ملخص
إذا فكر الغزي في النزوح فإنه بحاجة لـ1000 دولار لنقله إلى الجنوب، و2000 دولار للعيش في شقة سكنية أو 700 دولار ثمن خيمة، لكن ليس هذا الصعب بل لا يتوافر مكان للإيواء ولا خيام للعيش فيها، إذ يبلغ العجز في مناطق الإيواء 96 في المئة، وإجمال الحاجة للخيام ومستلزمات المأوى تبلغ 250 ألف خيمة وكرفان.
من بين خيارين فقط إما النزوح أو الحصار والجوع والموت، قرر شاكر اختيار رحلة العذاب والهرب من مدينة غزة التي تشهد قتالاً ويستعد الجيش الإسرائيلي لاحتلالها، والتوجه نحو الجنوب، وبدأ الأب بالتخطيط للنزوح المبكر حتى قبل أن تأمره تل أبيب بذلك.
يقول شاكر "التهديدات الإسرائيلية مخيفة واستعدادات الجيش المهولة تثير الخوف في قلبي، لذلك قررت النزوح من مدينة غزة إلى جنوب القطاع، هذا اختيار بالغ الصعوبة، ولكن عليّ فعله من الآن لكي لا أواجه عراقيل كبيرة إذا ما وزع الجيش أوامر الإخلاء".
1000 دولار للشاحنة
يعيش شاكر حالياً وسط أنقاض بيته المدمر ولديه قليل من المستلزمات الأساسية ويوضح أن لديه "بعض أدوات المطبخ وقليلاً من الملابس الصيفية والشتوية، وفراشاً وأغطية وأحذية مهترئة، وخزان مياه وأشياء بسيطة تساعدنا في الحياة".
ويريد نقل هذه المستلزمات معه إلى جنوب القطاع، ويعرف أنه إذا استغنى عن أي شيء فقد يكلفه الأمر أموالاً لا يستطيع توفيرها ليشتري بديلاً عما تركه، ولنقل هذه الأغراض يحتاج إلى عربة.
وبعد أيام من البحث عن عربة تنقله من مدينة غزة المركزية إلى جنوب القطاع، بات لدى شاكر تصور حول كلف النقل، ويضيف أن "أقل سعر شاحنة وجدته كان 1000 دولار، هذا مبلغ غير معقول، لا يستطيع أحد تحمله".
وما يخطط له شاكر هو نقل أمتعته البسيطة مسافة 20 كيلومتراً فقط، وعليه أن يدفع لسائق الشاحنة 1000 دولار، مما جعله عاجزاً عن النزوح، ويفكر في إلغاء قراره والبقاء في مدينة غزة محاصراً وجائعاً ومعرضاً للموت في أية لحظة.
من بين إجراءات التخطيط للنزوح، أخذ شاكر يبحث عن مأوى له في جنوب غزة، فلا يريد الأب أن يعيش في خيمة، ولذلك قرر البحث عن مخزن (حاصل للإيجار) أو شقة غير جاهزة للمعيشة، أو بيت بسيط وقديم.
ثمن إيجار العقارات
يوضح أن أصحاب العقارات رفعوا إيجار البيت البسيط الصغير إلى 2000 دولار، والشقة غير الجاهزة لنحو 1500 دولار، أما المخازن فبلغ متوسط سعرها 1300 دولار.
وهذه المبالغ صدت شاكر أكثر، وفتح على تطبيق الحاسبة في هاتفه المحمول وأخذ يجمع "1000 دولار كلفة نقل و1300 دولار إيجار مخزن صغير يحتاج إلى تجهيز حمام ومطبخ بمبلغ إضافي قيمته 1500 دولار، المجموع 3800 دولار".
ويقول "أنا عاجز عن ذلك، وأكثر السكان فقدوا القدرة على تحمل كلف النزوح المهولة، من الواضح أنني سأظل في غزة أواجه الموت هنا، لا يمكنني دفع هذه الكلف، بعدها سأحتاج إلى مصروف طعام كل شهر بقيمة 2000 دولار".
ويشير النازح الغزي إلى أن الحرب أكلت الأخضر واليابس، وقضت على المدخرات كلها، ويؤكد أنه يعيش كما الناس على الصفر، ولذلك قرر البقاء في مدينة غزة والموت فيها مرة واحدة، وهذا بالنسبة إليه أفضل من الموت بالتقسيط في رحلة النزوح القاسية.
والحيرة التي يعيشها شاكر عندما قرر النزوح، تشغل بال 1.1 مليون شخص يعيشون في مدينة غزة المركزية، وينتظرون مصيراً مرعباً إما الموت في غزة أو النزوح جنوباً، لكن الخيار الأخير عبارة عن عذاب قاسٍ فقد أكثر المدنيين القدرة على تحمل كلفه المهولة.
الطعام أولى
من جهته يقول مهران وهو غزي آخر يتعرض لظروف مشابهة "هاجس النزوح يطاردني بصورة يومية بعد أن أعلن الجيش الإسرائيلي موافقته على تنفيذ خطط احتلال مدينة غزة، ولذلك بدأت البحث عن كيف ننزح وإلى أين، أمضيت أسبوعاً وأنا أخطط ولكن خيارات النزوح مرة وصعبة".
ويضيف "بحثت عن منزل للإيجار في الزوايدة أو دير البلح، على اعتبار أن مناطق وسط القطاع ليست على قائمة الهجوم، ولكنني لم أجد، فالشقق المتوافرة عددها قليل ويطلب أصحابها مبالغ جنونية تصل إلى 2000 دولار شهرياً".
ويوضح مهران أن من يمتلك هذا المبلغ في ظروف كهذه يخصصه للطعام فقط، مشيراً إلى أن كلفة استئجار شاحنة صغيرة لنقل العائلات وأمتعتهم من مدينة غزة إلى منطقة المواصي في خان يونس تراوح ما بين 800 و1000 دولار.
هذه الكلفة يرى فيها الغزيون رقماً يفوق قدرة كثرٍ من الأسر التي تعيش أوضاعاً اقتصادية متردية منذ أعوام طويلة، ويلفت مهران إلى أن من ينزح اليوم من غزة، يذهب إلى أقربائه أو أرض ينصب فيها خيمة.
الديزل ثمنه مرتفع والطرق مدمرة
في الواقع، ارتفعت كلفة المواصلات في قطاع غزة بصورة جنونية منذ اندلاع الحرب، إذ قفز سعر ليتر الديزل من نحو 1.5 دولار قبل الحرب إلى أكثر من 50 دولاراً حالياً في السوق السوداء، مما جعل التنقل شبه مستحيل بالنسبة إلى غالبية الأسر.
وهذا ليس كل شيء، فهناك تدمير واسع للطرق والبنية التحتية، حيث تحولت الشوارع إلى ركام وحفر عميقة بفعل القصف، مما ضاعف صعوبة التنقل حتى لمن يملك المال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي غزة أيضاً فإن المؤشرات الاقتصادية سيئة للغاية، إذ بلغت نسبة الفقر نحو 91 في المئة، بينما وصلت نسبة البطالة إلى أكثر من 92 في المئة، وبناء على هذه البيانات فإن كلفة إضافية مهما كانت صغيرة على الأسر تعد عبئاً لا يمكن تحمله.
الخيمة بـ800 دولار
القصف يقترب من عائلة يعقوب وكل ليلة يسمع الانفجارات ودائماً ما يفكر في النزوح، لكنه يقول "المشكلة لا تكمن في قرار النزوح، بل في كلفة الهروب المادية الباهظة التي تتطلبها عملية الانتقال إلى جنوب القطاع".
ويضيف "لا أملك ما يكفيني لنزوح جديد، فكلف النقل وحدها تكفي لتدمير ما بقي من موازنات الأسر، فكيف إذا أضفنا كلف المأكل والمأوى وغيرها، كيف لنا أن نوفر آلاف الدولارات لننتقل من منطقة إلى أخرى".
ويردف "لو نزحنا إلى منطقة أخرى، فماذا بعد الوصول؟، نحتاج إلى خيمة لنقيم فيها وسعر الخيمة اليوم تجاوز 800 دولار، وهذا مبلغ يفوق قدرة أية أسرة تعيش بلا دخل، النزوح سلسلة من الأعباء المادية التي لا أستطيع تحملها".
ومع استمرار القصف وعدم وضوح وجهة آمنة، يعيش الغزيون في قلق وهواجس، لا تتعلق فقط بالخوف من الموت، بل أيضاً بالخوف من عدم القدرة على تحمل نفقات النزوح، وتصف مريم ذلك قائلة "الحياة باتت كلها ترحالاً بلا أفق، والنزوح أصبح معركة مالية خاسرة، ندفع ثمنها أرواحنا قبل جيوبنا".
96 في المئة من جنوب غزة ممتلئة و250 ألف خيمة مطلوبة للإيواء
يعجز سكان عزة على تحمل رحلة النزوح، إلا بضع الحالات التي تمتلك مكاناً بديلاً في جنوب غزة، وبحسب نائبة المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة دانييلا غروس، فإن 17 ألف حالة نزوح جديدة هربت من غزة، وهذا رقم صغير عند مقارنته بـ1.1 مليون نسمة مهددين بالنزوح.
ويقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة إن "أي نزوح إلى محافظات الجنوب شبه مستحيل،لأن تلك المناطق غير قادرة على استيعاب 1.1 مليون مهجر قسرياً، العجز في الإيواء بقطاع غزة يتجاوز 96 في المئة".
ويضيف "منذ إعلان إسرائيل السماح بإدخال الخيام ومستلزمات الإيواء، لم يدخل إلى غزة سوى نحو 10 آلاف خيمة فقط، أي ما يعادل أربعة في المئة من إجمال الاحتياج البالغ 250 ألف خيمة وكرفان، حالياً غير متوافرة على المعابر بسبب العراقيل المعقدة التي يفرضها الجيش على عمل المنظمات الدولية، مما يفاقم معاناة مئات آلاف النازحين".
لكن منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية غسان عليان يؤكد أنه يعمل على إدخال معدات المأوى إلى غزة وأن المؤسسات الإغاثية بدأت بتجهيز مناطق ومعسكرات للنازحين.