Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسيحيو السويداء: نحن في عين العاصفة أيضا

كانوا قبل حين مكوناً كبيراً في النسيج السوري ليصيروا مع الوقت أقلية صغرى للغاية

يرى مراقبون أن الشرع يدرك جيداً خصوصية الكنائس، وما يمكن أن يجلب تدميرها عليه من ضغوط (مواقع التواصل)

ملخص

يجد مسيحيو سوريا أنفسهم مجدداً في عين العاصفة التي لم يختاروها ولا يريدونها، وهم في الأساس لم يختاروا يوماً الدخول في صراع أو الانحياز إلى طرف يدمر طائفتهم، أو ما بقي منها في مشرقهم الذي يعيشون فيه منذ القرون الأولى للميلاد.

عاد مسيحيو سوريا إلى الواجهة من جديد من بوابة الجنوب هذه المرة، ففي خطوة مسيحية متقدمة لمَن عُرف عنهم التمسك بالهدوء في المحن والحروب، خرج الكاهن طوني بطرس من السويداء ليتحدث عن إحراق وتخريب ست كنائس من قبل "مسلحي السلطة" خلال أحداث الجنوب الأخيرة أواسط يوليو (تموز) الماضي مما أدى إلى تهجير آلاف المسيحيين، موجهاً في سياق حديثه نداءً عالمياً للإنقاذ.

صرخة تبحث عمن يسمعها

وقال الكاهن في معرض كلامه عبر تسجيل مصور، "أنا الأب طوني بطرس، خادم كنيسة شهبا في محافظة السويداء، وبعض القرى المجاورة لمدينة شهبا، قررت تسجيل هذا الفيديو بعد نحو 50 يوماً من الاعتداء الغاشم الذي حصل في محافظة السويداء، ولم ينج من هذا الاعتداء إخوتنا الموحدون الدروز ولا نحن المسيحيين، بعد هذه المدة لدي عتب كبير لأن كنائسنا احترقت وأبناؤنا المسيحيون تهجروا من الصورة الكبرى والصغرى والمزرعة والمجدل والطيرة وقرى أخرى، وذلك اعتباراً من مناطق تجمعهم الكبيرة على مدخل السويداء الغربي". وأضاف، "دخل عليهم المسلحون بالقوة، أخافوا الأطفال والنساء، سرقوا المنازل والسيارات والهواتف المحمولة والأموال، وخاطبوهم بكلام قذر، واعتدوا على كرامة الناس في بيوتهم. ولليوم بعد هذه الحرب الغاشمة اللئيمة التي وقعت في السويداء وأنا ابنها، ومنذ 37 سنة كاهن أخدم في شهبا، كنت أتمنى صدور استنكارات عالمية حقيقية من جموع مسيحيي العالم، في الأقل وقفات في دول العالم من جالياتنا التي تعلم بما حصل. أكثر من 250 عائلة تهجرت من رعايانا، وفقدنا آخرين، ونحن في السويداء نحو 20 إلى 25 ألف مسيحي، لم يسأل أحد عنا، وهذا ما دفعني إلى الظهور، لهذا أنا اليوم أخاطب سماحة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للموحدين في إسرائيل، ونشكره لكل عنايته وحرصه واهتمامه". وختم، "أناشد الشيخ طريف إيصال صوتنا كما أوصل صوت أهلنا الدروز للمحافل الدولية العالمية، ويجب أن أشكر كل من وقف معنا، من موحدي السويداء ولبنان وفلسطين والأردن والعالم، وأنا لديّ ألم كبير من موقف مسيحيي الخارج لعدم دعمهم الكافي، لذلك أوجه صوتي إليهم فربما لا يعلمون بوجود مسيحيين هنا. نحن لا نبحث منكم عن أموال وغيره، فقط نريد وقفة عز وكرامة".

