ملخص
يبدو أن تكليف علي الزيدي لا يمثل مجرد تغيير في اسم رئيس الحكومة، بل محاولة لإعادة صياغة التوازن السياسي في العراق ضمن إطار جديد يجمع بين التوافق التقليدي وطرح وجوه شابة، لكن التجربة تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند التكليف، بل بعده، حين تبدأ مواجهة الملفات الثقيلة، وتظهر حدود التوافقات السياسية أمام واقع الحكم، بينما تقف الحكومة المقبلة أمام اختبار قد يحدد ملامح المرحلة السياسية القادمة في العراق.
لم تكن لحظة إعلان تكليف علي الزيدي تأليف الحكومة الجديدة مجرد إجراء دستوري روتيني، بل بدت أقرب إلى انتقال محسوب في مشهد سياسي يتغير بسرعة، وكأن الأطراف المعنية قررت طي صفحة الجدال وفتح صفحة التنفيذ من دون إطالة في المقدمات.
خلال ساعات قليلة، انتقل العراق من تداول أسماء المرشحين داخل الغرف المغلقة إلى إعلان رسمي من قصر بغداد، في إشارة توحي بأن قراراً أكبر من الأسماء نفسها قد تم إنضاجه مسبقاً، لكن ما يظهر على السطح كسرعة في الحسم، يخفي خلفه طبقات معقدة من التفاهمات والتوازنات وإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل البيت السياسي، فاختيار علي الزيدي، القادم من خلفية اقتصادية، لا يبدو مجرد تبديل في الوجوه، بل خطوة تحمل رهانات على مرحلة جديدة، عنوانها العريض محاولة التوفيق بين ضغط التوافقات السياسية الثقيلة، ومتطلبات إدارة دولة تواجه تحديات اقتصادية وأمنية متراكمة.
رمزية المكان ورسائل السياسة
اختيار القصر الحكومي في بغداد مكاناً لعقد اجتماع "الإطار التنسيقي" لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، فالمكان، الذي يمثل مركز السلطة التنفيذية، حمل رسالة سياسية مزدوجة، تأكيد استمرارية الدولة ومؤسساتها من جهة، وإظهار أن "الإطار التنسيقي" يتصرف بوصفه القوة السياسية الأبرز القادرة على إدارة المرحلة من جهة أخرى.
هذا البعد الرمزي جاء مترافقاً مع خطاب إشادة واضح بحكومة محمد شياع السوداني، التي أدارها على مدى سنوات، حيث جرى التركيز على ما وصف بالأداء الوطني المسؤول ومواجهة التحديات الاقتصادية والإقليمية. وجرى التأكيد أن المشاركة الواسعة في الانتخابات الأخيرة تعكس استعادة جزء من ثقة المواطن بالنظام السياسي، وهو عنصر تسعى القوى الفاعلة لتوظيفه في تثبيت شرعية المرحلة المقبلة.
التنازل كأداة سياسية وإعادة ترتيب داخل الإطار
من أبرز ما ورد في بيان "الإطار التنسيقي" الإشادة بما وصفه بالمواقف التاريخية لكل من نوري المالكي ومحمد شياع السوداني عبر التنازل عن الترشح لرئاسة الحكومة. هذه الخطوة فتحت الباب أمام قراءات متعددة، إذ يرى مراقبون أنها تهدف أولاً إلى تمرير التوافق وتفادي أي تصدع داخلي، لكنها في الوقت نفسه تعكس عملية إعادة توزيع للأدوار داخل البيت السياسي الواحد.
هذا النمط من التنازل لا يبدو جديداً في السياق العراقي، لكنه في هذه المرحلة يأخذ بعداً أكثر وضوحاً، إذ يجري الحفاظ على توازن النفوذ بين القوى التقليدية، مقابل الدفع بشخصية جديدة إلى الواجهة التنفيذية، بما يضمن استمرار السيطرة السياسية بصيغة أكثر مرونة.
من الكواليس إلى الحسم... مسار اختيار الزيدي
وفق المعطيات السياسية، لم يكن اسم علي الزيدي في مقدم الترشيحات خلال بداية النقاشات، إلا أن تعقيد المشهد دفع نحو خيار تسوية. تفويض شخصيات ثقيلة داخل "الإطار" لحسم الملف كان نقطة تحول، إذ أفضى إلى الاتفاق على الزيدي وطرحه على بقية القوى، قبل أن يحصل على إجماع سريع خلال اجتماع قصير نسبياً.
هذه السرعة في الحسم تعكس أن القرار كان نضج خارج قاعة الاجتماع، وأن ما جرى لم يكن سوى إعلان رسمي لتفاهمات سابقة، وهو نمط بات مألوفاً في إدارة الاستحقاقات السياسية الكبرى في العراق.
التكليف الدستوري وتثبيت المعادلة السياسية
تكليف رئيس الجمهورية الزيدي جاء في سياق سريع، وبحضور رسمي واسع شمل رؤساء السلطات وقادة سياسيين. هذا المشهد حمل رسالة واضحة مفادها بأن هناك إرادة سياسية لتثبيت التوافق ومنع أي فراغ دستوري أو سياسي.
الرئيس العراقي نزار آميدي شدد على الالتزام بالدستور وعلى ضرورة تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ برنامج إصلاحي، في وقت ركز الزيدي في أول خطاب له على الانفتاح والتعاون مع جميع القوى، وهو خطاب يعكس إدراكاً مبكراً لحجم التحديات التي تنتظره.
