Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كوميديا عبثية يوغوسلافية مرايا لدهاليز الاستبداد السوري

كفاح الخوص أعاد صياغة نص الكاتب فيليمير لوكيتش في قالب كوميدي لا يخلو من العنف

البهلول وعازف الأكورديون في المسرحية (خدمة الفرقة)

ملخص

ليس من اليسير اعتماد نص مترجم ضمن تمارين يومية لفرقة مسرحية، وجعل مشاحنات الممثلين وشجاراتهم انعكاساً لصراع على عرش مملكة متخيلة. مستويان دراميان حافظ الفنان كفاح الخوص على مزجهما ضمن تجربته الجديدة "الحياة المديدة للملك أوزوالد" للكاتب اليوغسلافي فيليمير لوكيتش.

يتناول العرض المقتبس عن نص لوكيتش واقع البلاد ضمن قالب كوميدي عبثي، فالملكة المتورّطة في خيانة زوجها سوف تضحّي بملك البلاد، وستنصِّب عشيقها بدلاً منه، ظناً منها أن رعيتها لن تنتبه لهذا التغيير، فالناس لا ينظرون إلى وجه الملك ولا يحفظون ملامحه. لكن ولديها سوف يكتشفان المكيدة، وسينتقم ابنها لأبيه المغدور. في التوازي مع هذه الأحداث تقتل مساعدة المخرج مدير الفرقة، فتتشابك شخوص المسرح الدموي عبر مقاربة اليومي بالأسطوري.

نرى مع "الحياة المديدة للملك أوزوالد" كيف أن المسرح هو المكان الأنسب لحياكة الدسائس والمؤامرات. يتجلى ذلك في علاقة مأزومة منذ البداية بين المخرج مجد (يزن كيالي) ومساعدته سماح (بثينة نعيسة)، إذ تؤنِّب هذه الأخيرة أعضاء الفرقة بعد مشهد افتتاحي يقدمونه كبروفة أولية، ويروي باختصار حكاية اليوغوسلافي "الملك أوزوالد" بأسلوب احتفالي. الأغنية المسرحية تعكس هي الأُخرى خبرة مخرج العرض ومعِدُّه في مزج الزجل الشعبي مع رقصات الراب الأميركي، وتنقل الجمهور بسلاسة إلى قلب الحدث المراد روايته.

من هنا ينشأ الصدام بين المخرج ومعاونته الشابة، والتي نكتشف أنها ترتبط معه بعلاقة عاطفية، فتكيل له الاتهامات عن نيته في تأجيل طلاقه من زوجته. لكن المخرج يتعامل بخشونة مع شكوك عشيقته الشابة، ويطردها من المسرح، ويلغي عقدها مع الفرقة، مذكّراً إياها بمنبتها الطبقي التي جاءت منه، وبأنه ولي نعمتها التي لا يجوز أن تتجاوز حدودها معه.

مسرح داخل المسرح

وسط هذه الأجواء المشحونة والمنقبضة لن يتأخر كفاح الخوص في إطلاق مسار موازٍ عبر تقنية "المسرح داخل المسرح"، وسريعاً تبدأ أحداث أكثر عنفاً ودموية من خلافات الممثلين مع مساعدة المخرج ومدير الفرقة. فما أن يتكلّف مساعد جديد (هشام عواد) بإدارة التدريبات، حتى نطل على ردهة ملكية ملطخة باللون الأحمر. يقف هنالك الحارس ألبرتو (بشار العثمان)، ونشهد ممانعته للملازم أول كريستيان (المثنى أسعد) من مقابلة الملكة كونستانسا (تالا وهبة)، ومع أن الضابط جاء كرسول رسمي من قِبل الملك الغائب منذ عشر سنوات عن مملكته، إلا أن الحارس يصر على موقفه، فلقد لقي حارس قبله يدعى أنطونيو عقوبة الإعدام على اقتحام خلوة الملكة مع عشيقها. كان أنطونيو يريد أن يخبر الملكة أن ابنتها أصيبت بنوبة صرع مفاجئة، لكن ذلك لم يشفع له، بل أعدم عشرة جنود معه سمعوا من الحارس عما رآه.

اعتادت الملكة اليوغوسلافية أن تغيب في مخدعها منذ الغسق حتى منتصف الليل، محذرةً حراسها من مغبة مقاطعة لياليها الحمراء، لكن ما هي سوى لحظات حتى تطل الملكة، وقد جعلها المخرج هنا تظهر عبر ثلاث ممثلات، الأولى هي المرأة المحرومة المعذبة بسبب غياب زوجها الملك عنها لسنوات، أما الثانية (سيلين حسن) فهي صوت الضمير، أو يمكن اعتبارها الأنا الأعلى لشخصية الملكة، فهي تنهاها عن فعل الفحشاء، وعن التضحية بزوجها على يد عشيقها رومان (أو يونس). تطلب كونستانسا من عشيقها أن يقتل الملك بخنجر مسموم بعد وصوله من حروبه الطويلة التي برع في تنفيذ انسحابات تكتيكية منها، مطلقاً على هذه الانسحابات لقب انتصارات مدوية. الممثلة الثالثة لدور الملكة (رايسة مصطفى) جسدت ببراعة منطقة الهو، إذ تحرّض كونستانسا على إهمال الملك لها، وتؤلبها على رد الصاع ممن هجرها لأخريات من محظياته.

