Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة متعددة الأبعاد تضرب إيران وتدفع الأسر إلى ما دون خط الفقر

معركة يومية من أجل البقاء في ظل معاناة تتعمق يوماً بعد يوم مع ارتفاع الأسعار وتقلص فرص العمل وتزايد القيود

أعلن البنك المركزي الإيراني أن معدل التضخم السنوي للسلع من دون احتساب الخدمات وصل في مارس إلى 95.7% (وكالة غرب آسيا/ رويترز)

ملخص

بصورة عامة ترسم هذه العوامل مجتمعة، من تضخم جامح وبطالة واسعة، إلى تأخر دفع الرواتب، وصعوبات الحصول على إعانة البطالة، وانقطاع الإنترنت، صورة لأزمة متعددة الأبعاد انعكست بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين الإيرانيين. وما يتكرر في الشهادات الشعبية ليس مجرد شكاوى من الغلاء أو البطالة، بل شعور متصاعد باستنزاف مستمر للقدرة المعيشية وتآكل الحد الأدنى من مقومات الحياة.

 

تزامناً مع تفاقم الأزمات الاقتصادية في إيران، أعلن البنك المركزي، في الـ27 من أبريل (نيسان) الجاري، في أحدث تقاريره، أن معدل التضخم السنوي للسلع، من دون احتساب الخدمات، بلغ في مارس (آذار) الماضي مستوى غير مسبوق وصل إلى 95.7 في المئة، وهو رقم يعكس بوضوح أن العبء الرئيس لسياسات النظام في إيران يقع على معيشة الأسر اليومية. وتأتي هذه الأرقام في وقت تظهر فيه الروايات الواردة إلى "اندبندنت فارسية" عن الواقع المعيشي في مدن إيرانية مختلفة صورة أكثر حدة للأزمة، إذ لم يعد ارتفاع الأسعار مساراً تدريجاً، بل تحول إلى قفزة غير مسبوقة وخارجة عن السيطرة.

وبحسب إفادات المواطنين، شهدت أسعار كثير من السلع الأساسية خلال الأسابيع الأخيرة تغييرات يومية، إلى درجة أن الباعة أنفسهم باتوا عاجزين عن تحدتتلايد أسعار ثابتة.

يقول أحد سكان مدينة طهران "أصبحت زجاجة الماء الصغيرة بـ20 ألف تومان (0.13 دولار)، وسجائر بهمن الصغيرة بـ100 ألف تومان (0.66 دولار)، والمشروب العائلي بـ115 ألف تومان (0.76 دولار)، وعلبة البيض بـ480 ألف تومان (3.2 دولار)! في ظل هذا الوضع، لم يعد ممكناً العيش فعلاً، كثيرون لم يعودوا قادرين على تناول ثلاث وجبات كاملة يومياً".

وتظهر روايات مماثلة واردة من محافظات مازندران وكيلان والبرز وخراسان رضوي وفارس وهرمزغان وكرمان وأصفهان، أن شريحة واسعة من الأسر انزلقت فعلياً إلى ما دون خط الفقر، وأصبح تأمين الحد الأدنى من الغذاء تحدياً حقيقياً لها.

بالتوازي مع موجة الغلاء هذه، تتفاقم أزمة البطالة أيضاً، إذ تشير تقارير رسمية، نشر بعضها في وكالات أنباء حكومية إيرانية، إلى إغلاق واسع للوحدات الإنتاجية في مناطق مختلفة من البلاد، مما أدى إلى تسريح العمال وفقدان عشرات الآلاف من الوظائف خلال فترة قصيرة، فعلى سبيل المثال، أفاد مسؤولون محليون في محافظة فارس لوكالة "إيلنا"، بأن أعداداً كبيرة من العمال في شركات تعدين وصناعة مثل "آوند بودر" و"بویشكران معادن مكنون بارسيان" و"رنكين سنك" فقدوا وظائفهم، كما أعلن في إحدى الحالات عن تسريح مفاجئ بين ليلة وضحاها لنحو 900 عامل في مجمع تعديني واحد في هذه المحافظة.

في المدن الجنوبية تبدو الأوضاع أكثر تعقيداً، إذ تشير تقارير صحيفة "دنياي اقتصاد" إلى أنه، مع التراجع الحاد في نشاط الموانئ بسبب الحرب والحصار البحري، تشكلت موجة واسعة من تسريح العمال في أرصفة موانئ بندر عباس وبوشهر والأحواز. ووفقاً لمصادر محلية، تم الاستغناء عن ما بين 30 و60 في المئة من القوى العاملة في بعض الوحدات. ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه اقتصاد هذه المناطق بشكل كبير على التجارة البحرية، مما أدى توقفها إلى خلق سلسلة من البطالة في قطاعات عدة.

يقول أحد سكان بندر عباس "كثيرون ممن فقدوا وظائفهم اضطروا إلى العمل في تطبيقات النقل، لكن حتى ذلك لم يعد مجدياً. المدينة أصبحت شبه خالية، ولا يوجد زبائن. عملياً، لم يعد هناك دخل يذكر". يضيف أن تراجع النشاط الاقتصادي أدى أيضاً إلى إغلاق المقاهي والمطاعم والأعمال الصغيرة، مما خلق حال ركود عامة.

في محافظة مازندران، تفيد التقارير بإغلاق واسع لمزارع الدواجن وتربية المواشي والصناعات الغذائية. ويقول أحد السكان "كل شيء متوقف، لا عمل ولا دخل، كثيرون تم تسريحهم، الوضع الآن أسوأ من أي حرب".

أما في محافظة كيلان، فقد ترافقت الأزمة مع نقص في الطحين وإغلاق كثير من المخابز. وفي مدينة تالش يشير السكان إلى تشكل طوابير طويلة لشراء الخبز، مع فرض نظام تقنين صارم.

في الوقت نفسه، لا تقتصر الأزمة على الغلاء والبطالة، بل تمتد إلى تأخر دفع الأجور، مما يزيد الضغوط المعيشية، فقد أعلن المجلس المركزي لموظفي الجامعات في إيران، في بيان، أن رواتب مارس الماضي، لم تصرف بعد، مما تسبب في صعوبات معيشية لكثير من الأسر. وأكد البيان أن حتى التأخير القصير في دفع الرواتب، في ظل الظروف الحالية، قد يخلف تداعيات خطرة على حياة الموظفين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهة أخرى، يواجه الحصول على إعانة البطالة، بدوره، مشكلات جدية، إذ تشير التقارير إلى أن الأنظمة الإلكترونية المعنية تعرضت لاضطرابات متكررة، كذلك فإن إجراءات البت في الطلبات تستغرق وقتاً طويلاً بشكل ملحوظ. وفي هذا السياق، قال الناشط العمالي إحسان سهرابي إن عدداً كبيراً من العمال المسرحين يضطرون إلى بذل جهد كبير يمتد أشهراً من أجل الحصول على مبالغ زهيدة، على رغم أن هذه المبالغ تعد ضرورية لاستمرار حياتهم.

بالتوازي مع ذلك، فإن استمرار قطع الإنترنت قد وجه ضربة قوية لاقتصاد الأسر. وذكرت قناة "امتداد" على "تيليغرام" أن تقديرات ناشطين في القطاع الخاص تشير إلى أن الكلفة الاقتصادية لهذا الانقطاع تراوح ما بين 70 و80 مليون دولار يومياً، مما يرفع إجمال الخسائر إلى أكثر من ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار، وهو ما يعكس حجم الضرر الذي لحق بالأعمال، لا سيما الأنشطة المعتمدة على الإنترنت.

حتى صحيفة "إطلاعات" الحكومية، التي يعين مديرها المسؤول بقرار مباشر من المرشد الإيراني، نشرت تقريراً غير مسبوق حذرت فيه من أن اجتماع التضخم الحاد، والبطالة الواسعة، واضطراب سلاسل الإمداد، وإغلاق الأعمال الإلكترونية، قد أوصل الاقتصاد الإيراني إلى مرحلة حرجة. وأكد التقرير أن بعض الأسر لم تعد قادرة على تحمل الضغوط الاقتصادية، محذراً من تداعيات هذا الوضع واحتمال اندلاع احتجاجات جديدة في الشارع الإيراني.

كما أشار عضو لجنة الموازنة في البرلمان الإيراني، منصور علي مرداني إلى الإغلاق الواسع للمنشآت الإنتاجية، قائلاً إن كثيراً من الشركات اضطرت إلى تسريح العمال بسبب نقص المواد الأولية، أو غياب رأس المال العامل، أو عدم القدرة على تغطية النفقات الجارية.

بصورة عامة ترسم هذه العوامل مجتمعة، من تضخم جامح وبطالة واسعة، إلى تأخر دفع الرواتب، وصعوبات الحصول على إعانة البطالة، وانقطاع الإنترنت، صورة لأزمة متعددة الأبعاد انعكست بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين الإيرانيين. وما يتكرر في الشهادات الشعبية ليس مجرد شكاوى من الغلاء أو البطالة، بل شعور متصاعد باستنزاف مستمر للقدرة المعيشية وتآكل الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وفي كثير من هذه الروايات، تتكرر فكرة واحدة بوضوح: أن الحياة بالنسبة إلى شريحة واسعة من المجتمع الإيراني لم تعد تعني السعي نحو تحسين الظروف، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء، في ظل أزمة تتعمق يوماً بعد يوم مع ارتفاع الأسعار، وتقلص فرص العمل، وتزايد القيود.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

المزيد من تقارير