ملخص
بين ركام شوارع كورنيش المزرعة، حي السلم، عين المريسة وغيرها من مناطق بيروت، قمنا بجولة ميدانية، محاولين تفكيك شيفرة المكان بعد 4 أيام على الغارات القوية. وما بين حكاية ناج من الموت المحتم، وآخر عالق تحت الأنقاض لا يزال أهله يأملون أن يخرج سالماً... تروى قصة لبنان "العالق بين الأنقاض".
لم تكن الدقائق الـ10 تلك التي أغارت خلالها إسرائيل على بيروت الأربعاء الماضي، بشكل عنيف وغير مسبوق مجرد جولة قصف عابرة، بل لحظة مفصلية من التحول في طبيعة الحرب نفسها، ومشهدية بدلت الصورة لما قبل وما بعد ذلك اليوم، الذي لقب بـ"الأربعاء الأسود".
بين ركام شوارع كورنيش المزرعة، حي السلم، عين المريسة وغيرها من مناطق بيروت، قمنا بجولة ميدانية، محاولين تفكيك شيفرة المكان بعد أربعة أيام على الغارات القوية. وما بين حكاية ناج من الموت المحتم، وآخر عالق تحت الأنقاض لا يزال أهله يأملون أن يخرج سالماً... تروى قصة لبنان "العالق بين الأنقاض".
سماء مفتوحة على الموت الجماعي
في شهادة ميدانية مؤثرة، نتحدث إلى ديانا شوقي، 30 سنة، العاملة في صيدلية بمنطقة داخل بيروت استهدفت بغارة قوية، والتي تكشف تفاصيل اللحظات الأولى للانفجار، وتقول "كنت داخل الصيدلية أزاول عملي كالمعتاد قبل أن أسمع صوتاً مرعباً وبعده بدأت الجدران بالانهيار فجأة... خرجت مسرعة وأنا مغطاة بالغبار، ولوهلة فكرت بالعودة إلى الداخل لأحضر أغراضي الأساسية، لكني ترددت خوفاً من تساقط المزيد"، وما هي إلا ثوان قليلة حتى انهار المبنى بالكامل، ونجت من الموت.
وعلى رغم عدم إصابتها بجروح خطرة، نُقلت شوقي إلى المستشفى وهي في حالة صدمة شديدة، قائلة "لم أكن أشعر بجسدي.. الأصوات كانت مدوية، انفجار تلو الآخر، ثم لم أعد أرى شيئاً". وأوضحت أن الصيدلية كانت منزلها الثاني الذي تقضي فيه ساعات طويلة، معربة عن حزنها العميق لتدمير المكان على رغم نجاتها. وأضافت "أول ما خطر في بالي أنني نجوت، ثم فكرت بقاطني المبنى والجيران، فهذه منطقة شعبية ومليئة بالسكان، وكل الناس هنا أعرفهم بحكم عملي".
"انهيار لم نشهده منذ 1982"
بدوره، قال يقول محمد حمود، صاحب الصيدلية المذكورة، إن حجم الدمار غير مسبوق بالنسبة له منذ عام 1982، مضيفاً "على رغم كل ما مررنا به، لم نشهد انهياراً بهذا الحجم في منطقتنا".
وأوضح أنه "كان في مكتبه بمنطقة كورنيش المزرعة لحظة القصف، حيث سمع أصوات الصواريخ وشاهد آثار الانهيارات وتصاعد الدخان، قبل أن يتلقى اتصالاً من أحد الجيران يُبلغه بأن المبنى الذي يضم الصيدلية انهار بالكامل".
وأضاف أن "الصيدلانية تمكنت من مغادرة المكان تحت وطأة الخوف، في وقت كانت فيه الغارات الإسرائيلية عنيفة والطريق غير آمن". وأشار إلى أن "المبنى سكني ويضم عدداً من السكان، بينهم لاجئون سوريون"، لافتاً إلى أن "أربعة أشخاص كانوا في الداخل، عُثر على ثلاثة منهم، فيما لا تزال عمليات البحث مستمرة عن شخص رابع".
عالقون تحت الأنقاض بانتظار انتشالهم
في المقابل يبرز ملف آخر لم يُطو على رغم مرور أربعة أيام على الغارات، وهو ملف المفقودين والعالقين تحت الأنقاض. إذ تكشف تقارير صحية وصحافية أن عدداً كبيراً من الجثث لا يزال موجوداً في مستشفى رفيق الحريري الدولي من دون التعرف إلى هوية أصحابها. في المقابل لا تزال هناك عائلات تبحث عن أحبائها ولا تعلم ما إذا كانوا عالقين تحت الأنقاض أم انتُشلوا، بانتظار نتائج فحوصات الحمض النووي.
وبلغ عدد المسجلين على لوائح المفقودين في بيروت حتى هذه الساعة 36 شخصاً، توزّعوا على الشكل الآتي، وفقاً لغرفة إدارة الكوارث والأزمات في محافظة بيروت تسعة أشخاص لا يزالون في عداد المفقودين، و17 شخصاً أكّدت وفاتهم المستشفيات أو ذووهم، من بينهم طفلان دون سن 18، فيما تبين أن 10 أشخاص على قيد الحياة، وقد تم التواصل معهم وربطهم بعائلاتهم، من بينهم طفل.
يصف، محمد حسنين، وهو مسعف ميداني في بيروت، المشهد الإنساني بـ"الكارثي"، مشيراً إلى انتشار فرق الإسعاف والإطفاء في مختلف المناطق البيروتية، لافتاً إلى أن "أحياء المزرعة، والرحاب وتلة الخياط شهدت "مجازر كبيرة"، مع وجود عدد كبير من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض، مما يرجح ارتفاع الحصيلة مع استمرار عمليات البحث على رغم مرور أيام عدة.
ويستعيد واحدة من أقسى المشاهد في كورنيش المزرعة، حيث عُثر على سائق شاحنة صغيرة (فان) لنقل البضائع عالقاً داخلها بعد انقلابها، وقد دخلت قطعة حديد كبيرة في جسده. ويقول "عملنا على سحبه مع الحديد من داخل المركبة، وكان لا يزال على قيد الحياة".
علي يودع الجميع
في حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث سقط العدد الأكبر من القتلى والجرحى، تكشف الغارة الأخيرة مشهداً يفوق الوصف. فالمبنى السكني الذي كان يضم عائلات من سكانه ونازحين من مناطق مختلفة، تحول في اليوم التالي إلى صمت مطبق لا يقطعه سوى صوت الآليات وهي ترفع الركام، فيما لا أثر لأي ناجين.
تحت الأنقاض، أكثر من 10 مفقودين، يرجح عناصر الدفاع المدني الذين التقيناهم على الأرض أنهم فارقوا الحياة بعد أيام على القصف. وفي قصة مختلفة، يروي أحد الشبان الذي التقيناه هناك أن صديقه انتشل للتو آخر فرد من عائلته جثة هامدة من تحت الأنقاض، وهو شقيقه، بعدما فقد والدته وشقيقته وخالته وطفليها وحفيدها. وعلى رغم هول الفاجعة والمصاب، بقي صديقه في الأيام الماضية صابراً يراقب عملية الانتشال، مؤكداً أن ما يؤلمه ليس الموت بقدر ما تؤلمه الذكريات، وهو قد خسر كل حياته بخسارة عائلته كاملة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتداول كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي قصص عالقين تحت الأنقاض، وفي منشور على تطبيق "فيسبوك" كتبت فتاة "هناك شاب عالق تحت الردم في حي السلم اسمه علي مولى، وهو من الأمس يصرخ ولا نستطيع إخراجه... يبكي ويصرخ ويقول إنه غير قادر على التنفس".
مبادرات فردية
في ظل الدمار الواسع الذي خلفته الغارات القاسية على بيروت، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الدعوات الفردية العاجلة لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، في مشهد يعكس حجم الكارثة وضيق الإمكانات المتاحة. وانتشرت نداءات من ناشطين ومواطنين يطلبون المساعدة الفورية، لا سيما من أصحاب الجرافات والآليات الثقيلة، للتوجه إلى مواقع الاستهداف والمساهمة في عمليات رفع الركام والبحث عن ناجين.
هذه المبادرات العفوية، التي خرجت عن الأطر الرسمية، حملت طابعاً إنسانياً ملحاً، حيث تداول المستخدمون أرقام هواتف ومواقع محددة، داعين كل من يملك القدرة على المساعدة إلى التحرك فوراً، في سباق مع الوقت لإنقاذ من لا يزالون تحت الأنقاض. وبينما تعمل فرق الدفاع المدني والصليب الأحمر بإمكانات محدودة وتحت ضغط هائل، بدت هذه الدعوات الفردية بمثابة محاولة لسد فجوة طارئة فرضها حجم الدمار وتسارع الأحداث.
لحظات بين الحياة والموت
ومن حي السلم وكورنيش المزرعة، انتقلنا إلى منطقة عين المريسة المطلة على بحر بيروت، وهناك تتكشّف رواية أخرى للكارثة، رواية أحياء العاصمة التي وجدت نفسها خلال دقائق على تماس مباشر مع الموت، ثم تحولت إلى شاهد حي على ما جرى.
في عين المريسة، عند المسجد المطل على البحر، حيث اعتاد المصلون أن تختلط دعواتهم بصوت الموج، تغير المشهد فجأة، وتحول المكان إلى شاهد على لحظة صدمة ثقيلة.
يقول إمام مسجد المنطقة الشيخ أسامة حداد في حديثه معنا، مستعيداً اللحظات الأولى بعد الانفجار "الصدمة كانت مهولة، تغيرت معالم المنطقة بالكامل. ما أوجعنا أكثر هو الناس، أبناء المنطقة الذين يصلّون هنا. قبل ساعة واحدة فقط من الانفجار، كنا مع المهندسين حول الجامع، نقوم بالكشف ونبحث في أعمال التأهيل والصيانة. انتهى الاجتماع، ركنت سيارتي أمام باب الجامع، وغادرنا". يخفض صوته قليلاً، ثم يقول بجملة تختصر كل شيء "لطف الله فينا... دقائق فقط كانت تفصلنا عن وقوع التفجير".
هنا بين زجاج تحطم، ومكان تبدّلت ملامحه، تبقى النجاة مجرد تفصيلة صغيرة في قصة أكبر، قصة فقد لا يُرمم.
صواريخ من الخلف وسكان يدفعون الثمن
بدورها، روت يسرا تنير، وهي سيدة كبيرة في العمر ومن قدامى سكان منطقة عين المريسة، تفاصيل اللحظات الأولى، موضحة "لم أكن في منزلي لحظة الاستهداف. لم أفكر بالبيت بقدر ما فكرت بالناس. بجيراني الذين أعرفهم كلهم منذ أعوام طويلة، وبالصيدلانية، وبالمحيط كله".
وعند وصولها، فوجئت بانهيار المبنى، مضيفة أن المشهد "أعاد إلى ذاكرتي انفجار السفارة الأميركية عام 1982، ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وانفجار المرفأ عام 2020"، واصفة ما جرى بأنه "تكرار لنفس الدمار ونفس العقلية الدموية ولكن هذه المرة بشكل أثقل وأكبر".
تتوقف عند بعض المعطيات الميدانية وفق شهادات أبناء الحي وما رأته، وتشير إلى استهداف المبنى من الخلف عبر ثلاثة صواريخ، مما أدى إلى سقوط نحو 27 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، مقابل نجاة عدد قليل جداً من السكان، وتقول "قبل يومين أتى عنصران غريبان، شككنا بأمرهما، إلى الحي وتحديداً إلى المبنى لدى أقاربهما، مما جعل المبنى هدفاً مباشراً"، على حد قولها.
وفيما تبقى هذه الشهادات الفردية من دون أي تأكيد رسمي، لم تصدر حتى الساعة أية تقارير رسمية عن الدولة اللبنانية تكشف طبيعة الأهداف المستهدفة في بيروت، مقابل إدعاءات إسرائيلية بأنها كانت مخازن أسلحة وقيادات من "حزب الله". الحزب بدوره لم يخرج بأي بيان يكشف فيه عن عدد القتلى في صفوفه.
شظايا عند الباب
من جهته، زياد، أحد العمال في محل لبيع الدراجات النارية، يروي كيف نجا بأعجوبة من الموت، بعدما سقطت شظايا صاروخ مباشرة أمام محله.
ويقول، إنه كان يزاول عمله بشكل طبيعي، قبل أن يهتز المكان فجأة مع دوي انفجارات متتالية. "فقدت القدرة على التركيز… لم أعد أعرف إن كنت أدخل إلى الداخل أم أخرج إلى الشارع"، مشيراً إلى حالة الارتباك التي سيطرت عليه، ويؤكد أن "الضربات كانت شديدة جداً، وقد سمع نحو أربعة انفجارات متلاحقة، قبل أن يتبيّن له أن أحد المباني القريبة قد انهار".
ويتابع، "عندما خرجت، كان المشهد صادماً… الغبار غطّى كل شيء، والحي بأكمله بدا وكأنه تحول إلى لون أبيض واحد"، مشيراً إلى أن شظايا الصاروخ سقطت أمام محله مباشرة، في لحظة كانت كفيلة بإنهاء حياته، لولا "عناية إلهية" أنقذته، تاركة إياه شاهداً حياً على ما جرى.
نجاة على بعد أمتار من الموت
متشابهة جداً قصص الناجين من الموت في ذلك اليوم في بيروت أو باقي المناطق، تختلف في بعض التفاصيل لكن النتيجة واحدة.
في بلدة عربصاليم الجنوبية، التي طالها أيضاً القصف العنيف، تروي ربى لحظة نجاتها من تحت الركام، قائلة إنه عند الساعة 9:45 مساء استُهدف المنزل وهي داخله مع زوجها وابنتها، من دون أي إنذار.
"لم أشعر بشيء… فتحت عيني فوجدت نفسي تحت الركام"، تضيف، مشيرة إلى أن "خزانة وفرشاً سقطت فوقها حماتها وابنتها، فيما قتل زوجها". وتؤكد أن نجاة أولادها جاءت بعدما أصروا قبل ساعات على المبيت عند جدتهم. "خرجت لا أرى شيئاً من شدة الغبار والدخان… وما رأيته لا يمكن أن يمحى من ذاكرتي طوال حياتي".
مجزرة جديدة واختبار لهيبة الدولة
وعلى وقع كل التطورات الميدانية، اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً يقضي بجعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، يعود هذا الطرح إلى الواجهة اليوم على وقع التصعيد الأمني.
في هذا السياق، يصف النائب عن العاصمة بيروت إبراهيم منيمنة ما جرى بأنه "مجزرة تُضاف إلى سلسلة المجازر التي يذهب ضحيتها مدنيون في بيروت ومناطق لبنانية أخرى"، والتي أودت بعدد كبير من المدنيين. مشيراً إلى أن "حجم الأذى غير مسبوق منذ عام 1982، ولا حتى خلال أحداث 2024". وأكد أن "الجهود تنصب حالياً على ضبط أمن المدينة عبر الجيش وطمأنة الأهالي، بالتوازي مع ترقب مسار المفاوضات".
وفي ما يتعلق بجدية تطبيق قرار جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، أشار منيمنة إلى "شكاوى من سكان مبان عن وجود عناصر مسلحة"، على حد قوله، معتبراً أنه "لا خيار أمام السلطة السياسية، إذا كانت جادة في حصر السلاح، إلا أن تبدأ من بيروت". وأضاف أن "العاصمة يجب أن تكون نموذجاً لفرض سلطة الدولة، وعلى جميع القوى السياسية، لا سيما "حزب الله"، الامتثال لذلك، بما يكرّس الأمن وتطبيق القانون، ويفتح الباب أمام تعميم التجربة على باقي المناطق اللبنانية.
قصص إنسانية وأخرى أيضاً
ميدانياً، لا تقتصر الصورة على الجانب التقني. خلال الجولة التي قمنا بها على المواقع المستهدفة، كان يُلاحظ وجود عناصر غير معروفة من قبل السكان، كما قالوا بأنفسهم لنا، وهي تنتشر قرب المباني وتراقب المكان، مما يطرح علامات استفهام حول طبيعة وجودها ودورها.
أما في منطقة عين المريسة، فبدا تتبع بعض المجموعات غير المألوفة على سكان الحي لفرق الدفاع المدني موضع تساؤل، في ظل مؤشرات غير واضحة إلى طبيعة هذا التتبع، وهو ما شاهدناه بشكل واضح.
وفي الموقع نفسه، شاهدنا رجلاً يقول إن ابنته البالغة 20 سنة مفقودة ويبحث بين الركام والأنقاض ويتجول في الحي المنكوب، وقد ذكر مراراً أنه يعرف جميع سكان الحي، الذين بدورهم أنكروا صراحة أية معرفتهم به. وحاولنا التحدث معه لأخذ مداخلة منه وشهادة ضمن التقرير، لكن رفض.
مع كل هذه التعقيدات والتناقضات، يبقى الثابت الوحيد أن الأبرياء هم من يدفعون الثمن.