ملخص
منذ أكثر من أسبوع تواصل قوات "الدعم السريع" هجماتها العنيفة المتعددة المحاور من دون انقطاع على مدينة الفاشر، مستهدفة الوصول إلى قيادة الفرقة السادسة مشاة للجيش داخل المدينة، وسط مواجهات ومعارك شرسة تمكن خلالها الجيش وحلفاؤه من التصدي لتلك الهجمات.
تواصلت، أمس الثلاثاء، المواجهات والمعارك بين الجيش السوداني وحلفائه ضد قوات "الدعم السريع" في جبهات عدة بمدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، إثر تجديد الأخيرة لهجماتها التي استمرت ساعات عدة، أمس، على أكثر من محور، وسط دوي عنيف للانفجارات في مناطق متفرقة من المدينة.
وأوضحت مصادر ميدانية، أن قوات "الدعم السريع" هاجمت المدينة بالمسيرات والمدفعية الثقيلة، بمشاركة لافتة من مئات المرتزقة الأجانب في الهجمات، مشيرة إلى أن مسيرات الجيش هاجمت بدورها مواقع ومصادر نيران المهاجمين في أطراف الفاشر، ودمرت مجموعة من عتادهم وحيدت عدداً من عناصرهم.
وأفاد شهود عيان بأن المدينة شهدت، صباح أمس، قصفاً مدفعياً وبالمسيرات من جانب "الدعم السريع"، أعقبته فترة قصيرة من الهدوء الحذر عند الظهيرة، مؤكدين مشاهدتهم مسيرة استراتيجية تحلق على ارتفاع منخفض لساعات في سماء الفاشر، قبل أن توجه ضربات سريعة على بعض الأهداف دوت بعدها انفجارات في أطراف المدينة.
ومنذ أكثر من أسبوع تواصل قوات "الدعم السريع" هجماتها العنيفة المتعددة المحاور من دون انقطاع على مدينة الفاشر، مستهدفة الوصول إلى قيادة الفرقة السادسة مشاة للجيش داخل المدينة، وسط مواجهات ومعارك شرسة تمكن خلالها الجيش وحلفاؤه من التصدي لتلك الهجمات.
نداء وهجوم
وفيما لم يصدر بيان رسمي من جانب الجيش أو القوات المشتركة حول الموقف، أعلنت قوات "الدعم السريع" على منصاتها بوسائل التواصل الاجتماعي أنها أطلقت ما سمته "النداء الأخير" للمواطنين للخروج من الفاشر، قبل هجوم كبير متوقع أن تشنه قواتها على المدينة خلال الساعات المقبلة.
وقالت "الدعم السريع"، "إن قواتها قامت بانفتاحات واسعة استعداداً لما وصفته ببداية الزحف لخوض معركة مصيرية فاصلة على كل المحاور لتحقيق نصر تاريخي تلوح ملامحه في الأفق".
تفش واسع
ومع استمرار القصف والاشتباكات وازدياد تأزم الوضع الإنساني وحدة المجاعة في الفاشر وضواحيها، يواصل وباء الكوليرا تفشيه الواسع في دارفور، بارتفاع عدد الوفيات التراكمية إلى 351 حالة والإصابات إلى 8.372 حالة.
وأوضحت المنسقية العامة للنازحين بدارفور، أن الوباء لا يزال آخذاً في التمدد في عديد من مناطق الإقليم، لا سيما في محليات طويلة وجبل مرة وزالنجي ونيالا وخزنة جديد بمحلية شعيرية ومعسكرات النازحين، حيث ينتشر الوباء بمعدلات مخيفة.
جوع وجثث
في الأثناء أعلنت غرفة طوارئ معسكر أبو شوك، أن الجوع بالمعسكر وصل ذروته النهائية، معلنة عن وفاة أسرة كاملة من ستة أفراد (جدتين وثلاثة أطفال ووالدتهم) في حادثة مأسوية نتيجة تسممهم بعد تناولهم وجبة علف الحيوانات (الأمباز) تحت ضغط الجوع الحاد، من دون أن يتمكن أحد من تقديم الإسعافات اللازمة لهم في الوقت المناسب.
بدورها كشفت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر عن العثور على عشرات الجثث لمواطنين فارين من المدينة إلى محلية طويلة، لقي معظمهم حتفه بالقتل العمد بسبب انتمائه الجغرافي، ومات بعضهم عطشاً وجوعاً، بينما لا يزال أكثر من 200 شخص من النازحين في عداد المفقودين عقب مغادرتهم المدينة ولا يُعرف شيء عن مصيرهم.
طريق الموت
أوضح بيان للتنسيقية، أن الطريق الرابط بين منطقة طويلة والفاشر تحول خلال الأيام الماضية إلى طريق للموت والضياع، بخاصة مع تزايد وتيرة النزوح من الفاشر ومعسكر أبو شوك، بسبب المعارك المستمرة منذ أكثر من أسبوع وتوغل ميليشيات "الدعم السريع" إلى أجزاء من المعسكر.
وأشار البيان إلى أن الفارين من المدينة يسلكون هذا الطريق بحثاً عن الأمان في محلية طويلة التي تسيطر عليها حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور منذ أعوام، وباتت ملاذاً يأوي أكثر من نصف مليون نازح فروا من الفاشر ومعسكر زمزم للنازحين يعيشون في ظروف إنسانية بالغة القسوة.
من جانبها، ناشدت غرفة طوارئ معسكر أبو شوك المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان بالتدخل العاجل لدفن عشرات الجثث المتناثرة على طول الطريق من مدينة الفاشر إلى محلية طويلة، بولاية شمال دارفور.
معارك ونزوح
في شمال كردفان، تدور منذ أشهر معارك شرسة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" تبادلا خلالها السيطرة على بعض المدن والمناطق الاستراتيجية على الطريق القومي الرابط بين الخرطوم وولايات إقليمي كردفان ودارفور، وتركزت تلك المعارك في مناطق انتشار قوات "الدعم السريع" في كل من بارا وأبو قعود وأم صميمة القريبة من مدينة الأبيض عاصمة الولاية.
ويعاني عشرات الآلاف من المدنيين في كردفان استمرار العمليات العسكرية منذ أربعة أشهر، كما تأثرت مئات القرى في الإقليم بولاياته الثلاث (شمال وجنوب وغرب) كردفان، وأدت إلى موجات نزوح متزايدة بفرار آلاف الأسر وانضمامهم إلى مراكز الإيواء في مدينة الأبيض وولاية النيل الأبيض والمدن المجاورة، في ظروف إنسانية بالغة التعقيد.
وقالت غرفة طوارئ دار حمر، بشمال كردفان، إن الميليشيات فرضت مبالغ كبيرة على كل مواطن في بعض قرى ضواحي مدينة النهود لضيافة أسر عناصره كما تمنع المرضى من السكان المدنيين المحليين من تلقي العلاج بمستشفى المدينة.
إسقاط ثالث
وفي جنوب كردفان نفذ طيران الجيش الحربي أمس للمرة الثالثة إسقاطاً جوياً ناجحاً في مدينتي الدلنج وكادوقلي عاصمة الولاية المحاصرتين منذ أشهر من قبل "الدعم السريع" وقوات الحركة الشعبية - شمال جناح عبدالعزيز الحلو.
وفي غرب كردفان أوضحت مصادر ميدانية، أن قوات الفرقة 22 مشاة للجيش بمدينة بابنوسة انتشرت بصورة واسعة وكثيفة في عمليات تمشيط محيط المدينة بالأطراف الغربية والشرقية والجنوبية.
لحظات حاسمة
في السياق، يرى الباحث السياسي والعسكري ضوالبيت دسوقي، أن مدينة الفاشر وبعد أكثر من عام ونصف العام من الحصار الخانق ومئات الهجمات وموجات القصف المدفعي وغارات المسيرات، باتت تعيش الآن لحظات حاسمة وعصيبة بعد ازدياد عمليات تسلل وتوغل الكثيرين من عناصر "الدعم السريع" إلى داخلها.
يلاحظ الدسوقي، أن "الدعم السريع" تسعى إلى استنساخ سيناريو إسقاط الفرقة 16 نفسه في مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور من خلال خطة الحصار الطويل والقصف المدفعي اليومي المكثف على مقر الفرقة لأشهر عدة، وهو الأمر نفسه الذي يتكرر الآن في الفاشر.
ونوه بأن صمود المدينة الطويل جاء نتيجة لوجود حلفاء أقوياء كثر مع الجيش، مثل القوات المشتركة وقوات الدفاع عن النفس (قشن) فضلاً عن المقاومة الشعبية والمستنفرين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن الباحث نفسه يلفت الانتباه إلى أن تكرار هجمات "الدعم السريع" على الفاشر يبدو عملاً مخططاً يركز على إضعاف دفاعات الطرف الآخر مع استمرار الضغط العسكري لإجهاده وتجفيف مصادر إمداده من أجل التمكن من فرض سيطرتها العسكرية على المدينة بصورة تدريجية.
ويقول، "وفق تلك المعطيات الميدانية الراهنة، فإنه من غير المرجح أن يجري فك الحصار عن الفاشر من داخلها، لأن استراتيجية الجيش وحلفائه بنيت أساساً على الدفاع عن المدينة وقد نجحت بصورة مبهرة في التصدي لجميع الهجمات التي استهدفتها، غير أنه وعلى المدى الطويل ستبدأ آثار الحصار والضغط المدفعي في التأثير في المجريات الميدانية لمصلحة ’الدعم السريع‘ وهي الخطة التي يعمل عليها في التوغل التدريجي نحو عمق المدينة".
قوات من الخارج
وفق الدسوقي، فإن فك حصار الفاشر بات يعتمد بدرجة كبيرة على وصول قوات من خارج المدينة، تماماً كما حدث في فك حصار القيادة العامة للجيش بالخرطوم وسلاح المهندسين بأم درمان وسلاح الإشارة بالخرطوم بحري، وهو ما يفسر استماتة "الدعم السريع" في معارك كردفان التي يهدف من ورائها بصورة أساس لتعطيل وصول تلك المتحركات وعلى رأسها تقدم متحرك الصياد نحو دارفور.
ويتابع "من الواضح أن المجتمع الدولي ومؤسساته يغضان الطرف عما يحدث في الفاشر رغم بشاعته وفظاعته، ولم تظهر الضغوط الدولية أي جدية في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي بوقف الهجمات وإنهاء الحصار عن المدينة، وانحصر صوت المجتمع الدولي في النداءات والمطالبات بفتح مسارات إنسانية دون أي إجراءات قسرية على ’الدعم السريع‘".
تقدم متزامن
الباحث السياسي والعسكري ضوالبيت دسوقي يشير أيضاً إلى أنه لم يبق من الحلول لفك الحصار، سوى العمل العسكري الميداني بتقدم الجيش والقوات المشتركة نحو الفاشر، وربما يلجأ الجيش وحلفاؤه خلال الفترة المقبلة إلى استراتيجية جديدة لتخطي معارك كردفان، من خلال تقدم جماعي متزامن متعدد الجبهات من قبل الجيش والقوات المشتركة ودرع السودان وفيلق البراء بن مالك والمستنفرين صوب الفاشر لتحقيق كسر الحصار.
وتمثل مدينة الفاشر آخر معاقل للجيش والقوات المشتركة للحركات المسلحة في دارفور، وسيفتح سقوطها أمام "الدعم السريع" إمكانية إقامة حكومتها الموازية وتوسيع نفوذها الإقليمي، فضلاً عن أن موقعها الاستراتيجي الرابط بين ليبيا وتشاد، سيعزز خطوط إمدادها الخارجية.
حميات الخرطوم
صحياً وإزاء التفشي الخطر للحميات، وبخاصة حمى الضنك في العاصمة الخرطوم، أكد وزير الصحة الاتحادي هيثم محمد إبراهيم ترتيبات لحملات رش جوي للقضاء على ناقل البعوض في الخرطوم.
وكشف إبراهيم عن مساع مع شركة طيران "صافات" التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية لبدء طلعات رش جوية لإبادة البعوض قريباً في الخرطوم، ضمن مساعي الدولة لمكافحة الأمراض، وفي مقدمها حمى الضنك.
ويشكو مواطنون في العاصمة من الانتشار الكبير لحميات الملاريا والضنك، وظهور حشرات غريبة وغير مألوفة بالنسبة إليهم في أحياء الخرطوم مع تراكم مياه الأمطار في الشوارع والساحات.
وأوضح الوزير أن الحملة ستشمل بقية الولايات المتأثرة، مبيناً أن حمى الضنك تنتشر في 12 ولاية، مشيراً إلى انطلاق مكافحتها بولاية الخرطوم من خلال حملة تستمر ثلاثة أشهر.
وطالب بتكثيف الجهود للوصول إلى جميع محليات العاصمة المتأثرة للقضاء على حمى الضنك، لافتاً إلى أن الحملة تعمل على مكافحة الطور اليرقي للبعوض، فيما ستبدأ خلال هذا الأسبوع عملية الرش الضبابي المتنقلة لتعقبها عمليات الرش الجوي.
وأكد أن كل المعينات الأساسية من مبيدات ومدخلات لحملة الرش في الخرطوم تم توفيرها بواسطة وزارة المالية، بكلفة 4.5 مليون دولار، بيد أنه ستجري تغطية بعض الولايات الأخرى التي تشهد حالات متزايدة من حمى الضنك.
الاجتماع الأول
إلى ذلك عقد مجلس الوزراء السوداني برئاسة كامل إدريس، أمس الثلاثاء، أولى جلساته الرسمية في العاصمة الخرطوم، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل (نيسان) 2023، وبعد أكثر من عامين ونصف من انتقال العاصمة الإدارية إلى بورتسودان.
واستعرض الاجتماع الذي انعقد بمقر حكومة ولاية الخرطوم، ترتيبات حوار سوداني- سوداني لا يستثني أحداً، في إطار خطة الاستشفاء الوطني، إلى جانب قضايا الاقتصاد والخدمات وإعادة الإعمار وتأمين العودة الطوعية للمواطنين.