دعم واسع بشروط غير معلنة
المشهد السياسي شهد موجة ترحيب واسعة بتكليف الزيدي، شملت قوى من داخل "الإطار" وخارجه، إضافة إلى قوى سنية وكردية، لكن هذا الترحيب لم يكن مطلقاً، بل حمل في طياته شروطاً واضحة تتعلق بطبيعة الحكومة المقبلة.
غالبية البيانات السياسية ركزت على ضرورة تشكيل حكومة كفوءة، تعزيز الشراكة الوطنية، معالجة الأزمات الاقتصادية، حصر السلاح بيد الدولة، والالتزام بالتوقيتات الدستورية. هذه العناوين تعكس طبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات، إذ يمنح الدعم مقابل الالتزام بسقف محدد من التوقعات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الزيدي بين الخلفية الاقتصادية والواقع السياسي
يمثل علي الزيدي نموذجاً مختلفاً مقارنة برؤساء الحكومات السابقين، فهو ينتمي إلى جيل أصغر سناً، ويحمل خلفية في القانون والمالية والمصرفية، إضافة إلى خبرات إدارية في مؤسسات اقتصادية وتعليمية.
هذه الخلفية قد تمنحه أدوات مهمة في إدارة الملفات الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام تحدي التعامل مع بيئة سياسية معقدة، تتطلب خبرة عالية في إدارة التوازنات والتفاهمات بين القوى المختلفة.
في السياق، رأى المحلل السياسي العراقي علي الربيعي أن "سرعة حسم ترشيح الزيدي تعكس تحولاً في سلوك القوى السياسية داخل الإطار التنسيقي نحو تقليل كلفة الخلافات الداخلية"، وأشار "إلى أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد توافق على اسم، بل هو توافق على مرحلة سياسية كاملة تهدف إلى تجنب الانسداد"، وتابع "أن اختيار شخصية أقل استقطاباً يعكس رغبة في تهدئة المشهد السياسي وفتح قنوات أوسع مع الشركاء"، لكنه في الوقت ذاته حذر من أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التكليف، "خصوصاً عند الدخول في تفاصيل تشكيل الحكومة وتقاسم الوزارات، حيث تظهر التناقضات بصورة أوضح"، ورأى أن قدرة الزيدي على المناورة السياسية ستكون العامل الحاسم في نجاحه.
من جانبه قدم المحلل السياسي في الشأن العراقي علي حسين قراءة أكثر حذراً، إذ اعتبر "أن ما حدث يمثل إعادة إنتاج للتوازنات التقليدية، لكن بواجهة جديدة"، مبيناً أن سرعة التوافق لا تعني بالضرورة وجود انسجام مستدام، "بل قد تكون نتيجة تقاطع مصالح مرحلي بين القوى السياسية"، وأضاف "أن الزيدي جاء كخيار تسوية بين أجنحة متنافسة، مما يمنحه بداية مستقرة نسبياً، لكنه يضعه تحت ضغط دائم لإرضاء جميع الأطراف"، مؤكداً أن التحدي الأكبر أمام رئيس الوزراء المكلف لن يكون في نيل الثقة، "بل في الحفاظ على هذا التوافق أثناء إدارة الملفات الحساسة، بخاصة الاقتصاد وملف حصر السلاح"، محذراً من أن أي محاولة إصلاحية جذرية قد تصطدم سريعاً بتوازنات المصالح السياسية.
تشكيل الحكومة العقدة المقبلة
على رغم سلاسة اختيار رئيس الوزراء فإن المرحلة الأصعب تبدأ مع تشكيل الحكومة، فالتجارب العراقية السابقة تؤكد أن توزيع الوزارات غالباً ما يتحول إلى ساحة تفاوض معقدة بين القوى السياسية.
"الإطار التنسيقي" أعلن عن اجتماعات قريبة لبحث الأمر، مما يعني أن المفاوضات ستنطلق بصورة مكثفة خلال الفترة المقبلة، في اختبار مبكر لقدرة الزيدي على إدارة التوازن بين الكفاءة والتوافق.
الاقتصاد والأمن
الملف الاقتصادي يمثل التحدي الأبرز في ظل اعتماد العراق الكبير على النفط وتذبذب الأسعار العالمية، إذ تظهر أهمية الخلفية المالية لرئيس الوزراء المكلف، لكنها لا تكفي وحدها من دون دعم سياسي واسع.
أما ملف الأمن وحصر السلاح بيد الدولة، فيبقى من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، نظراً إلى تشابك العوامل الداخلية والخارجية، مما يجعل أي تقدم فيه مرهوناً بتفاهمات سياسية دقيقة.
ويبدو أن تكليف الزيدي لا يمثل مجرد تغيير في اسم رئيس الحكومة، بل محاولة لإعادة صياغة التوازن السياسي في العراق ضمن إطار جديد يجمع بين التوافق التقليدي وطرح وجوه شابة، لكن التجربة تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند التكليف، بل بعده، حين تبدأ مواجهة الملفات الثقيلة، وتظهر حدود التوافقات السياسية أمام واقع الحكم، بينما تقف الحكومة المقبلة أمام اختبار قد يحدد ملامح المرحلة السياسية القادمة في العراق.