أن أتطرق لقضية "داعش" ببضع كلمات، ثم أسرد في سبع نقاط، مدى استغلال أردوغان وحزبه هذا الموضوع في سبيل تحقيق مآربهم الحزبية، بعيداً من مصالح البلاد العليا ومن مراعاة تحفظات دول المنطقة والمجتمع الدولي.
فقد قال أردوغان في تصريحه حول هذه العملية "لقد أطلقت القوات المسلحة التركية مع جيش النظام السوري، عملية (ربيع السلام) ضد مجموعات حزب العمال الكردستاني، قوات حماية الشعب، وداعش ...". وكلي ثقة بأن إقحام "داعش" في هذه التصريحات، ليس إلا لإضفاء مزيد من الشرعية على هذه العملية... وعلى الرغم من تضخيم أردوغان حجم "داعش" لشرعنة هذه العملية، أجاب وزير الداخلية سليمان صويلو على سؤال حول "داعش" يوم بدء الحركة، ما فحواه "لا ينبغي الخوف من داعش"، مشيراً، في بسمة متهكمة، إلى أن أوروبا يصيبها "الذعر من داعش...".
وهذه الازدواجية بين أردوغان ووزيره لافتة للنظر وجديرة بإلقاء الضوء عليها.
نعم، ينبغي ألا نستبعد وجود علاقة بين أردوغان و"داعش"، ربما تصل إلى حد التواطؤ معه بل ومع سائر المنظمات الإرهابية في سوريا. فكيف يمكن أن يستخدمها؟
بناء على خبرتي المتواضعة حول أردوغان، لا أستبعد أن يدفع بهؤلاء الإرهابيين لأن يقوموا بقذف قنابل الهاون من المناطق الكردية في الأراضي السورية، إلى التجمعات المدنية في الأراضي التركية، ثم يتّهم المجموعات الكردية بهذه العملية.
لأنه ليس شيئاً لم يفعله أردوغان وفريق عمله في السابق.
ولنرجع إلى موضوع مقالنا لنسرد النقاط المهمة فيه.

1-  سينتهز أردوغان من خلال هذه العملية العسكرية الفرصةَ لأن يقوم بتحييد "حزب الشعوب الديمقراطية"، الذي يُعتبر الجناح السياسي للحركة الكردية، عن تحالف المعارضة في الانتخابات المقبلة، وسيتهمها بدعم الحركات الكردية في سوريا، ما يجعل أحزاب المعارضة الأخرى يُحرجون من التحالف معها سياسياً.

2-  سيمارس أردوغان من خلال رفع شعار الوحدة الوطنية والحفاظ على الأمن القومي، الضغطَ على حزب "الشعب الجمهوري" وحزب "الخير"، اللذين تحالفا ضد حزب "العدالة والتنمية" في انتخابات اسطنبول وحققا في ذلك نجاحاً باهراً.

3-  وقد ساهمت هذه العملية في إحداث شرخ في صفوف "تحالف الأمة" الذي جمع بين أحزاب المعارضة الأربعة (حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير وحزب الشعوب الديمقراطية وحزب السعادة).

4-  من المعلوم أن من أهم الأسباب وراء النجاح الذي حققه عمدة إسطنبول الحالي أكرم إمام أوغلو في الانتخابات الأخيرة، إلى جانب شخصيته الجاذبة وخطابه المؤثر، هي حصوله على دعم الأصوات الكردية، إذ لم يسمّوا مرشحاً خاصاً بهم بل فتحوا المجال لأكرم إمام أوغلو. ولكن هذه العملية وَضعت هذا الأخير أمام خيارين، إما أن يعارض الحرب فيجلب على نفسه غضب الشارع الذي يتعاطف في مثل هذه الحالات مع عمليات الجيش مهما كانت الأهداف، أو يداري الأكراد الذين فاز بأصواتهم. وبطبيعة الحال اختار الشق الأول ليخيب آمال الأكراد، بالتالي أعطى فرصة كبيرة لأردوغان الذي يريد عرقلة تحالف انتخابي محتمل في صفوف المعارضة، حول أقوى مرشح ضده.

نعم، هذا هو مأزق أحزاب المعارضة في تركيا. لأنهم بسبب خوفهم من أردوغان لا يستطيعون إنتاج سياساتهم ومشاريعهم الخاصة بهم.

5 - من أهم أسباب قيام أردوغان بمهاجمة الأكراد حرصه الشديد على القضاء على مبادرة سياسية جديدة يتزعمها الرئيس السابق عبدالله غول، ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، إذ أعلن الأخيران بالفعل أنهما سيغادران حزب "العدالة والتنمية" ويشكّلان حركة جديدة.

فإن هذا الجو سيمكّن أردوغان ومَن حوله، من وصف أية مبادرة من هذا النوع بالقول إن "هؤلاء المنشقين يطعنوننا من الخلف بينما نحن ندافع عن البلاد".

6 - وأكثر من سيتأثر من هذه العملية العسكرية هم المهاجرون السوريون. فلسوء الحظ يستغلهم الرئيس أردوغان كورقة مساومة ضد أوروبا، وعندما كنت أكتب هذا المقال كانت وكالات الأنباء تبث خبراً عاجلاً عنوانه "أردوغان يهدد دول الاتحاد الأوروبي بالمهاجرين". حين خاطب الأوروبيين قائلاً "إنكم إذا اعتبرتم عمليتنا العسكرية احتلالاً فإننا سنرسل المهاجرين إليكم"، في لغة أقرب ما تكون إلى أسلوب سوقي ناب عن اللهجة الدبلوماسية، وموح بأنه ينظر إلى المهاجرين وكأنهم بضاعة رائجة في سوق المفاوضات.

 

صحيح أن أردوغان يقول إنه يريد فتح منطقة آمنة يستقر فيها أكثر من مليوني لاجئ سوري، ولكن هل يا تُرى سينجح هذا المخطط؟

المعلومات الواردة من المنطقة تشير إلى أنه لا يزال هناك احتمال أن يقوم تنظيم "داعش" بعمليات إرهابية كبيرة ومجازر رهيبة في المنطقة، وهذا يعني نزوح حوالى مليوني شخص إلى الحدود التركية.

7-  تعاني تركيا منذ ما يقارب العامين من أزمة اقتصادية خانقة، ولا يزال التضخم والديون الخارجية في تزايد مستمر، ولا يمر يوم على المواطن التركي إلا ويستيقظ على أنباء جديدة حول ارتفاع الأسعار. ومهما حاولت "وسائل الإعلام الأردوغانية" أن تسخر من عقول المواطنين وتصف هذه الارتفاعات بأنها "تحديث الأسعار"، فقد أصبح المواطن العادي يشعر بالأزمة في واقع حياته اليومية.

وبالفعل، كان أحد أسباب خسارة أردوغان في انتخابات إسطنبول هو عدم قدرة حزبه على إيجاد حلول جديدة للأزمة الاقتصادية.
وبفضل هذه الحركة العسكرية، سيستطيعون أن يروّجوا شعار "لا ينبغي الحديث عن الاقتصاد في ظل الحرب القائمة ضد البلاد"، وهكذا ينجحون بلفت الأنظار إلى وجهة أخرى لينسوا الحالة الاقتصادية المنهارة.
نعم، هذه هي مؤامرات رجب طيب أردوغان، لتصميم السياسة الداخلية من خلال الأكراد.
ولكن هناك مثل تركي مشهور يقول "هناك أمران تستطيع البدء بهما، ولكن لن تستطيع إنهاءهما: الحرب والحريق".
فقد أدخل البلاد في حرب لا ضرورة لها لأهداف شخصية، ولكن لن يكون بإمكانه إنهاءها بسهولة.
وكل ما أتمناه هو أن تتخلص بلادنا وجيراننا من هذه المأساة في أقرب وقت ممكن وبأقل الخسائر.

المزيد من تحلیل