وبدا توزيع دور الملكة على ثلاث ممثلات في آن واحد لافتاً على الخشبة (مسرح العمال)، وجاء للتعمية على البناء الدرامي الضعيف في النص الأصلي، كما أتى لتبرير أفعال الملكة (دراماتورجيا بيترا جومر) الغارقة في مشاعر الشهوة والانتقام حتى من ولديها كما سنرى لاحقاً. أخيراً يصل الملك أوزوالد (محمد موسى). نعرف ذلك من نداء حراس المملكة معلنين قدومه، مكنيين إياه بسلسلة من ألقاب تفخيم وتعظيم لا تنتهي على نحو: (الكريم، الأبي، الحكيم، القائد الخالد، المفدّى...الخ). الملك هو ذاته سيكون عازف الأكورديون، الآلة التي وظّفها الخوص لتكون بمثابة موسيقى حية رافقت مجمل الأحداث، إذ استقى العازف مقطوعاته من حيوية رقصات شركسية عكست أجواء الحرب والحب بشكل مباشر على الخشبة.

خيال الظل

مشهد اغتيال رأس القمة ومثلها مشاهد أُخرى عديدة سوف يمثّل لها مخرج العرض بعرائس خيال الظل، إذ انتصبت شاشة في عمق المسرح لأداء هذه الوظيفة. خبر مقتل الملك ينتشر في المملكة التي لا نعرف لها زماناً أو مكاناً معينين، وهنا تقترح الملكة على عشيقها أن يكون هو الملك عوضاً من زوجها المغدور، لكن العشيق سوف يتردد ويخبرها بهواجسه، وعن إمكانية افتضاح أمره، لكن الملكة تصر على ذلك، إذ إنها تعتقد أن الرعية لا يحفظون ملامح الملك، ولم يحدِّقوا في وجهه ولو لمرة واحدة، فكانوا دائماً في وضعية الركوع والانحناء أثناء مروره. الأهم هي البدلة الملكية والشارات السلطانية التي يخشاها الجميع، وهي بحد ذاتها الدلالة الوحيدة على شخصية الملك وهيبته وسلطته المطلقة.

لكن الابنين ووريثي العرش يكتشفان المكيدة، وسرعان ما ينتقم دومنيك (بشار العثمان) من قاتل أبيه الملك، فيقتل عشيق أمه عبر بث مباشر، فيما تقع إميليا (عليا أيوبه) في نوبة انهيار عصبي، وهنا تقرر الملكة أن تضحّي أيضاً بابنيها بتهمة قتل الملك، وتحكم عليهما بالإعدام. يحدث هذا بينما نعود بين فينة وأخرى إلى خلافات الممثلين أثناء البروفات. مستوى لا يهمله كفاح الخوص، بل يواظب على تذكيرنا به طوال زمن العرض (90 دقيقة)، إما عبر إيعازات مساعد المخرج الجديد، أو عبر إرشادات الإعتام والإنارة (تصميم إضاءة أسامة الصباغ) التي تخللت فصول المسرحية الثلاثة.

وقدم العرض ملامح معاصرة من تحويل البشر إلى روبوتات، فعبر انتزاع أمعاء البشر وشرايينهم وقلوبهم يتحول هؤلاء إلى آلات، يسهرون على راحة الملكة وحمايتها من أي اختراق لخلوتها الملكية، وعليه يتم تصميم الذبابة الإلكترونية كاختراع سريالي يثلج قلب الملكة، ويتكلم البشر عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويمنع عليهم التفكير والأحلام والدخول والخروج في مملكة تتحول سائر شرائح شعبها إلى بشر آليين، وبذلك تتأبد السلطة ويركن الشعب لألعابه الإلكترونية وأقفاصه التكنولوجية الجديدة.

ولعب الجنرال دوراً جوهرياً في إدامة حكم الملك أوزوالد، فتكون بدلة الملك وشاراته السلطانية هي الملك ذاته، يرفعها الحراس والجنود عالياً على الرماح، فالملك لدى الجنرال هو بدلته ونياشينه التي بدت في العرض أقرب إلى شخصية ديكتاتور عسكري، والتي تظهر في عبارة يرددها الجنرال نفسه عندما يقول: "من هو الآن أقوى من أوزوالد، صنعوا الناس وجهه، وجعلوا حياته مديدة مديدة؟" جُمل تلخص مقولة العرض الذي يكمل أحداثه بإيقاعية لافتة وتصاعد مدروس، لنصل إلى مشهد لقاء الوفد الديمقراطي مع بدلة الملك.