بين الاجتهاد والتوجيه

يبدو كلام الكاهن طوني بطرس بحدّ ذاته وما حمله من رسائل وتفنيدات وتوضيحات ومطالب، موقفاً متقدماً للغاية، ولا يمكن الجزم إن كان تم على ضوء كنسي قيادي قبل الإدلاء به، وهذه التفصيلة بحد ذاتها نقطة فارقة في تمحيص الخطاب والاستدلال من خلاله والبناء عليه، ففي الشأن المسيحي السوري تختلف وتتبدل المعادلات كثيراً بين الاجتهاد الشخصي والتوجيه الكنسي الرفيع، فإن كان خطاب الكاهن ينطلق من حيثيات محلية عاينت المجازر التي حصلت فمضت لتشرحها وتستنجد بالعالم لحلها، يبدو ذلك شأناً لم يعد يبالي بضرورة التقوقع ضمن مبدأ الحياد الصارم، لكن لو كان توجيهاً للإدلاء بذلك الخطاب فإن المعادلة تختلف لتتخذ شكلاً مغايراً يصبح معبراً عن وجهة نظر مسيحية جامعة بدأت تستشعر خطراً مطلقاً يرقى إلى مرحلة تهديد وجودي لما تبقى من مسيحيين كانوا قبل حين مكوناً كبيراً في النسيج السوري، ليصيروا مع الوقت أقلية صغرى للغاية تعدادها بمئات آلاف منحدرةً من تعداد كان في عام 2011 يقدَّر بالملايين، فهل هي محاولة بحث أخيرة للحفاظ على الوجود المسيحي المشرقي؟

حرب لم يختاروها

اليوم بلا شك يجد المسيحيون أنفسهم مجدداً في عين العاصفة التي لم يختاروها ولا يريدونها، وهم في الأساس لم يختاروا يوماً الدخول في صراع أو الانحياز إلى طرف يدمر طائفتهم، أو ما بقي منها في مشرقهم الذي يعيشون فيه منذ القرون الأولى للميلاد، ولكن سياق الأحداث ما قبل انتصار الثورة وما بعدها لا يزال يقود لذات النتيجة المصيرية لهم وصولاً إلى المواجهة الكلامية التي صاروا مرغمين عليها باعتبارهم أبعد ما يكون عن السلاح والعنف. وقد تجلى ذلك في كلام الكاهن بطرس مرّة، وفي كلام رأس الكرسي الرسولي في سوريا، البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في وقت سابق ضد السلطة، وتحديداً عقب تفجير كنيسة مار الياس في الدويلعة بدمشق في الـ22 منويونيو (حزيران) الماضي، الذي أدى إلى ارتقاء عشرات الضحايا والجرحى. وكان ذلك التفجير بحدّ ذاته نقطة خلاف جوهرية بين الكنيسة والسلطة التي رفضت بصورة مواربة وصف الضحايا بـ"الشهداء"، مما استدعى رأس الكنيسة اليازجي ليدلي بخطاب ناري داعياً فيه إلى "حداد على الحكومة لا على ضحايا التفجير". وعلى رغم ذلك السجال وقتها فإن البطريرك اليازجي التقى لاحقاً الرئيس السوري أحمد الشرع في محاولة للحفاظ على ما تبقى من الوجود المسيحي في سوريا، وفق ما وصف مراقبون المشهد وحللوه في حينه، ولكن اتضح أن ذلك الاجتماع لم يحمل نتائج حقيقية يمكن ترجمتها على الأرض، فالاعتداء على المسيحيين وكنائسهم ظل أمراً واقعاً بعدما ظلّت طوال عقد ونصف العقد من الحرب السابقة بعيدةً من التهديد المباشر بأي شكل يُذكر.

فقدان السيطرة

من جهته، اعتبر الباحث السياسي عزيز عبدالحميد أن "الشرع يدرك جيداً خصوصية الكنائس، وما يمكن أن يجلب تدميرها عليه من ضغوط، كما يدرك بالضبط أهمية مقامات العلويين، ومزارات الموحدين، ورموز مختلف المكونات، لكن السلطة السورية في لحظة ما فقدت السيطرة كلياً على الأرض في معارك السويداء، كما معارك الساحل، وكانت النتيجة ما رأيناه، ضرباً لأبسط وأعمق مواثيق العيش المشترك في آن. كسر الصلبان والرموز الدينية وإحراق الكنائس هي حال بربرية، مَن أقدم عليها لا يدري مغبتها، وهنا مكمن الخطورة التي تدركها دمشق ولا يدركها مقاتلوها. وفي كل تدمير لإرث حضاري - إنساني - ديني يتراجع موقف السلطة أكثر في قدرتها على حماية تراث مكوناتها ومقدساتهم وهو ما يضعف موقفها الدولي. والأمر ذاته ينطبق على حال قصف المساجد، وعلى رغم أن الرئيس المخلوع بشار الأسد لم يدخر جهداً في استخدام آلته العسكرية خلال الحرب، فإنه كان على الدوام يقدم نفسه حامياً للأقليات ومقدساتهم الدينية علماً أنه قصف بدوره كثيراً من دور العبادة، لكنه لم يطلق اليد العسكرية لتهاجمها من دون أن يخلق ذرائع سابقة تمكنّه من إيجاد مبررات كانت تعيد الأقليات إلى الالتفاف من حوله من جديد، أما 'الفزعات' فهي ما نسف سياق البناء الجامع للدولة الجديدة رفقة عناصر غير منضبطة وضعت السلطة الجديدة في موقف حرج للغاية".

الحياد الليّن

أحاديث الشارع المسيحي الداخلي اليوم لم تقتصر على التركيز في خطاب الأب بطرس، أو الكلمة النارية السابقة للبطريرك اليازجي، بل باتت تحاول تفنيد سردية الدمار التي تصفها بالممنهجة، فإحراق ست كنائس ليس أمراً عابراً بطبيعة الحال، فهي لم تشهد احتماء مسلحين، ولم تكن منابر تجاهر بدعوات القتل والقتال، بل كانت دور عبادة بمن فيها من رجال دين وخدّام، وهذا ما استدعى من وجهة النظر الجماعية تلك أن يكون هناك إنقاذ وموقف دولي صارم تجاههم.
ذلك الغضب بطبيعة الحال لم يولد من فراغ، بل جاء من صدمة متعلقة بأمان قرى مسيحية لم تعرف شكل الحرب سابقاً، وهم الذين كانوا دائماً على الحياد الليّن، لكن ذلك الحياد تحول إلى موقف آخر كما يبدو، لا موقفاً معادياً للسلطة، ولا مهادناً لها في آن.
جورج متّى، أحد مسيحيي السويداء، قال، "موقفنا اليوم يبحث من جديد عن حياده وحمايته، بعيداً من التصورات المزيفة لمستقبل المسيحيين ومغازلتهم كمكون أصيل وفريد وقديم وله خصوصيته. وحين تدور رحى الحرب وتعلو أصوات الرصاص نجد رعيتنا هاربة، وكنائسنا محترقة، كنائسنا التي هي بيوت الله، وحين تصيب رصاصةٌ جامعاً يتداعى الجميع لتكفير الجميع، ثم مجدداً ماذا عن الكنائس أليست دور عبادة مقدسة؟ نحن ماذا فعلنا ليتم قتلنا وتهجيرنا والاعتداء على أعراضنا وسرقتنا؟ نحن بالأساس لم نكن شركاء في المعركة، ولكننا شركاء في الأرض والعرض مع أهل الجنوب، وكنا شهوداً على بربرية العصر التي اجتاحت أمننا وأماننا ورمت بنا في مجاهل الحقد والقتل والتهديد والتهجير، كيف يصطلح الجنوب من دون مسيحييه؟ هل بقي في سوريا مسيحيون أساساً؟".
بدورها قالت نعمة أفرام، وهي سيدة مسيحية من السويداء، "ديننا وثقافتنا وتعاليمنا ومسيحنا علمونا أن الإيمان والمحبة طريق الخلاص، لا السيف والقتل والعدوان، نحن غفونا على خلاف محلي بين الدروز والبدو في المدينة، وصحونا على اجتياح عسكري للمدينة وريفها، ثم ما لبثنا أن وجدنا كنائسنا محترقة وعائلاتنا هاربة مهجرة، لن أتهم أحداً وأقول فلان هو السبب أو فلان، لكنني سأكتفي بالقول إن خسارة أي مسيحي سوري تمثل تهديداً للطائفة بأكملها فنحن اليوم بالكاد بقي وجود لنا في سوريا، وآمل أن نظل فيها بعدما اختار كثير من شبابنا هجرة البلاد وتحديداً السويداء بعد أحداثها الأخيرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حضور تاريخي

"يعود حضور المسيحيين إلى القرون الميلادية الأولى في سوريا، وقد بنوا كنائس في المغارات وتحت الأرض خشية الاضطهاد الروماني وغيره، وقد حكموا في فترات لاحقة عبر امبراطوريات عدة في المشرق، وكثيراً ما كان تعدادهم منافساً لبقية المكونات"، يقول المؤرخ سامي حسّون موضحاً أن "ذلك الحضور ظل طاغياً وواسعاً حتى الفتح الإسلامي لدمشق وبقية المدن السورية، فبعض المسيحيين أسلموا والباقون ظلوا على ديانتهم". ويضيف "مع الوقت كانت تتناقص أعدادهم، ولكنهم لم يكونوا مهددين بالزوال، أقله حتّى 'طوشة الستين 1860' والمعارك الكبرى حينها، وبعدها بدأت موجات هجرة كبيرة. وعلى رغم ذلك ظل المسيحيون يمثلون نسبة مئوية معتبَرة من مجموع الشعب السوري، حتى عام 2011 في الأقل، العام الذي بدأت فيه الحرب وبدأت معها الهجرة المكثفة للمسيحيين الذين تضاءلت أعدادهم وبلغت حدوداً غير مسبوقة، حتى إن عددهم في حلب وحدها تراجع من نحو 550 ألف مسيحي إلى نحو 40 ألفاً خلال الحرب، ويمكن القياس على ذلك، من ملايين السكان إلى بضع مئات آلاف قليلة".
ويشير المؤرخ إلى أن "المسيحيين أدوا أدواراً بارزة في التاريخين الحديث والمعاصر من تشكيل أحزاب وحركات ليبرالية وقومية ووصل كثير منهم بعد الاستقلال في عام 1946 إلى مناصب سيادية كبرى في الحكومة والبرلمان والمجالس المحلية والقيادات العامة وحتّى الجيش والقوى المسلحة في حينها، مع إيلاء اهتمام خاص للخوض في الجوانب العلمية المهمة كالطب والهندسة والقانون وغيرها". ويتابع "لكن مجيء حزب البعث إلى السلطة همّش دورهم نسبياً، إذ منحهم هامشاً من الحريات الاجتماعية وشبه السياسية المبسطة مقابل الحماية المقرونة بالولاء في سبعينيات القرن الماضي، فحوّل اهتماماتهم إلى المناصب الثقافية والاقتصادية مع إبعادهم نسبياً عن قيادة الجيش ضمن تموقع يتعلق بـ'التوازن الحذر'. ومع اندلاع الحرب السورية وقف بعض المسيحيين مع الثورة على رغم خشية أسلمتها، فيما تمسك الآخرون بخيار الدولة خوفاً من تكرار سيناريوهات قريبة أصابت مسيحيي العراق ولبنان والتي هددت بصورة أو بأخرى بذوبان مجتمعي أو تهجير نهائي، وفعلياً الأمران قد وقعا مع الوقت ولا يزالان".

تعداد المسيحيين

جدير بالذكر أن المسيحيين يخشون على الدوام من تحولهم لـ"ورقة ضغط ومساومة" في قضايا وطنية وإقليمية وحتى عالمية، وقد نجح بشار الأسد في فعل ذلك مراراً، ومن المهم الإشارة إلى أنه بعد مغادرة آخر عائلات يهودية من سوريا عام 1992 لم يتبق في البلد سوى مكونين رئيسين، الإسلام والمسيحية بطوائفهما. وقد منعت سلطات البعث مكتب الإحصاء القومي المركزي من وضع نسب تتعلق بالتوزيع الديموغرافي، لكن "اندبندنت عربية" طابقت المعلومات المتعلقة بتعداد المسيحيين في سوريا عبر الكراسي الرسولية الثلاثة في سوريا وهي بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، وبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، وبطريركية أنطاكية والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك، لتكون الخلاصة أن تعدادهم عام 2011 كان نحو ثمانية إلى 10 في المئة من الشعب السوري، أي نحو مليونين ونصف المليون مسيحي. أما في عام 2025 فقد انحدرت نسبتهم لتبلغ واحداً إلى اثنين في المئة، أي ما يقارب 300 ألف مسيحي سوري فقط.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير