ملخص
اختطف الدواعش ما يقارب 1200 مواطن ومواطنة من أبناء المكون التركماني، بينهم 460 فتاة وامرأة و120 طفلاً، وجرى توثيق بيانات 642 فحسب، فيما حالت البنى العشائرية المتشددة دون إشهار مصير الآخرين، بخاصة النساء، تحت سطوة ما يسمى "العار".
احتفظت بأعوام متآكلة من التعذيب والاعتداء والذل من طريق سلسلة طويلة حول قدمي، تحرر جسدي وذهبت إلى الغرفة مباشرة على أمل أن أنسى بإغماض عيني. لم أبحث عن تعويض لكل ليالي الاختطاف المرعبة، تمنيت اعترافاً أو ورقة تقول إن ما حدث لي كان جريمة. أعوام قضيتها مجردة من اسمي وجسدي، وحين وقفت مطالبة بشمولي بقانون الناجيات، قالوا إن اختطافي جرى في وقت سابق والقانون لا يشملني، لم يسألني أحد عما فعله بي الأسر، ولا كيف مضيت بعدها.
زهرة (اسم وهمي) كانت في الـ15، عندما نقل تنظيم "داعش" حياتها وحياة قضاء تلعفر ذي الغالبية التركمانية في محافظة نينوى شمال العراق في يونيو (حزيران) عام 2014، إلى الظلام والحزن، كباقي أقضية ومدن المحافظة. لم تلحق مع عائلتها ترتيب حقائبهم. كان صوت الاحتلال قادماً وأسرع من تشغيل سيارة النجاة. "كان كل شيء سريعاً، لم ألحق لإدراك أنهم سحبوني وقتلوا عائلتي أمام عيني، نسيت ذلك فترة، كان ما يغذي أملي بالنجاة يوماً هو عودتي لاحتضان عائلتي. تحررت بعد ثلاثة أعوام، ووجدت نفسي أعيش مع أقاربي، إذ لا ناجي لي، وعليَّ أن أتأقلم مع تلك الفكرة إلى الأبد. احتجت إلى وقت قبل أن أستدرك أن رصاصات ما اخترقت وجه أخي الأكبر وجسد والدي، كان صوت أمي أقوى من الطلقات، موقتاً".
صيغة دقيقة
حتى لحظة صدور "قانون الناجيات" في مارس (آذار) 2021، كانت عشرات النساء من التركمانيات المختطفات يعلقن آمالاً على اعتراف رسمي بكونهن ناجيات من جرائم تنظيم "داعش"، والحصول على تعويض من الدولة عن أعوام من العنف والانتهاك والوصم. بعضهن، وبعد عودة خجولة إلى المجتمع، حملن شهادات طبية تثبت الأذى الجسدي والنفسي، واستجمعن شجاعة مواجهة الخوف الاجتماعي، فتوجهن لتسجيل أسمائهن ضمن القانون الجديد، غير أنهن فوجئن بإقصاء قانوني مغلف بصيغة فنية دقيقة، "القانون يشمل فقط من اختطف بعد تاريخ الثالث من أغسطس (آب) 2014".
تاريخ الاختطاف أصبح حاجزاً لا يمكن عبوره لزهرة ومختطفات أخريات غيرها، مهما كانت قسوة ما جرى. في بعض الحالات كان الفارق أياماً فحسب لا أكثر. تمسك المشرعون بتاريخ الثالث من أغسطس، وهو لحظة اجتياح سنجار وبدء الهجوم المنظم على المكون الأيزيدي، لكن ما سبق هذا التاريخ لم يكن أقل عنفاً، لا سيما في تلعفر والموصل وسهل نينوى، حيث استهدفت مكونات أخرى من النساء، بينهن التركمانيات، اللاتي تعرضن للاختطاف والاغتصاب والتجنيد القسري والانتهاك، منذ يونيو ويوليو (تموز) من العام نفسه.
على رغم أن نص قانون الناجيات يشير إلى شمول النساء الناجيات من "المكونات الأيزيدية والتركمانية والمسيحية والشبكية"، فإن الشرط الزمني حصر الدعم فعلياً بالضحايا الأيزيديات فقط. حاولت زهرة تقديم ملفها ولم تستطع الحصول على أي أمل بنيل حقوقها يوماً.
"كان الأمر صادماً بالنسبة إلي، وكأنه إعادة اختطافي مرة أخرى، حينما جرى التعامل مع وضعي بناءً على تاريخ سلبهم لجسدي وحياتي مع عائلتي، اخترت عدم التصديق للمرة الأولى، وحاولت بعدها، ثم مرة ثالثة، وكل مرة ينظرون بها إلى شهادتي التي تبين أن اختطافي وعذابي كان سابقاً لشهرين من تاريخ القانون، يعيدونني، أصاب بانهيار، وأبكي. كيف ذلك؟ كيف يمكن أن يظلمك القانون أيضاً ويحرمك من حقك بالعودة إلى الحياة؟"، تتساءل زهرة وهي تسحب ذيل حجابها لتمسح دموعها.
"يبدو الأمر وكأنه جرى بيعي للمرة الثانية، مرة حينما لم يساعدني وعائلتي أحد عند اختطافي، ومرة حينما حاولت الاقتناع بقدري والبحث عن بداية فرصة جديدة، هكذا تتعامل معنا السلطات، بهذا التهميش والقمع والعنصرية"، تقول زهرة.
تاريخ الاعتراف بالجرائم
بعد العرب والأكراد يشكل التركمان ثالث أكبر جماعة عرقية في العراق. وعلى مدى عقود تنقلت الجماعة بين أشكال متعددة من التهميش، بدءاً من سياسات التعريب في عهد نظام صدام حسين، مروراً باستهداف مباشر من الجماعات المسلحة في مرحلة ما بعد 2003، وصولاً إلى اجتياح تنظيم "داعش" قرى ومناطق تركمانية في شمال البلاد، لا سيما في تلعفر وسهل نينوى. وبينما كان عدد التركمان يقدر بنحو 600 ألف قبل الحرب، فإن هذا الرقم شهد تراجعاً كبيراً بفعل النزوح والانتهاكات.
عام 2018 وبعد مرور أكثر من عامين على هزيمة التنظيم ميدانياً، أقرت الأمم المتحدة للمرة الأولى بأن النساء التركمانيات كن أيضاً ضحايا للعنف الجنسي الذي ارتكبه "داعش"، في اعتراف متأخر أسهم في تسليط الضوء على شريحة نسيت من الحسابات القانونية والسياسية في البلاد حسب ناشطين تركمانيين، وكان نتيجتها إهمال الاعتراف بالناجيات التركمانيات إن لم يكنَّ مختطفات بعد الثالث من أغسطس.
اختطف الدواعش ما يقارب 1200 مواطن ومواطنة من أبناء المكون التركماني، بينهم 460 فتاة وامرأة و120 طفلاً. جرى توثيق بيانات 642 وحسب، فيما حالت البنى العشائرية المتشددة دون إشهار مصير الآخرين، بخاصة النساء، تحت سطوة ما يسمى "العار". ومع مرور الأعوام تحرر منهم 51 فرداً فقط بينهم 26 فتاة وامرأة و25 من الذكور، انتشلوا من أماكن متفرقة داخل العراق وخارجه، من الموصل وكركوك وبغداد إلى سوريا وتركيا.
لم ينصف القانون ضحايا هذه المجازر جميعاً، وحصر عدالته في نطاق ضيق، فقانون الناجيات الأيزيديات رقم 8 لسنة 2021، بخطوطه الدقيقة، أغفل ضحايا التركمان من النساء والأطفال. يقول الناشط جعفر التركماني في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إن القانون قيد التعريف الزمني للناجية بتاريخ الثالث من أغسطس عام 2014، أي يوم سقوط سنجار، في حين أن تلعفر وسهل نينوى سقطا قبل ذلك، وتحديداً في العاشر من يونيو من العام نفسه، مضيفاً أن تلك الفجوة الزمنية القانونية جعلت المختطفات التركمانيات، بفعل الخطأ التشريعي، خارج دائرة الاعتراف.
وأقر مجلس النواب العراقي في مطلع مارس عام 2021 قانون الناجيات الأيزيديات، الذي خصص لتعويض النساء اللاتي اختطفن وتعرضن لانتهاكات على يد تنظيم "داعش". وينص القانون على منح امتيازات مالية ومعنوية لتسهيل إعادة اندماجهن في المجتمع، منها راتب تقاعدي وقطعة أرض سكنية، فضلاً عن أولوية في التوظيف، كذلك تضمن القانون استثناءات تعليمية خاصة، من بينها إعفاؤهن من شروط العمر والأجور والقيود الأخرى التي قد تعوق عودتهن إلى مقاعد الدراسة.
المادة الأولى من قانون الناجيات تعرف "الناجية" بأنها كل امرأة أو فتاة وقعت ضحية لجرائم العنف الجنسي التي ارتكبها تنظيم "داعش" منذ الثالث من أغسطس عام 2014، وتشمل هذه الجرائم: الاختطاف والاستعباد الجنسي والبيع في أسواق النخاسة والفصل عن الأسرة وإجبار الضحايا على تغيير ديانتهن والزواج القسري والحمل أو الإجهاض بالإكراه أو أي نوع من الأذى الجسدي أو النفسي، ثم تحررت بعد ذلك.
أما المادة الثانية فتنص على أن أحكام القانون تشمل جميع الناجيات الأيزيديات اللاتي اختطفن من قبل "داعش" وتحررن بعد ذلك، كما تمتد لتشمل النساء والفتيات من المكونات التركمانية والمسيحية والشبكية اللاتي تعرضن للجرائم نفسها المذكورة في المادة الأولى. يقول الناشط جعفر التركماني إن الإشكالية تقع هنا، بعد تحديد يوم الاختطاف وما قبله لا يجري الاعتراف به.
ويقول التركماني، "الأطفال كان مصيرهم أشد غموضاً، إذ قصر القانون أحكامه على الأطفال الأيزيديين دون سواهم، وامتنع في مادته التاسعة عن تجريم خاطفي التركمان والمسيحيين والشبك، مكتفياً بإدانة خاطفي الأيزيديات وحدهم".
ويرى أن "اغتصاباً طاول خمساً منهن وإجهاضاً أجبرت عليه ثلاث أخريات على رغم صغر أعمارهن، وانتهى الأمر بفقدانهن العائلة والمأوى بعد التحرير، إذ وجد جميع الناجين والناجيات أنفسهم تحت رعاية أقاربهم، بعدما ظلت عائلاتهم الأصلية في عداد المفقودين حتى الآن، يعيشون بلا مورد مالي، وفي حاجة ملحة إلى سند قانوني ونفسي واجتماعي، وإلى علاج طبي ونفسي يرمم الإصابات التي لا تزال شاهدة على العنف".
على رغم عظم ما تحمله الأيزيديون وهو الأكثر فظاعة في التاريخ، فإن التركمان والشبك والمسيحيين كانوا ضحايا لإرهاب "داعش" كذلك. ولعل ما حل بالتركمانيات، بشهادة ناجيات أيزيديات وعضو مجلس النواب فيان دخيل، كان قاسياً وبشعاً، إذ كان الجلادون، بعد الاغتصاب، يحرقون الضحايا، وهي ممارسة لم تسجل مع غيرهن، بحسب ما يؤكده الناشط جعفر التركماني.
جدار يقف بوجه الحقوق
تقدم جميع العائلات التركمانية تقريباً بطلبات رسمية لشمول بناتهن بقانون الناجيات، وساعد جعفر بنفسه في إعداد بعض تلك الطلبات، لكن الاستجابة، على رغم التفاعل الكبير، لم تفض إلى شيء، لأن المشكلة لم تكن في مديرية شؤون الناجيات بوصفها جهة تنفيذية، فهي لا تملك صلاحية تجاوز النص، بل في القانون ذاته الذي صاغ استثناءً صريحاً لضحايا غير الأيزيديات.
وهكذا ظلت المديرية تعيد العائلات إلى نقطة البداية، مؤكدة أن التشريع هو من أغلق الأبواب. وبعض العائلات حاول اللجوء إلى المحاكم المتخصصة، ورفع دعاوى ضد المديرية بعد رفض طلباتها، غير أن القضاء نفسه لم يكن قادراً على الذهاب أبعد من النص التشريعي المقيد، فانتهت كل تلك المحاولات إلى فراغ.
هنا تروي الناجية زهرة، "قبول أية دعوى من هذا النوع يتطلب استيفاء شروط شكلية وموضوعية محددة. فإذا لم يتطابق تاريخ خطف الناجية التركمانية مع التاريخ الذي نص عليه القانون، لا يمكن أصلاً الانتقال إلى بقية المعايير. أما من يشملهن القانون فعلاً، فقد كان مطلوباً منهن إثباتات ملموسة: وثائق رسمية ككتب التسليم والتسلم من الأجهزة الأمنية، أو شهادات موثقة تؤكد واقعة الاختطاف".
كان الحرج الاجتماعي التحدي الأكبر أمام العائلات التركمانية، ولا سيما في تلعفر، إذ طلب منذ الأيام الأولى لبدء التوثيق ألا يذكر المختطفون، وبخاصة الفتيات والنساء، باعتبار ذلك عاراً يثقل سمعة العائلة والقبيلة. وعلى رغم محاولات الناشط جعفر التركماني المتكررة لإقناع شيوخ العشائر والوجهاء ورجال الدين بضرورة الكلام، ظل كثر يفضلون الصمت.
ولم يبدأ هذا الحاجز بالانكسار إلا بعد صدور فتاوى من المرجعيات الدينية في النجف، ثم بعد تشريع قانون الناجيات الذي مكن بعض الضحايا من الحصول على رواتب وقطع أراض سكنية، وهو ما خفف جزئياً من ثقل الوصمة. غير أن امتناع العائلات في البداية عن الإبلاغ كان السبب الرئيس في تحجيم حجم الملف رسمياً، وإبقاء أعداد الضحايا الموثقة أقل بكثير من الواقع. ومع صدور القانون عام 2021، تبدل الموقف تدريجاً، إذ دفعت المزايا التي نص عليها – ولو بصورة جزئية – بعض العائلات إلى إعادة النظر في موقفها، والبدء بالمطالبة بحقوق بناتهن.
ويوضح الناشط جعفر التركماني أن "ما يضاعف معاناة الناجيات التركمانيات أن عائلاتهن ما زالت في عداد المفقودين، وأن اعتمادهن في المأوى والمصاريف صار على أقارب بالكاد يكفون أنفسهم، لا سيما اللاتي لم يشملهن القانون. صورة الفقر تبدو فادحة حين نتذكر أن تسعة ناجين وناجيات من عائلة واحدة كانوا – حتى وقت قريب – يعيشون على جمع عبوات المشروبات الغازية الفارغة من النفايات وبيعها كخردة للحديد. ولا يخفى أن كثيرات منهن لم يتأقلمن مع هذه الظروف القسرية داخل بيوت الأقارب، وإن كانت بعضهن قد تزوجن لاحقاً وأسسن أسراً صغيرة مستقلة".
اعتراف متأخر وحصار
خمسة أعوام بعد احتلال "داعش"، ظلت حكايات الناجيات مدفونة، قبل أن تنكسر للمرة الأولى في الـ17 من أغسطس 2019. يومها، اعترفت المكونات التركمانية عبر وسائل الإعلام بوجود نساء وفتيات اختطفهن التنظيم الإرهابي وتعرضن للاغتصاب. في ذلك الخطاب، قال رئيس الجبهة التركمانية أرشد الصالحي إن الأعراف والقيم العشائرية حالت دون كشف الأعداد والأسماء، وإن الطابع الاجتماعي الذي يغلف المجتمع جعل من الصعب على الناجيات أن يروين ما وقع لهن. ومع ذلك أكد أن المسؤولية القانونية تفرض إعادة تأهيلهن وإدماجهن، كي يستعدن ما سرق منهن في الأسر والصمت معاً.
الناشطون لجأوا إلى حملات متكررة، يطرقون أبواب المؤسسات واحدة تلو الأخرى. عبر قائم مقامية تلعفر رفعت الطلبات إلى مكتب محافظ نينوى، ثم إلى البرلمان حيث جرى النقاش مع رئيس لجنة حقوق الإنسان وعدد من النواب من كتل مختلفة لتعديل تاريخ القانون، لكن مشروع تعديل القانون، الذي أرسلته رئاسة الجمهورية منذ الثامن من يوليو (تموز) عام 2021، أدرج للقراءة الأولى في جلسة البرلمان بتاريخ الثاني من مايو (أيار) عام 2023، ثم أسقط بتدخل مباشر.
ويقول أحد الناشطين التركمان الذي طلب عدم ذكر اسمه، "بعدما أعيد إدراج مشروع تعديل القانون في الرابع من فبراير (شباط) عام 2024، ألغي مرة أخرى بطلب من رئيس الكتلة الأيزيدية نايف خلف، كما تظهر الوثائق الرسمية"، لافتاً الانتباه إلى أن وزارة الهجرة والمهجرين، بقيت بعيدة من الملف منذ البداية، لأن مديرية شؤون الناجيات تدار ضمن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وهذا التوزيع البيروقراطي زاد المشهد التباساً، وأدخل القضية في دائرة انسداد تشريعي وتنفيذي مزدوج، لتظل الناجيات التركمانيات عالقات بين فراغ النصوص وصراع المصالح.
طرق تحرير الناجيات
يقول أقارب إحدى الناجيات، "حين استقبلناها لم نجد الكلمات، بأي لسان يمكن أن نخبرها أن أختها أحرقت حية، وأن أهلها جميعاً قتلوا، وأن البيت الذي غادرته لم يبق منه سوى الأطلال؟ كنا نلتفت إليها، ثم نلتفت عن وجوهنا، نخشى أن تنكشف الصدمة في أعيننا قبل أن تسمعها من أفواهنا". ويحكي، "من حياتها السابقة لم يبق شيء، في لحظة واحدة نزعت منها العائلة واللغة والبيت والذاكرة. أربعة أعوام وهي بعيدة من كل ما تعرفه، عادت تتحدث بلهجة غريبة عنها، بلسان آخر لا يشبهها، كأن طفولتها التي غادرت بها لم ترجع معها. أعوام كاملة لم يعرف أحد عنها شيئاً، لم يسأل أحد، ولم يتفقد أحد مصيرهن لكن حياتها هي توقفت عند تلك اللحظة الأولى من الخطف".
ويشير محمد (اسم وهمي) إلى أن قريبته حين عادت، كانت صامتة طوال الوقت، وفجأة تصرخ وتنهار وتبدأ بتمزيق ثيابها. أحياناً تستيقظ من النوم وهي تركض ومرعوبة وتقول إنها تهرب من "داعش" وخاطفها. ويضيف "أحياناً تتذكر طريقة تحريرها وتجهش بالبكاء. حاول مختطفها أن يضعها كدرع بشرية له ولعائلته أثناء تحرير الموصل - حيث كانت مختطفة - ورمى بها إلى النار، ولم يكن يعلم الجنود القادمون بأسلحتهم أنها مدنية".
ويمضي محمد في حديثه، "تذهب كثيراً للمقبرة، تحاول عد المفقودين من عائلتها والموجودين تحت التراب، تعود صامتة، ثم تنهار، وهكذا. إنها في حاجة إلى الدعم والمديرية لا تفكر باستقبالها أو حتى الاستماع لقصتها ما دام اختطافها كان في يونيو وليس أغسطس".