شخصيات كاريكاتورية

نعثر هنا على شخصيات كاريكاتورية لا تجرد الرجل الأول من سلطته الأبدية، بل تثني عليه. الجميع الآن أمام البزة الملكية، وها هم يتدافعون لإلقاء خطبهم الرنانة في حضرتها، فوزير الاقتصاد (يزن الحسن) يتحول إلى سجادة حمراء تحت قدمي الملك، ووزير الاتصالات (محمود العمار) يعتبر أن الإشارة هي رهن الملك وأبراج اتصالاته العالية التي تطاول عنان السماء، في حين يقدم وزير الرياضة (ملهم حبوب) مرافعته على شكل تعليق حماسي على مباراة كرة قدم، معتبراً الملك هو الرياضي الأول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويدبِّج نقيب التجار (أيهم أبو الشامات) خطبته العصماء في إدانة ابنه دومنيك، ومثله يفعل شاعر المدينة (محمد زحيمان) في اعتبار الملك هو الشاعر الأول، كذلك ينقل مترجم الملك جهلاً عن وزير خارجيته أشياء لم يقلها في خطابه باللغة الإنجليزية. أما فيلسوف المدينة (مازن أسود) فيعتبر أن دومنيك زوّر كلاماً على لسان أرسطو، وأنه كان يهدد مدير مدرسته بالقتل إن لم يخبره بالأسئلة التي ستأتي في الامتحان. مواطنون كثر يفعلون ذلك، لكن مواطناً عادياً (ليث سليمان) يغالي في حب الملك وافتدائه، فلقد جلب معه زجاجة وضع فيها دم ابنه المذبوح، وها هو يشربها أمام الملك كبرهان على ولائه المطلق. أسلوب الغروتيسك (ظاهر مرح وباطن مأساوي) جاء هنا كتتويج لعدة أساليب انتهجها مخرج العرض (إنتاج دراما رود)، وعكف على توليفها ضمن لعبة لا تفتر حتى تعود وتتوهج من جديد.

ولعل الذروة التي أرادها كفاح الخوص كانت في مشهد قتل مدير الفرقة ومخرجها، وهو مشهد قارب فيه المخرج السوري قتل الملك باستخدام عرائس خيال الظل. مماثلة سلطة المخرج بسلطة الملك كانت إسقاطاً قوياً على الإطاحة بكل أنواع الطغيان، فنياً كان أم سياسياً، فما هي سوى لحظات حتى تدخل سماح إلى خشبة المسرح مذعنةً لتسجيل مقطع فيديو تعتذر فيه من المخرج تحت تهديد مسدس حربي، وتعترف بأن الفيديوهات التي صوّرتها ضده وضد زوجته كانت تحت تأثير تعاطيها لمادة مخدِّرة، لكن المخرج مجد يمعن في إذلال مساعدته وعشيقته السابقة، ويرغمها مرات ومرات على تقبيل يده، لتكون المفاجأة حين يثبت المساعد يدي المخرج، في حين تقوم سماح بخنقه حتى الموت، وعندما تطلب هذه الأخيرة من المساعد تسليمها الفيديو الذي سجلته قبل قليل، ينقلب المساعد بدوره عليها، ويهددها بإطلاق الرصاص نحوها، فتنسحب من المكان تحت جدية تهديداته.

يختتم العرض هذه المزاوجة بين المعيش اليومي والأسطوري الخيالي بظهور شخصية البهلول من مسرحية شكسبير، وفي اللحظة التي تطلب الملكة من الجنرال أن يشرح لها حقيقة ما يحدث، وكيف أن بدلة الملك أصبحت ملكاً، طالبةً منه زوجاً يساكنها ويقوم بواجباته الزوجية نحوها، يهدد الجنرال الملكة باتهامها بالخيانة العظمى، ويعدها بأن زوجاً سيكون في سريرها يسر خاطرها مقابل سكوتها، فالجنرال هنا يحافظ على السلطة، واستمرار حكم الملك أوزوالد- كما يعتقد- هو استمرار للدولة، وعليه يصرخ بهلول شكسبير (هشام عواد) في استعادة لحكمة سورية قديمة: "أيها الأحياء في مدنٍ ميتة، كفاكم حروباً، فقد أكل الموت ما يكفي، اتركوا السيف وخذوا المعول، واجعلوا ميلاد الحياة ما يشكره عليه أبناؤكم".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة