ملخص
استدعى المخرج وليد عوني، قصة "انتصار حورس" في عرضه الذي حمل الاسم نفسه، ولم يكن استدعاء التاريخ هنا مجانياً، فثمة رسالة تربطه بالحاضر، أو تعيد كتابته من جديد، وتشير إلى أن الصراع بين الخير والشر، النور والظلام، صراع أزلي مستمر.
منذ أن أسس المخرج وليد عوني، فرقة الرقص المسرحي الحديث، التابعة لدار الأوبرا المصرية، عام 1993، وقدم معها أولى عروضها "سقوط إيكاروس" الذي افتتحت به الدورة الرابعة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ثم توالت عروضها بعد ذلك، أصبح للرقص المسرحي الحديث جمهور واسع في مصر، وتأسست عدة فرق أخرى لتقديم هذا اللون المسرحي، وذلك كله بفضل هذا المخرج الذي يعد رائداً بالفعل في هذا المجال.
وفي افتتاح الدورة الثانية والثلاثين للمهرجان نفسه، عاد وليد عوني ليقدم عرضه الجديد "انتصار حورس" مع فرقة الرقص المسرحي الحديث، على المسرح الكبير بدار الأوبرا، وهو مأخوذ عن واحد من أقدم النصوص المسرحية في التاريخ، دراماتورجيا محمد سمير الخطيب.
لم يكن استدعاء التاريخ هنا مجانياً، فثمة رسالة تربطه بالحاضر، أو تعيد كتابته من جديد، وتشير إلى أن الصراع بين الخير والشر، النور والظلام، صاحب الأرض والمحتل، صراع وجود، وتنتصر لـ "حورس" العصري، أو في الأقل تستنهض قواه الكامنة ليحقق انتصاره في النهاية، أي أن الأحداث لا تدور في الماضي فحسب، بل تدور هنا والآن.
حمل العرض حساً سياسياً واضحاً، تجلى في المزج بين الملابس التاريخية، والملابس العصرية، كما لو كان ينبهنا دائماً بأن ما دار هناك من صراع، يدور هنا والآن، وبدا ذلك أكثر وضوحاً في مشهد الصراع بين حورس العصري، الذي ارتدى ما يشي بأنه جندي مصري، في مواجهة آخر، معتد، يضع القبعة الشهيرة فوق رأسه.
العرض مأخوذ عن نص فرعوني تم تدوينه في العصر البطلمي (237 – 57 ق.م) على جدران معبد إدفو، ويعتبره الباحثون وثيقة مسرحية استثنائية، يصور الصراع الأسطوري بين الإله حورس (إله السماء) وعمه ست (إله الفوضى والشر والعواصف) على عرش مصر بعد مقتل أوزوريس. نقله إلى الإنجليزية، في أوائل القرن العشرين، عالم المصريات البريطاني هربرت والتر فيرمان، وترجمه إلى العربية الباحث عادل سلامة، كما ورد في الجزء الثامن عشر من موسوعة "مصر القديمة" لعالم المصريات سليم حسن.
تداخل الأزمنة
استحضر العرض رحلة أسطورية تتداخل فيها الأزمنة الثلاثة، الأسطوري، البطلمي (عصر كليوباترا)، والمعاصر، من خلال شخصية عالم آثار (طه خليفة) يستدعي المشاهد من جدران معبد إدفو إلى خشبة المسرح.
واعتماداً على نص فيرمان، ونصوص فرعونية أخرى مثل "متون الأهرام" و "كتاب الموتى" و "الألواح الزمردية" ونصوص أخرى، يقدم العرض مجموعة من المشاهد البصرية، التي تستحضر أساطير مصر القديمة، من منظور معاصر.
احتشد العرض بعديد اللوحات، السريعة والمتداخلة، حيث يستدعي عالم آثار معاصر مجموعة من المشهديات الفرعونية، منها مشهد قصة نشأة الكون، كما تصورها المصريون القدماء، ومشهد قتل أوزوريس على يد ست في حضور إيزيس وآنوبيس (إله الموت والمقابر) ومشهد حمل إيزيس من أوزوريس عبر طقوس سحرية، ثم ولادة حورس في حضور كليوباترا، ومشاهد المعارك التي دارت بين حورس وست، والتي فقد فيها حورس إحدى عينيه، والمواجهة الفاصلة بين حورس وست، الممثل في فرس النهر، حيث يستعين حورس بـ آنوريس/ إلهة الحرب، وتحوت/ إله المعرفة والحكمة، ثم المواجهة الفاصلة، حيث ينتصر حورس على ست منتقماً لأبيه، من خلال عشر طعنات.
كما يستدعي عالم الآثار مشاهد الاحتفال بانتصار حورس، حيث تتوافد الآلهة والشخصيات الأسطورية المصرية القديمة مثل (البابون، نساء بوديب، ونساء بوصير، نساء مصر السفلى والعليا) للاحتفال بالانتصار العظيم.
يتجدد اللقاء بين حورس وست، في حضور أنوبيس (إله الموت والمقابر)، في مجموعة من الجداريات المعاصرة، التي تعيد تمثيل انتصار حورس اليوم على ست عصرنا.
هكذا ربط العرض، الراقص، بين الماضي والحاضر، حاملاً نبوءته، أو أمنياته، بأن يحقق حورس العصري انتصاره على قوى الشر، ويعيد إلى الأرض توازنها، ذلك التوازن الذي اختل حين غابت العدالة عن الأرض، وهيمنت الأطماع والعدوان، وجاءت على الأخضر واليابس.
في مشهد النهاية تتدلى الكرة الأرضية من أعلى المسرح، بينما يدفعها، من جانب، حورس الفرعوني، ومن جانب آخر، نظيره العصري، وكأن استحضار الماضي هنا واستلهامه، يعين الورثة على إقامة العدل ونشر النور والمحبة، بعد القضاء على إله الشر والفوضى والعواصف والعنف "ست" هذا العصر.
أجساد الراقصين
نجح وليد عوني في استنطاق أجساد راقصيه، التي قدمت معادلاً بصرياً للأحداث، لا تفسيراً لها أو إعادة تجسيدها بشكل آلي، وذلك من خلال شاشة العرض التي استحضرت النقوش الغائرة على معبد إدفو، وجعل هذه النصوص تتحرك أمامنا، وبموازاتها جاءت حركة الراقصين، ليصبح الفضاء كله مشحوناً ومفعماً بالحركة، التي بثت فيضاً من العلامات والإشارات، لنكون أمام متع ثلاث، بصرية، وسمعية، وفكرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
راهن المخرج وليد عوني، والدراماتورج محمد سمير الخطيب، على تقديم قراءة بصرية وفكرية، لأحداث أو أساطير تاريخية، تتماس مع الحاضر السياسي الملتهب، وهو رهان صعب ومغامر، إذ كيف تستطيع، بعيداً من الهتاف والثرثرة، طرح قضية شائكة، هي قضية وجود أساساً، بكل هذا القدر من النعومة البصرية، المتمثلة في أداء الراقصين، ومدى قدرتهم على الذوبان في الحالة، والديكور والملابس (محمد مصطفى) والأقنعة (أحمد بركات) والضوء (ياسر شعلان) والجرافيك والفيديو مابنغ (عبد المنعم المصري) فضلاً عن الموسيقى، التي يبدو أن المخرج استعان بالذكاء الاصطناعي في إعدادها. تضافر ذلك كله ليصنع صورة بصرية مبهرة، أظن أنه لو تم الاستغناء عن الإطار الذي دارت فيه الأحداث، حيث بدا الأمر كما لو كنا نشاهدها من خلال شاشة كبيرة، لصار الإبهار أكثر كثافة، وربما لو تم اختزال زمن العرض بضع دقائق، لصار الإيقاع أكثر تدفقاً، وأكثر مناسبة لعرض محتشد بالجمال والأسئلة، والأهم بكل هذه البلاغة، التي امتلكها في بث رسالته.
العرض شارك فيه جميع أعضاء فرقة الرقص المسرحي الحديث، إلى جانب ضيف الشرف الفنانة منال محيي الدين (آلة الهارب).
وضم فريق الرقص المسرحي الحديث، شريف محمود، رشا حنفي، حبيبة سيد، علي يسري، أحمد محمد، كريم أسامة، نرمين محمد، مرام حسني، محمد سمير، مريم أسامة، مصطفى أمين، مينا ثابت، عبد الرحمن مجدي، آية أحمد، فرح أحمد، ملك سيف، ماريا ممدوح، محمد علي، ياسمين تيمور، دانا أحمد، حسنين الجندي، وليد محمد، محمد أحمد، مصطفى أحمد.