Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أسهمت "نكسة 1967" في إنعاش حلم الحركة الصهيونية؟

احتلال الدولة العبرية مساحات واسعة من جغرافيا مصر وسوريا والضفة وغزة فتح شهية عودة الحلم "الصهيوني" الذي صكه الآباء المؤسسون وحسابات وتقديرات عبدالناصر في تلك الفترة لا تزال محل جدل

مثلت حرب يونيو 1967 منعطفاً "خطراً" تغير معه شكل الشرق الأوسط ولا تزال تبعاتها جاسمة (اندبندنت عربية)

ملخص

لم تكن حرب الخامس من يونيو عام 1967 أو ما تعرف بحرب الأيام الستة أو "النكسة" كغيرها من الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط على مدى القرن الماضي، إذ يجمع كثير من المؤرخين والباحثين المعنيين، أنها "غيرت شكل الشرق الأوسط" ولا تزال تترك بصماتها على تفاعلاته حتى الوقت الراهن، لا سيما بعدما كانت منعطفاً رئيساً استولت فيه إسرائيل على أراض عربية واسعة فضلا عن دخول الدولة العبرية في "علاقة استراتيجية" واسعة التمدد مع الولايات المتحدة الأميركية. وعلى رغم مرور أكثر من خمسة عقود عليها، لا تزال هزيمة العرب فيها وحجم الانهيار السريع لقواتهم لغزا كبيرا لم يفك شفراته بعد.

بسرديته المباغتة عن إيمانه الروحي بـ"إيرتس يسرائيل هاشليماه" أو ما يعرف عربياً بـ"إسرائيل الكبرى"، قلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما كان سابقاً يقتصر على دوائر وأقطاب تيار الصهيونية الدينية المتطرفة، ليكون بمثابة "تعبير وتوجه رسمي"، وذلك حين أعلن في وقت سابق من أغسطس (آب) الماضي، عن "شعوره بأنه في مهمة تاريخية وروحانية ترتبط بأجيال اليهود عبر العصور"، مجيباً بالموافقة بنعم على سؤال حول ما إذا كان هذا يشمل رؤية إقامة "إسرائيل الكبرى".

ذلك المصطلح المتداخل في حياكته وصكه تاريخياً بين العقيدة الصهيونية التي رسخها قادتها الأوائل أمثال تيودور هرتزل وزئيف جابوتنيسكي وديفيد بن غوريون ولا ترى للدولة العبرية حدوداً جغرافية، وأساطير دينية توراتية تستند إلى ما ذكر في أحد نصوص سفر التكوين (الإصحاح 15: الآيات 18-21) بأنه "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات"، يمثل "إسرائيل الكبرى" في حدوده الدنيا السيطرة على كل "فلسطين التاريخية" بما فيها الضفة الغربية وغزة إضافة إلى الأردن، فيما تتجاوز حدوده في الصيغ الأكثر تطرفاً لتشمل إلى جانب ذلك أجزاء من العراق ومصر وسوريا ولبنان والسعودية.

لكن وعلى رغم رسوخ فكرة "إسرائيل الكبرى" بصيغها المختلفة لدى تيار الصهيونية الدينية منذ نشأته الأولى في أواخر القرن الـ19، فإن خفوتها وصعودها، بحسب تقصٍّ لـ"اندبندنت عربية" عبر التقليب في الوثائق والكتابات التاريخية، ارتبط في كثير من الأحيان بمحطات وأحداث فارقة مرت بها منطقة الشرق الأوسط والدولة العبرية منذ إعلان تأسيسها عام 1948، ولعل من بين تلك الأحداث الكبرى التي أسهمت في بروزها كانت حرب يونيو (حزيران) 1967، التي قادت إلى احتلال إسرائيل أراضي عربية في سوريا ومصر فضلاً عن الضفة الغربية وقطاع غزة، تجاوزت في حينه ثلاثة أضعاف مساحتها، وهو المنعطف الذي يرجع مسؤوليته بعض المؤرخين، لسياسات الرئيس المصري حينها جمال عبدالناصر، حين "أخطأ" التقدير والحسابات في شأن "قدرات الخصم" وسياقات الظرف الإقليمي والدولي آنذاك.

