ملخص
يقوض دونالد ترمب جهود أوروبا لبناء نظام عالمي جديد عبر مواقفه المتقلبة تجاه روسيا، مما يعزز موقف فلاديمير بوتين ويضعف الدفاعات الغربية في ظل استمرار الحرب على أوكرانيا وتراجع الدعم الأميركي لكييف.
سارع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى التحذير من أنه سيضرب أي قوات أجنبية تتمركز في أوكرانيا بموجب اتفاق سلام لا نية لديه للتوقيع عليه في وقت يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب العمل على إضعاف دفاعات أوروبا.
ففي حديث في مدينة فلاديفوستوك قال بوتين - الذي يزعم أن طموح أوكرانيا إلى الانضمام إلى "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) هو السبب في غزوه أراضيها - إنه "إذا تبين أن هناك قوات [أجنبية] على الأراضي الأوكرانية، خصوصاً الآن في الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية، فإننا سنتصرف من منطلق أنها أهداف مشروعة يمكن تدميرها".
هذا الموقف الذي أكده الزعيم الروسي جاء بعد أقل من يوم على إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أن 26 دولة، منها المملكة المتحدة، ضمن "تحالف الراغبين"، مستعدة لنشر قوات على الأراضي الأوكرانية.
أهم ما في هذه الخطوة أن دور تلك القوات سيكون فقط جزءاً من مهمة طمأنة لكييف، هدفها تفادي أن تقوم موسكو بإبرام اتفاق سلام، ثم تعاود في وقت لاحق التسلح وشن غزو جديد على جارتها. على أي حال فإن أي قوات أوروبية أو بريطانية لن تدخل إلى الأراضي الأوكرانية قبل التوصل إلى اتفاق سلام شامل.
وفي حين أنه لا تلوح في الأفق أي احتمالات لإمكان عقد اتفاق سلام، إلا أن أوروبا تواصل مساعيها إلى بناء نظام جديد، بعيداً من الفوضى التي أحدثها الرئيس الأميركي، غير أن كل خطوة تخطوها في هذا الإطار، تواجه عملية إحباط من البيت الأبيض.
وكما هو معلوم، فإن روسيا رفضت حتى الآن الدخول حتى في محادثات وقف إطلاق نار مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، متذرعة (من بين حجج أخرى) بافتقاره للشرعية السياسية. وفي الواقع، تم انتخاب زيلينسكي بغالبية ساحقة في انتخابات ديمقراطية، وهو الآن يقود حكومة تعمل في ظل أحكام عرفية.
وكان ترمب قد أعرب مراراً عن إحباطه من رفض الكرملين الانخراط في جهود سلام حقيقية، لكنه في المقابل منح الزعيم الروسي، المتهم بارتكاب جرائم حرب، إذناً بالقيام باستعراض جوي بطائرته في الأجواء الأميركية، وفرش له السجاد الأحمر خلال القمة التي استضافها أخيراً في ولاية ألاسكا.
صحيح أن إدارته فرضت عقوبات اقتصادية أشد على روسيا، إلا أنها أيضاً خفضت المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا، وقلصتها إلى الصفر. وتواجه كييف الآن تهديداً وشيكاً يتمثل في إمكان أن توقف وزارة الدفاع الأميركية إرسال معلوماتها الاستخباراتية إلى أوكرانيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذا الإطار أفادت صحيفة "فاينانشيال تايمز" بأن الرئيس الأميركي يخفض تمويل برنامجين مصممين لدعم الدول التي تقع جغرافياً على خط المواجهة مع روسيا، ولا سيما دول البلطيق، من دون تخصيص أي تمويل إضافي بعد شهر سبتمبر (أيلول) من السنة المقبلة.
كذلك قام ترمب بشطب نحو 228 مليون دولار (168 مليون جنيه استرليني) كانت مخصصة سابقاً للاتفيا وإستونيا وليتوانيا من موازنته للإنفاق العسكري المستقبلي، وجرى تقليص برنامج تابع لـ"البنتاغون"، مما يخفض نحو مليار و900 مليون دولار من الدعم المقدم لدول أوروبا الشرقية في دفاعها ضد روسيا.
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا تبنى دونالد ترمب إلى حد كبير سردية فلاديمير بوتين القائلة بأن كييف و"حلف شمال الأطلسي" هما اللذان حفزا الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. واستبعد أيضاً نشر عناصر أميركيين ضمن أي قوة مستقبلية يشكلها "تحالف الراغبين".
كما أن الرئيس الأميركي الذي يشكك في أطر وقواعد القانون الدولي والإنساني لمح إلى أن روسيا ستحتفظ على الأرجح بجزء كبير، إن لم يكن بمجمل الأراضي التي استولت عليها في أوكرانيا - وهو سيناريو من شأنه أن يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
إضافة إلى ذلك قام ترمب باستضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - وهو الآخر وجهت إليه "المحكمة الجنائية الدولية" اتهاماً بارتكاب جرائم حرب - في البيت الأبيض.
وهذا الأسبوع، نشر الرئيس الأميركي بفخر مقطع فيديو يظهر مقتل 11 شخصاً يشتبه في تورطهم في تجارة المخدرات، والذين قتلوا - أو كما قال وزير الدفاع بيت هيغسيث - "أحرقوا" بصاروخ أميركي، أطلق عليهم في المياه الدولية. وأضاف ترمب "والآتي أعظم".
تجدر الإشارة إلى أن استهداف أفراد لمجرد الاشتباه بارتكابهم أفعالاً جرمية، من دون أن يشكلوا تهديداً مباشراً أو واضحاً لمواطن أميركي أو حتى لحليف، يعد أمراً صادماً للغاية، علماً أن هذه الممارسات محظورة بموجب القانون الدولي واللوائح العسكرية الأميركية.
البيت الأبيض وصف القتلى بأنهم "إرهابيو مخدرات"، لكن الولايات المتحدة خاضت "حرباً على المخدرات" في أميركا الجنوبية والوسطى لسنوات من دون اللجوء إلى إعدامات خارج نطاق القانون.
مع ذلك تعد هذه الأساليب تكتيكاً مفضلاً لدى أجهزة الاستخبارات الروسية، لكن هذه الأجهزة تتظاهر في الأقل بأنها لم تتورط في استخدام غازات الأعصاب، أو السموم المشعة، أو إلقاء منتقدي فلاديمير بوتين من الشرفات.
وقد أكد الرئيس الأميركي ووزيرا الدفاع هيغسيث والخارجية ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف مهربي المخدرات المزعومين.
معلوم أن الولايات المتحدة لا تعترف باختصاص "المحكمة الجنائية الدولية"، وقد سبق أن فرضت عقوبات على المدعي العام فيها كريم خان، رداً على توجيه المحكمة اتهامات إلى بنيامين نتنياهو.
مع ذلك من المرجح أن تجري المحكمة تحقيقاً فيما حدث، وقد تذهب إلى حد توجيه اتهامات إلى أعضاء في مجلس الوزراء وعسكريين أميركيين على خلفية ما قاموا به، بما في ذلك عمليات القتل باستهداف قوارب سريعة وأي عمليات مستقبلية.
يبقى أن احتمال خضوع رئيس أميركي لمثل هذا التدقيق من شأنه أن يضعف مكانة الولايات المتحدة أكثر فأكثر في أوروبا، وهو وضع يصب تماماً في مصلحة الرئيس الروسي بوتين.
© The Independent