ملخص
اغتيل المؤثر والشاب المحافظ الأميركي تشارلي كيرك الأربعاء على يد قناص خلال فعالية في جامعة يوتا، فيما يعد تحذيره قبل خمسة أشهر من "ثقافة الاغتيال" نبوءة مأسوية. وتشير دراسات إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تطبيع العنف وتقديسه، بينما يحذر خبراء من أن اغتيال كيرك قد يكون بداية حقبة جديدة من التطرف.
قبل خمسة أشهر، حذر الشاب والمؤثر الذي يحظى بشعبية جارفة بين الشباب الأميركيين من "جيل زد" تشارلي كيرك، من "ثقافة الاغتيال التي تنتشر في صفوف اليسار"، كان الأمر مجرد تعليق على استطلاع رأي أجراه معهد أبحاث أميركي متخصص في دراسة شبكات التواصل الاجتماعي والتهديدات المجتمعية المتعلقة بها، أفاد بأن 55 في المئة من المشاركين المنتمين إلى التيار اليساري قالوا إن قتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيكون في الأقل "مبرراً إلى حد ما"، بينما قال 48 في المئة الشيء نفسه عن رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك. والمفارقة أن الشاب البالغ 31 سنة سقط أمس الأربعاء برصاصة قناص ربما ينتمي إلى أقصي يسار الخريطة السياسية الأميركية.
تتذكر صحيفة "واشنطن بوست" وهي إحدى الصحف الليبرالية الكبرى في الولايات المتحدة خلال افتتاحيتها اليوم الخميس، ذلك المنشور الذي كتبه كيرك على حسابه بموقع "إكس" في أبريل (نيسان) الماضي، قائلة إنه "يبدو من المرجح جداً أنه أصبح ضحية لهذه الحماسة العنيفة" عندما قتل أثناء حديثه أمس في جامعة "يوتا فالي". وتضيف أن كيرك وهو زوج وأب لطفلين، "أسس المنظمة الشبابية المحافظة ’تيرنينغ بوينت يو أس أي" عام 2012، وكوَّن قاعدة جماهيرية ضخمة على الإنترنت وسافر كثيراً إلى الجامعات في أنحاء الولايات المتحدة للحديث مع مؤيديه، بينما يستمتع أيضاً بالنقاش مع منتقديه. فهذا النوع من الحوار هو ما يفترض أن تشجعه الجامعات، بينما أن يطلق النار على شخص بسبب آرائه فهو من أكثر الأفعال غير الأميركية وشراً يمكن أن يرتكبها أي شخص".
العنف هو العنف
لم يعتقل القاتل حتى الآن ولم تتكشف دوافعه، لكن بالنظر إلى المشهد السياسي الذي يزداد انقساماً واستقطاباً داخل الولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة، لم تتردد الصحافة الأميركية الليبرالية منها والمحافظة في إدانة الهجوم ورثاء مجتمعها بعدما أصبح العنف السياسي شائعاً بصورة مقلقة داخل البلاد.
فالصحافي الأميركي البارز جورج بيكر وصف مقتل كيرك خلال مقالة في مجلة "ذا أتلانيك" بأن "موته مأساة لعائلته وكارثة للبلاد". ففي أجواء من جنون الارتياب والكراهية الوطنية، فإن كل فعل عنف سياسي يجعل وقوع الفعل التالي أكثر احتمالاً. ويشير إلى أن العام الماضي، كاد ترمب أن يغتال بفارق بضع بوصات، وفي يونيو (حزيران) الماضي تعرض اثنان من الديمقراطيين المنتخبين في مينيسوتا لإطلاق النار، أحدهما قتل بالفعل. كما كاد النائب الجمهوري ستيف سكاليز أن يقتل عندما أطلق "متطرف يساري" وفق تعبير صحيفة "واشنطن بوست"، النار على تدريب فريق البيسبول الجمهوري في الكونغرس عام 2017.
واعتبر بيكر قتل كيرك، "اعتداء على ما يجب أن يظل عزيزاً لدى من بقوا من المؤمنين بالديمقراطية"، قائلاً إن الذين اختلفوا مع كيرك "كان ينبغي أن يكونوا قادرين على رفض أفكاره وفي الوقت نفسه رفض العنف الذي أنهى حياته، فالكلمات ليست عنفاً، العنف هو العنف".
ثقافة الاغتيال
بالعودة لستينيات القرن الماضي، فإن تاريخ الولايات المتحدة يضج بعمليات الاغتيال السياسي التي تظل في معظمها مجهولة الدوافع وأبرزها اغتيال الرئيس الأميركي جون أف كيندي عام 1963 على يد عنصر مشاة البحرية الذي عاش في الاتحاد السوفياتي لي هارفي أوزوالد، وبالمثل اغتيال شقيقه روبرت الذي كان يقوم بحملة للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية عندما باغته رصاص الفلسطيني- الأردني سرحان سرحان. وحتى دوافع اغتيال زعيم حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينع جونيور كانت مثار جدل وإن كانت العنصرية لا تنفصل عنها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن اغتيال الناشط السياسي المحافظ يؤكد بداية حقبة جديدة ليس من العنف السياسي وحسب، بل من عنف اليسار المتطرف، مثلما حذرت مجلة "نيوزويك" وهي وسطية تميل نحو اليسار. وسردت المجلة الأميركية ضمن تقرير نشرته اليوم بعنوان "التهديد المتزايد للعنف السياسي من قبل اليسار" حوادث العنف ومحاولات القتل التي ارتكبها أشخاص محسوبون على اليسار بدءاً من محاولتي اغتيال ترمب ووصولاً إلى جريمة القتل المروعة التي هزت نيويورك في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، وأدت إلى مقتل الرئيس التنفيذي لشركة "يونايتد هيلث كير" على يد الشاب لويجي نيكولاس مانجيوني. وتشير إلى أنه أخيراً استخدمت حركة ناشطة يسارية صور مانجيوني خلال احتجاج أمام مكتبة نيويورك في حي مانهاتن باعتباره حارساً منتقماً يقاتل ضد مظالم نظام الرعاية الصحية.
وأشارت المجلة في تقريرها إلى ذلك الاستطلاع الذي نوه عنه كيرك ضمن منشوره في أبريل الماضي. ونقلت عن ماكس هوردر المسؤول لدى "معهد أبحاث العدوى الشبكية"، وهو منظمة غير حزبية تدرس انتشار الكراهية والتطرف عبر المنصات الرقمية، قوله "نحن نشهد صعوداً مقلقاً لما يسميه المعهد ’ثقافة الاغتيال‘. لقد تجاوز العنف الذي يستهدف شخصيات مثل دونالد ترمب أو إيلون ماسك حدود التطبيع، ليقدس بوصفه مقاومة من قبل بعض أطياف اليسار السياسي".
واشتهر "معهد أبحاث العدوى الشبكية" (NCRI) لدى "جامعة روتجرز" بتحذيراته المبكرة من تطرف اليمين، ويحذر اليوم من تصاعد خطاب يساري يبرر العنف السياسي، إذ يظهر استطلاعه أن أكثر من نصف المستطلعين الذين يعرفون أنفسهم يساريين، يرون أن اغتيال شخصيات مثل ترمب أو ماسك أمراً مبرراً.
وبينما يجري تحليل التطرف اليميني وإدانته بانتظام في وسائل الإعلام الرئيسة، يشكو المحافظون طويلاً من أن العنف السياسي الصادر من اليسار غالباً ما يلقي اهتماماً أقل أو يعاد تأطيره بالكامل لتجاهل الميول التقدمية للفاعلين. وغذى هذا الخلل اعتقاداً متزايداً، يناقش بصورة واسعة في منتديات المحافظين على منصات مثل "ريدت" و"سابستاك" و"إكس"، أن العنف اليساري يجري التقليل من شأنه أو تبريره، بينما يضخم العنف اليميني ويدان.
الإذن بالعنف
ويكشف تحليل المعهد الأميركي، المستند إلى كم هائل من بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، كيف ساعدت ثقافة الإنترنت الهامشية في بناء ما يسميه المعهد "هياكل الإذن" بالعنف. وهذه بيئات اجتماعية، سواء على الإنترنت أو خارجه، لم تعُد تدين الأفعال العنيفة، بل تقبل ضمنياً، إن لم تشجع صراحة. وقال المؤسس المشارك للمعهد جو فينكلستين إن "الأمر لا يقتصر على من يضغط على الزناد وحسب، بل يشمل من يلتزم الصمت ومن يعيد نشر صورة ساخرة، ومن لا يقول شيئاً عندما يمزح شخص ما حول قتل ملياردير. هكذا يبنى ممر العنف".
وتقول "نيوزويك" إن ذلك التهديد الذي كان في السابق نظرياً، أصبح واقعاً في يوليو (تموز) عام 2024 في باتلر، بنسلفانيا، حين كاد دونالد ترمب أن يقتل وسط تجمع انتخابي على يد مسلح منفرد تمركز فوق سطح قريب. وفي حين صدمت المحاولة الفاشلة البلاد، لكن استطلاعات الرأي أظهرت انقسامات حزبية حادة حتى في حال محاولة اغتيال مرشح رئاسي، إذ كشف استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف" بعد الحادثة مباشرة عن أن 54 في المئة من البالغين الأميركيين قالوا إن ترمب يستحق التعاطف، أما بين الديمقراطيين، فلم يتفق سوى 31 في المئة، بينما قال 60 في المئة إنه لا يستحق ذلك. في المقابل، عبّر 83 في المئة من الجمهوريين عن تعاطفهم مع المرشح آنذاك، في انعكاس واضح لكيفية تشكيل السياسة للاستجابات نحو العنف.
وبعد شهرين، وقعت محاولة أخرى لاغتيال ترمب في ناديه للغولف بولاية فلوريدا، وأظهر استطلاع للرأي شمل 1000 ناخب مسجل أجراه "معهد نابوليتان للأخبار" التابع لسكوت راسموسن أن 17 في المئة قالوا إن البلاد كانت ستكون أفضل حالًا لو مات ترمب. وبين الديمقراطيين ارتفعت النسبة إلى 28 في المئة. ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج تعكس تزايد التسامح مع العنف السياسي بين المتطرفين الأيديولوجيين.
ويشير هوردر إلى أنه "على مدى عقود، افترضنا أن الدعوات إلى العنف السياسي تأتي من أقصى اليمين، وغالباً ما كان الأمر كذلك. ما لم نتوقعه أبداً هو النمو الهائل للدعوات المماثلة الآتية من اليسار السائد".
حرب غزة
ويجادل مراقبون آخرون تحدثوا إلى الإذاعة الوطنية الأميركية، بأن الحرب بين إسرائيل وحركة "حماس" في غزة، غيرت نبرة بعض الاحتجاجات اليسارية، وجعلت الخطوط الحمراء أقل وضوحاً. وقالت كاثرين كينيلي، مديرة تحليل التهديدات في معهد الحوار الاستراتيجي، وهو منظمة غير ربحية تراقب التطرف والإرهاب، تعليقاً على قتل موظفين في السفارة الإسرائيلية خارج متحف كابيتول اليهودي في واشنطن، إن "استهداف وقتل شخصين بهذه الطريقة يعد تصعيداً كبيراً مقارنة بتكتيكات الاحتجاج التقليدية المرتبطة بالتيار اليساري. الاتجاهات تتغير".
لكن مدير قسم الدفاع والأمن لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية سيث جونز وصف عملية قتل الدبلوماسيين بأنه "شذوذ" وحال نادرة للعنف القاتل من أقصى اليسار المرتبط بمعاداة السامية، قائلاً إن "عادة ما تأتي الهجمات على المعابد اليهودية أو الأفراد اليهود من أقصى اليمين العنيف." وأضاف كولين كلارك من "مجموعة سوفان"، وهي شركة استشارات أمنية مقرها نيويورك، أن "التصعيد لافت للنظر. منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، شهدنا زيادة في التطرف اليساري المتعلق بقطاع غزة. لم يعُد الأمر مقتصراً على الخطاب المؤيد للفلسطينيين وحسب، فبعضه أصبح صريحاً في تأييد ’حماس‘ و’حزب الله".
مزيد من العنف
وتذكر مجلة "تايم" أنه بالنسبة إلى أصدقاء كيرك وحلفائه، فإن الاغتيال صادم، ليس فقط بسبب الخسارة الشخصية، بل أيضاً لما يخشون أن ينبئ به. تقول النائبة آنا بولينا لونا من فلوريدا، أول خريجة في مؤسسة "تيرنينغ بوينت" تنتخب للكونغرس "للأسف، لا أعتقد بأن هذا سيكون الأخير، ولهذا السبب الأمر مخيف جداً"، إذ حملت كلماتها إدراكاً مخيفاً بأنه في الحياة الأميركية، نادراً ما تكون أعمال العنف السياسي أحداثاً معزولة. فقد أدى اغتيال مارتن لوثر كينغ إلى إشعال أعمال شغب في جميع أنحاء البلاد، وتسبب هجوم السادس من يناير (كانون الثاني) عام 2021 بمشاهده التي تظهر رجالاً مسلحين يتجولون في الكابيتول، في إغضاب اليسار وأبرز المظالم المتطرفة التي كانت تسيطر على اليمين.
وتضيف المجلة أن الموت المفاجئ العلني لكيرك ربما يصبح جزءاً من تلك السلسلة، فقتله قد يتحول ليس فقط إلى مأساة، بل إلى عامل محفز أو حدث يدفع مزيداً من الأميركيين إلى التطرف.
ويحذر مراقبون من أنه في ظل المناخ المتزايد من الاستقطاب والانقسام الأيديولوجي داخل المجتمع الأميركي، فإنه عندما يظهر المنتمون لأحزاب سياسية حماسة نحو إلقاء اللوم على خصومهم بعد أي هجوم شنيع، بدلاً من إدانته بصورة مباشرة تحدث مزيداً من الضرر. فالدراسات تشير إلى أن الإدانات العلنية القوية للعنف من قبل القادة المنتخبين تساعد في تعزيز المعايير المناهضة له.
ودانت الغالبية العظمى من الديمقراطيين البارزين بقوة وبصورة فورية مقتل كيرك، بمن في ذلك مرشح عمدة نيويورك زهران ممداني وحاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم الذي استضاف كيرك في بودكاسته قبل ستة أشهر. وقال الرئيس السابق باراك أوباما إن "هذا النوع من العنف البغيض لا مكان له في ديمقراطيتنا"، غير أن الصحف الأميركية انتقدت استباق الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتحقيقات واتهامه لليسار الراديكالي بالوقوف وراء الجريمة، وهو خطاب يقود البلاد نحو منحى خطر ومزيد من الاستقطاب.
ويقول الصحافي الأميركي البارز جورج بيكر إنه بعد ساعات من مقتل كيرك، كتب إيلون ماسك على منصة "إكس" إن "اليسار هو حزب القتل"، وكتبت كاتي ميلر زوجة ستيفن ميلر "أيديكم ملطخة بالدماء"، فيما دعا ناشطون يمينيون إدارة ترمب إلى قمع المنظمات اليسارية، وهنا حذر بيكر من أن يتحول مقتل كيرك إلى ذريعة للقمع السياسي، وخلص بالقول "لا ينبغي لأحد أن يشعر بأي شيء سوى الرعب والفزع من مقتل تشارلي كيرك. ولا ينبغي لأحد أن يستخدم قتل رجل معروف بالدفاع عن حرية التعبير لإسكات الآخرين أو لإسكات نفسه عن قول الحقيقة في شأن الحال الخطرة التي نعيشها".