حلم "صهيوني" يتحين التنفيذ

لم يكن اصطلاح "إسرائيل الكبرى" كمفهوم أيديولوجي وسياسي في الفكر الصهيوني حديث العهد بإعلان تأسيس الدولة العبرية في مايو (أيار) 1948، بل إن جذور المصطلح تعود بالأساس إلى الفترة التي كتب فيها مؤسس الصهيونية السياسية تيودور هرتزل مذكراته (دولة اليهود) بين نهاية القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، حين عكس رؤيته في ما يعرف بـ"الأرض القديمة الجديدة" أن تكون "حدود الدولة اليهودية غير محددة الجغرافيا"، ولا تقتصر على "فلسطين التاريخية" وفق المفاهيم العربية، بل تمتد لتشمل أجزاء من لبنان وسوريا فضلاً عن صحراء سيناء، وذلك حين أشار في كتابه إلى "المرونة التي يجب أن تتمتع بها الدولة المزمع تأسيسها، وكيف أن حدودها يجب أن تظل مرهونة بالقدرات الاستيطانية والقدرة على التوسع والدعم الدولي".

 

هذه الحدود المفتوحة أثارت جدلاً وفق ما تقوله دائرة المعارف البريطانية، بين القيادات الصهيونية في أوائل القرن الـ20، الذي تفاقم مع إعلان بريطانيا تعهدها الشهير على لسان وزير خارجيتها أرثر بلفور في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 بإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين" من دون تحديد حدود واضحة له، مما قاد إلى ظهور تيار "الصهيونية التصحيحية" بقيادة زئيف جابوتنيسكي، الذي تبنى فكرة "إسرائيل الكبرى" باعتبار أن الوطن القومي اليهودي يجب أن يمتد ليشمل فلسطين الانتدابية بشطريها، الغربي والشرقي، أي كامل فلسطين التاريخية بما فيها الضفة الغربية وغزة، إضافة إلى شرق الأردن (الأردن الحالية). ورفع التصحيحيون آنذاك شعار "ضفتا الأردن لنا"، وذلك في وقت حدد فيه التيار الصهيوني السائد، مشروعه لدولة يهودية ضمن حدود فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني.

جابوتنيسكي، الذي أسس خلال الربع الأول من القرن الماضي، ما عرف اصطلاحاً بعقيدة "الجدار الحديدي"، وهي العقيدة التي كتب عنها في مقال بالروسية عام 1923 قائلاً إنها "الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يوافق بموجبها العرب على دولة يهودية في فلسطين هي القوة التي تسحقهم وتذعنهم"، عبر عن إيمانه بـ"إسرائيل الكبرى" التي تشمل في أقل تقدير الأردن إلى جانب "فلسطين التاريخية"، حين كتب في قصيدته "شرقي النهر" يقول "لا يقوم هيكل إلا على ضلعه، ولا إنسي إلا على عموده الفقري، ونهر الأردن النهر المقدس، هو ضلع بلادي وعمودها الفقري، بلادي وإن انحسرت وصغرت، تطل لي من رأسها إلى أخمصها، من بحرها إلى صحرائها تتمدد، والنهر - نهر الأردن - في وسطها، ضفتان للنهر، هذه لنا وتلك أيضاً".

على النحو ذاته، طالبت عصابة "أرغون" (أدمجت في الجيش الإسرائيلي لاحقاً) الصهيونية المتطرفة، التي ظهرت خلال فترة الانتداب البريطاني بأرض فلسطين (1922-1948)، بأن تكون "دولة فلسطين التاريخية والأردن دولة يهودية"، وذلك في وقت عرف فيه معهد "التوراة والأرض" الإسرائيلي أن "أرض إسرائيل الكبرى تمتد من نهر الفرات شرقاً إلى نهر النيل جنوباً".

وخلال وعد بلفور عام 1917 تعهدت بريطانيا بإنشاء "وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين"، ووصف اسم "فلسطين" بصورة أساسية الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، بحدود متفاوتة، ولكن نظراً إلى أن الحدود لم يتم تحديدها آنذاك بعد في الإمبراطورية العثمانية المتداعية، كان ينظر البعض إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن على نطاق واسع على أنها امتداد لفلسطين، وحينها تبنت الحركة الصهيونية في بعض أجنحتها فكرة استعادة هذه "الأرض الموعودة" كجزء من المشروع القومي اليهودي.

وانطلاقاً مما هو راسخ في العقيدة الصهيونية كان ربط "إسرائيل الكبرى" بـ"أساطير توراتية"، ترتكز، وفق مفاهيم مؤيديها، إلى تفسيرات دينية وتاريخية للتوراة تتحدث بصورة أساسية عن الوعد الإلهي الذي منحه يهوه (إله) لإبراهيم (عليه السلام) ونسله، وورد في سفر "التكوين" بأن يهوه وعد إبراهيم بأن يعطيه ونسله أرضاً محددة المعالم: "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات" (سفر التكوين الإصحاح الخامس عشر: 18-21)، مما يعني أن الدولة تتوسع عبر أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط كتناسخ مفترض لـ"المملكة الإسرائيلية في الأرض"، وهو ما أصبح حجر الزاوية فكرة "الأرض الموعودة لشعب الله المختار".

 

وعلى هذا النحو، استمر طرح "إسرائيل الكبرى"، وبدأ كثير من قيادات الصهيونية في تبنيه، بين من يرجعه إلى "العقيدة التوراتية" وآخرين إلى "حقوق الدولة اليهودية ذاتها" في الأرض الموعودة بكامل امتدادها أي من النهر إلى النهر (من الفرات إلى النيل)، باعتباره ليس وعداً إلهياً فحسب، بل التزام عهدي، وحق قانوني وملكية لكل الأراضي الواقعة بين النهرين. فهنا مثلاً كتب ديفيد بن غوريون عامي1937 و1938 عن أن "الحيازة المتزايدة ليست ذات أهمية في حد ذاتها فحسب، بل لأنه من خلالها نزيد من قوتنا، وكل زيادة في القوة تساعد في حيازة الأرض ككل. إقامة الدولة حتى لو كانت على جزء بسيط فقط من الأرض، هي التعزيز الأقصى لقوتنا في الوقت الحالي ودفعة قوية لمساعينا التاريخية، سنحطم الحدود التي تفرض علينا، ليس بالضرورة من طريق الحرب"، معتبراً في وقت لاحق أن حرب عام 1948 "لم تحسم مسألة وجودهم وتمددهم، وأنه لكي تتقبل الدول العربية وجود إسرائيل في المنطقة لا بد من إرغامها على ذلك، بإلحاق هزيمة أخرى بها في حرب أخرى تقنعها بقبول الأمر الواقع".

حرب 1967 ونقطة تحول

لم تكن حرب الخامس من يونيو عام 1967 أو ما تعرف بحرب الأيام الستة أو "النكسة" كغيرها من الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط على مدى القرن الماضي، إذ يجمع كثير من المؤرخين والباحثين المعنيين بالمنطقة، أنها "غيرت شكل الشرق الأوسط" ولا تزال تترك بصماتها على تفاعلاته حتى الوقت الراهن، لا سيما بعدما كانت منعطفاً رئيساً قاد فيه انتصار إسرائيل إلى دخول الدولة العبرية في "علاقة استراتيجية" واسعة التمدد مع الولايات المتحدة الأميركية.

في تلك الحرب، وعلى رغم كونها ثالث الحروب العربية - الإسرائيلية في ذلك التوقيت، تمكنت الدولة العبرية من احتلال إسرائيل أراضي في ثلاث دول عربية (مصر وسوريا والأردن) التي شملت (شبه جزيرة سيناء المصرية، ومرتفعات الجولان السورية، والقدس والضفة الغربية وقطاع غزة)، مما أحيا معه فكرة "إسرائيل الكبرى" حين تحدث بعض القادة الإسرائيليين مثل مناحيم بيغن وموشيه ديان عن ضرورة الاحتفاظ بالأراضي المحتلة بعد 1967 كجزء من أرض إسرائيل التاريخية، مما دفع الأحزاب اليمينية والمتطرفة مثل "الليكود" و"الصهيونية الدينية"، إلى إبقاء الفكرة حية في خطابهم.

وفق ما تقول هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، فعلى وقع الانتصار الحاسم لإسرائيل على العرب تبدت أسطورة "داوود وجليات" وأصبحت تخيم على الدولة العبرية، في إشارة إلى القصة الواردة في العهد القديم، التي تقول إن "داوود الإسرائيلي أوقع جليات العربي... كما يروي العهد القديم أن النبي داوود، وحينما كان صبياً تمكن من إيقاع رجل عملاق متمرس في الحرب ومدجج بالسلاح، لا بشيء إلا بقوة الله وحجر مقلاع أصابه بضربة قاتلة في جبهته".

وانطلاقاً من تلك التصورات، كان من بين التبعات التي عكستها نتائج تلك الحرب، ظهور منظمات سياسية يمينية إسرائيلية تروج لفكرة "أرض إسرائيل الكاملة"، ومن بين تلك المنظمات كانت "الحركة من أجل إسرائيل الكبرى" التي أسسها الجنرال أفراهام يوفي، وروجت بصورة مكثفة لأفكارها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي قبل أن تدخل العمل السياسي وتنضم إلى حزب الليكود في وقت لاحق.

 

وبينما ناورت إسرائيل خلال أعوام تأسيسها الأولى بعد عام 1948، في شأن توسعها خارج "فلسطين الانتدابية"، وذلك حين انتهج قادتها ما وصفه بعض المؤرخين اليهود بـ"البرغماتية السياسية"، حين لم يدرجوا "إسرائيل الكبرى" في خطابهم الرسمي، ولم يدعوا ما يعتبرونه "حقهم" في جعل الأراضي العربية خارج حدود دولتهم المعلنة حديثاً جزءاً من ملكيتها الخاصة، إلا أن بعض التيارات الصهيونية الدينية لا سيما المتطرف منها جعل شعار "من النيل إلى الفرات" غاية نهائية لدولتهم، وهو ما ظهر بصورة واضحة في أدبيات حركة حيروت (Herut) التي أسسها مناحيم بيجن (رئيس وزراء إسرائيلي سابق ومؤسس منظمة إيتسل/الأرغون) عام 1948، كما تم استخدام مصطلح "إسرائيل الكبرى" بعد حرب يونيو 1967، للإشارة إلى إسرائيل والمناطق التي احتلتها آنذاك، والتي ضمت كلاً من القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، فضلاً عن مرتفعات الجولان، وهو الموقف الذي تمسك به حزب الليكود (المنبثق من أفكار جابوتنيسكي) منذ تأسيسه عام 1977.

وكان لافتاً ما كشفته منظمة "أكيفوت" الأهلية الإسرائيلية عام 2017، نقلاً عن آلاف الوثائق لدى الدولة العبرية كانت قد رفعت عنها طابع السرية في حينه، عن تفاصيل نقاشات قانونية ودبلوماسية إسرائيلية في أعقاب حرب 1967، أن الخطوط العريضة للسياسات التي انتهجتها إسرائيل طوال العقود التي تلت الحرب "بدأت مناقشتها في أعقاب انتصار يونيو".

وحينها نقلت وكالة "رويترز" عن مؤسس أكيفوت ومديرها، حينئذ ليئور يافني، قوله، "من الأمور التي انتبهنا لها في البداية أن كثيراً من السياسات المتصلة بالأنشطة الحالية للحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة لها جذور ترجع إلى العام الأول ذاته من الاحتلال". وهو الأمر ذاته الذي خلص إليه المؤرخ الإسرائيل البارز صاحب كتاب "1967 - إسرائيل والحرب والسنة التي غيرت وجه الشرق الأوسط" توم سيجيف، حين قال إن "إن حرب الأيام الستة لم تنته قط فعلياً"، وإن "اليوم السابع استمر منذ ذلك الحين، وهو يؤثر فينا وفي الفلسطينيين في كل يوم وفي كل دقيقة".

هل أخطأ عبدالناصر الحسابات؟

على رغم مرور أكثر من خمسة عقود على "نكسة يونيو"، فلا تزال الساعات الأولى من الحرب وحجم الانهيار السريع للقوات العربية على جبهات الاشتعال، محط جدل. فبعد أشهر من تهديد ووعيد الرئيس المصري آنذاك جمال عبدالناصر بـ"إزالة إسرائيل من على الخريطة" حال إقدامها على الهجوم على أي من الدول العربية، كان القضاء على القدرات العسكرية المصرية والسورية في الساعات الأولى من عمر الحرب، سؤالاً كبيراً لم تتم الإجابة عنه بصورة موثقة إلى الآن. هل أخطأ عبدالناصر تقدير قدرات بلاده في ذلك التوقيت، أم أن حساباته الإقليمية والدولية هي من قادت إلى هزيمته المدوية؟ لا سيما مع أخذ بعض التفسيرات لسياساته في ذلك التوقيت بأنه كان مستعداً لأن يدفع بإسرائيل نحو الحافة ليعزز مكانته باعتباره البطل العربي الأوحد، مع فرضية أنه في حال تخطت إسرائيل الحد، فستتدخل القوى العظمى لإنقاذه وتقديم نصر سياسي له، كما فعلت في حرب السويس "العدوان الثلاثي" عام 1956.

 

وفق ما كتبه المؤرخون والمسؤولون العسكريون في الجانب العربي في ذلك التوقيت، فلم تبدأ حرب 1967 في تاريخ الخامس من يونيو، إذ كانت الأجواء قبلها بأشهر وربما أعوام تشير إلى أن المنطقة على وشك الانفجار مجدداً مع الجانب الإسرائيلي.

تقول دائرة المعارف البريطانية، إنه قبل بدء الحرب، ازدادت الهجمات التي شنتها الجماعات الفلسطينية المسلحة انطلاقاً من سوريا ولبنان والأردن ضد إسرائيل مما أدى إلى ردود انتقامية إسرائيلية. وبدأت الأمور تأخذ سيناريو تصاعدياً بعدما خلفت غارة إسرائيلية في نوفمبر عام 1966، على قرية السموع في الضفة الغربية 18 قتيلاً و54 جريحاً، لم يقتصر الأمر على هذا الحد، حيث كانت مناوشات دامية امتدت أسابيع على الجبهة السورية مع إسرائيل، وصلت ذروتها في السابع من أبريل (نيسان) من عام 1967 حيث اندلاع معركة جوية في سماء دمشق تمكنت خلالها المقاتلات الإسرائيلية من إسقاط ست طائرات ميغ سورية، إضافة إلى ذلك أشارت تقارير الاستخبارات السوفياتية في مايو إلى أن إسرائيل كانت تخطط لحملة ضد سوريا، وعلى رغم عدم دقة المعلومات، فقد زاد التوتر بين إسرائيل وجيرانها العرب.

في الأثناء كان الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر قد تعرض في السابق لانتقادات حادة لفشله في مساعدة سوريا والأردن ضد إسرائيل. كما اتهم بالاختباء وراء قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة المتمركزة على الحدود المصرية مع إسرائيل في سيناء. ومن ثم فقد تحرك لإظهار دعمه لدمشق، ففي الـ14 من مايو من عام 1967 حشد ناصر القوات المصرية في سيناء. وفي الـ18 من مايو طلب رسمياً سحب قوة الطوارئ الدولية المتمركزة هناك، وذلك قبل أن يعلن في الـ22 من مايو إغلاق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية، وبذلك فرض حصاراً فعلياً على مدينة إيلات الساحلية في جنوب إسرائيل. وفي الـ30 من مايو وصل العاهل الأردني الملك حسين إلى القاهرة لتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع مصر ووضع القوات الأردنية تحت القيادة المصرية وبعد ذلك بوقت قصير انضم العراق أيضاً إلى التحالف.

في كتابه "1967 الانفجار: حرب الـ30 عاماً"، يروي الكاتب المصري الشهير محمد حسنين هيكل، تفاصيل تلك الأيام الحرجة، قائلاً إن مصر وجدت في ذلك التوقيت أن عليها الدفاع عن حليفتها سوريا، استناداً إلى اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين عام 1966، إلا أنه لاحقاً اكتشفت أن "المعلومات عن الحشود الإسرائيلية غير صحيحة ومصدرها الاتحاد السوفياتي، إذ اجتمع يوم السبت الـ13 من مايو، السفير السوفياتي ديمتري بوغداييف مع أحمد حسن الفقي وكيل وزارة الخارجية وأبلغه بالمعلومات"، مضيفاً أن "مصدراً ثانياً لتلك المعلومات المغلوطة كان مندوب الاستخبارات السوفياتية في القاهرة حين زود صلاح نصر رئيس الاستخبارات العامة المصرية بتلك المعلومات. ولاستطلاع الأمر، سافر المشير عبدالحكيم عامر ورئيس الأركان محمد فوزي الأحد الـ14 من مايو إلى سوريا لاستطلاع الأمر، فتبين له أن هذه المعلومات غير صحيحة"، لكن على رغم ذلك لم يراجع قرار حشد وتعبئة أكثر من 100 ألف جندي في سيناء على الحدود المصرية - الإسرائيلية بل جرى الإسراع في تنفيذه.

 

على وقع تلك التعبئة الظاهرة لا سيما على الجبهة المصرية، شنت إسرائيل في وقت مبكر من صباح الخامس من يونيو هجوماً جوياً مفاجئاً، دمر وفق دائرة المعارف البريطانية، أكثر من 90 في المئة من سلاح الجو المصري على مدارج المطارات. وقد أدى هجوم جوي مماثل إلى إعاقة سلاح الجو السوري، وبعدها تعرض الجيش المصري للهجوم من دون غطاء من الجو، لتكون محصلة الخسارة العربية فقدان نحو 70 إلى 80 في المئة من عتادها العسكري، وتتمكن الدولة العبرية من تحقيق "انتصار ساحق" على الأرض وتستولي على قطاع غزة والضفة الغربية في فلسطين والقدس الشرقية من الأردن والجولان السوري وكل شبه جزيرة سيناء حتى الضفة الشرقية لقناة السويس، في غضون أيام معدودة، بحجم خسائر عسكرية لا يتجاوز خمسة في المئة من عتادها الذي دخلت به الحرب.

وفضلاً عن الخسائر العسكرية العربية، أسفرت الحرب عن خسائر بشرية، إذ بلغ حجم الخسائر البشرية في مصر أكثر من 11 ألفاً والأردن 6 آلاف وسوريا 1000 مقابل 700 فقط لإسرائيل، إضافة إلى نحو ربع مليون لاجئ فلسطيني و100 ألف لاجئ سوري، وإلى جانب ذلك قادت إحباط معنويات كل من الجمهور العربي والنخب السياسية، وعلى وقعها أعلن الرئيس المصري جمال عبدالناصر استقالته في التاسع من يونيو، لكنه سرعان ما استسلم لتظاهرات حاشدة تطالبه بالبقاء في منصبه. وسادت حال من النشوة في إسرائيل بعدما أثبتت أنها القوة العسكرية البارزة في المنطقة.

وبعد أشهر من الحرب، وتحديداً في نوفمبر، أصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 242 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في الحرب مقابل سلام دائم. وأصبح هذا القرار أساساً للجهود الدبلوماسية بين إسرائيل وجيرانها بما في ذلك اتفاقية كامب ديفيد مع مصر والضغط من أجل حل الدولتين مع الفلسطينيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسط غياب الوثائق العربية في شأن تفسير "هزيمة حرب يونيو" لا يزال الانهيار السريع للقوات "لغزاً كبيراً"، لا سيما في ظل العتاد العسكري الذي كان متقارباً أو يفوق حتى الجانب الإسرائيلي، إذ قدرت تقارير عسكرية عدة حجم عتاد الجيش المصري وحده حينها بأكثر من 1300 دبابة (أمام نحو 1000 لإسرائيل) وأكثر من 1000 مدرعة حاملة للجنود (مقابل 1500 لإسرائيل)، ونحو 950 بطارية مضادة للطائرات (مقابل 550 لإسرائيل)، و431 طائرة مقاتلة (مقابل 286 لإسرائيل)، وهو ما يعني امتلاك القاهرة قدرات تضمن لها أداءً قتالياً متناسباً إلى حد كبير إلا أنه لم يحدث.

وأرجعت كثير من المذكرات الشخصية لقادة عسكريين مصريين، أسباب الهزيمة السريعة إلى نقص حاد في الجاهزية القتالية للقوات المسلحة المصرية على مستوى العدة والعتاد، والتدريب والمهنية، وكذلك الحال بالنسبة إلى الخطط الدفاعية والهجومية، وكذلك عن سوء الحسابات والتقدير، والمعلومات الخاطئة، فضلاً عن توافر اقتناع لدى القيادة السياسية المصرية ممثلة بالرئيس جمال عبدالناصر مفاده أن مصر تستطيع استيعاب الضربة العسكرية الأولى والقيام بهجوم مضاد، وأن اندفاع مصر للمبادرة في الهجوم العسكري قد يضعها في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة ومن دون غطاء سوفياتي. وبخلاف عبدالناصر كانت تقديرات العسكريين، وبخاصة قادة القوات الجوية تشير إلى أن الجيش المصري لا يستطيع تحمل الضربة الأولى. وفي رأيهم، أن الهجوم العسكري إن بادرت به إسرائيل سيكون "كاسحاً"، وهذا ما كان بالفعل، إذ حسمت الساعات الأولى مصير المعركة في حين استغرق الجيش الإسرائيلي نحو ستة أيام لتثبيت انتصاره العسكري جغرافياً.

وكان لافتاً حجم التناقض الذي كشفته تبعات الحرب بين ما كان يصدر في الخطاب الرسمي والواقع على الأرض، وهي النقطة التي رصدها المؤرخ والأكاديمي المصري خالد فهمي، في كتاباته أنه في الأسابيع الأخيرة ما قبل الحرب، ومع بدايات الأزمة خطب جمال عبدالناصر في أحد المؤتمرات الشعبية قائلاً "إسرائيل إذا بدأت بأي عمل عدواني ضد سوريا أو ضد مصر ستكون المعركة ضدها معركة شاملة، لن تكون معركة محصورة في الجبهة السورية، أو الجبهة المصرية، ستكون المعركة شاملة، هدفنا الأساسي هو تدمير إسرائيل"، مضيفاً "وفي مناسبة لاحقة استمر هذا التصعيد الخطابي حين قال في إجابته عن أحد الأسئلة الصحافية إن الفلسطينيين ’لهم الحق الكامل في أن يباشروا بأنفسهم حرب التحرير ليستعيدوا حقوقهم في بلدهم، وإذا تطورت الأمور إلى صراع شامل في الشرق الأوسط فنحن على استعداد لهذا الصراع‘". وفي إجابة عن سؤال آخر قال "لا نقبل أي أسلوب للتعايش مع إسرائيل"، بعدما بدأ عبدالناصر مؤتمراً صحافياً بكلمة أوضح فيها رؤيته لسبب الأزمة الراهنة، قائلاً إن الموضوع لا يتعلق بقرار إغلاق المضيق (تم في الـ22 من مايو) بقدر ما يتعلق بوجود إسرائيل في حد ذاته: "تلك هي مشكلة العدوان الذي وقع ولا يزال وقوعه مستمراً على وطن من أوطان شعوب الأمة العربية في فلسطين، وما يعنيه ذلك من تهديد قائم باستمرار ضد أوطانها جميعاً، هذه هي المشكلة الأصلية".

 

يوضح فهمي أن هذا "الخطاب لم يكن مجرد دعاية سياسية للالتفاف على سؤال الشرعية السياسية والديمقراطية التي افتقدها نظام عبدالناصر فحسب، بل كان في جوهره ينم عن وعي النظام بذاته وبالعالم وموقعه في هذا العالم، إذ كان النظام المصري يرى في نفسه طليعة تحديثية وثورية يقود جموعاً من المستضعفين والمضطهدين من شعوب الدول المستعمرة ضد القوى الاستعمارية"، وهنا - بحسب فهمي – "يكمن جوهر الهزيمة في يونيو 67"، معتبراً أن "فداحة وعمق الهزيمة جعلا الأمر أكبر من نصر عسكري لطرف على حساب الآخر، فلم ينهزم مجتمعنا حينها عسكرياً فحسب، بل إننا عشنا انهيار نظرة إلى العالم، وفلسفة، وفهم لهذا القسم من العالم ولمكاننا بداخله. وتلك الأسئلة ما زالت تشغلنا حتى الآن".

لكن ماذا عن التبعات التي خلفتها الحرب لا سيما على إسرائيل والقضية المركزية بالنسبة إلى العرب حينها فلسطين التي تم التصعيد على أثرها؟ لفهم ذلك، جادل المؤرخان الأميركي ويليام روجر لويس، والإسرائيلي آفي شلايم في كتابهما "جذور الحرب العربية - الإسرائيلية عام 1967 وعواقبها"، كيف غيرت تلك الحرب شكل المنطقة العربية فضلاً عن تأثيراتها السياسية والاجتماعية على مصر والشرق الأوسط، موضحين أنه "في أعقاب نكسة 1967 أصبحت قومية الدولة الضيقة المغطاة بالخطاب العربي بشكل متزايد هي المبدأ التوجيهي الأساسي لهذه الأنظمة، معززاً باعتبارات قوية لأمن النظام على أساس السياسة الواقعية بدلاً من الأيديولوجية القومية". وأضافا "على جانب آخر، فبعد أن كانوا متفرجين على قصتهم الخاصة، هيأت نكسة يونيو لظهور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بما تضمنته من فصائل مختلفة، أثرت النكسة أيضاً في توازن القوى الاجتماعية والسياسية في العالم العربي وكانت بمنزلة تحول من القومية العربية إلى القومية الدينية أو الإسلاموية، حين بدأ ظهور الحركات الإسلامية يصبح أكثر وضوحاً بمصر، رداً على انتكاسة التجربة القومية العربية"، معتبرين أن "نكسة 1967 أدت إلى تقويض سلطة وفاعلية سياسات الرئيس المصري آنذاك جمال عبدالناصر، إن لم يكن أيديولوجيته".

ووفق شلايم وروجر، فبعد رحيل عبدالناصر في 1970 لم تكن هناك أيديولوجيات منافسة قادرة على ملء الفراغ الأيديولوجي والقيادي الذي خلفه رحيل ناصر ودوائره الداخلية من السلطة، إذ قللت النكسة من مكانة عبدالناصر وهيمنة التيار الأيديولوجي القومي العربي، فتراجعت القومية العربية بشكل مستمر حتى يومنا هذا. تصاعد الانتقاد الذاتي من قبل المثقفين لأزمة الدولة القومية الحديثة وضعف مؤسساتها، وكان معظم النقاد جزءاً من دائرة ناصر وليسوا خصومه الأيديولوجيين، وهزت الهزيمة ثقة ومعنويات هذه الدائرة، فانضم كثير من القوميين العرب إلى المنظمات الماركسية التي استغلت خيبة الأمل تجاه الناصرية.

المزيد من تحقيقات ومطولات