من ناحية أخرى، تكشف الناشطة مودة سلمان عن أن "طرق إنقاذ النساء التركمانيات كانت مختلفة تماماً عن الآليات التي استخدمت مع الأيزيديات، فالأيزيديات أفرج عن كثير منهن مقابل مبالغ مالية ولو بعد أعوام طويلة ومئات منهن ما زلن بمصير مجهول بعد أكثر من 10 أعوام، أما التركمانيات فلم ينتزعن من الأسر إلا حين استعادت القوات الأمنية الموصل وتلعفر. العائلات التي زوجن إليها قسراً تخلت عنهن، وحين دخلت القوات إلى الأحياء وتعرفت إليهن، أجريت الاتصالات بعائلاتهن وأعيد تسليمهن إليهم". وتقول، "لم تنقل إلى سوريا أي من التركمانيات اللاتي تحررن، فيما كانت غالب الأيزيديات تستعاد من هناك. ولا يوجد مكتب يتتبع مصائرهن، ولا جهة رسمية سعت إلى الوصول إليهن. قصصهن بقيت رهينة جهد محدود بذله قلة من النشطاء، لتظل مأساة التركمانيات في العتمة".
هل حقاً القانون للجميع؟
في مواجهة السردية السابقة، يقول سمير شهاب، مدير فرع سنجار- شؤون الناجيات الأيزيديات في تصريح خاص إن "الكل مشمول بالقانون الذي فتح أبوابه أمام النساء من مختلف المكونات"، مستشهداً على ذلك بـ14 ناجية تركمانية جرى شمولهن حتى الآن، نلن رواتبهن وتسلمن قطع أراض سكنية من دون أن تواجه المديرية أية تعقيدات إدارية أو عراقيل في آلية التقديم.
وينبه شهاب إلى أن التاريخ المفصلي، الثالث من أغسطس عام 2014، لم يقيد شمول التركمانيات، فجميع الملفات التي قبلت تعود لنساء اختطفن بعد ذلك اليوم، فيما لم تسجل حال تقدمت وكانت سابقة له. أما آلية التقديم فاعتمدت على نافذة إلكترونية خصصتها المديرية، بالتوازي مع قنوات أخرى مثل منظمات المجتمع المدني والناشطين وبعض الشخصيات الاجتماعية، وحتى التواصل المباشر مع الضحايا أنفسهن.
لكن شهاب لا يخفي أن هناك مطالبات جديدة تلوح، أهمها شمول الأطفال التركمان الذين لم يتطرق القانون إليهم، موضحاً أن لجنة خاصة شكلها القانون للنظر في طلبات الناجين والناجيات، يترأسها قاض مناط بها سلطة القبول أو الرفض، قائلاً إن أبوابها مفتوحة لجميع المكونات المشمولة.
هذا التفاؤل لا يلتقي مع ما يقوله جعفر التركماني الناشط المهتم بملف الناجيات، إذ يذهب إلى نفي تصريحات شهاب، مؤكداً أن كل ناجية تقدمت وكانت قد اختطفت قبل الثالث من أغسطس قوبلت أوراقها بالرفض. ويرى أن ما يقال عن "انعدام الإشكالات" يناقض ما يجري على الأرض، مضيفاً "حاولنا وقدمنا طلب تعديل مرات كثيرة من دون نتيجة. لماذا نفعل ذلك؟ لأن الناجية التركمانية محرومة من حقها وغير معترف بنجاتها ما قبل التاريخ المحدد".
تعديلات ليست للأفضل
قبل عام، وبعد ضغط كبير، أعادت الرئاسة العراقية صياغة مسودة لتعديلات قانون الناجيات، تتضمن تغيير عدد من مواده وبنوده، غير أن هذه المسودة لم تدرج حتى يومنا هذا على جدول أعمال البرلمان.
حينها قال نائب رئيس لجنة الشهداء والضحايا والسجناء السياسيين في مجلس النواب، شيوان محمد رستم، "لقد تسلمنا مشروع القانون من رئاسة الجمهورية، وناقشته لجنتنا تمهيداً لإحالته إلى رئاسة البرلمان لقراءته قراءة أولى ثم ثانية، قبل عرضه للتصويت".
وتعد أبرز النقاط المثيرة للجدل في هذه التعديلات مقترح تغيير تاريخ شمول الضحايا من الثالث من أغسطس عام 2014، تاريخ الإبادة الجماعية في سنجار، إلى العاشر من يونيو عام 2014، يوم سقوط الموصل بيد تنظيم ’داعش’، في محاولة لشمول ضحايا أحداث سبقت مذبحة سنجار الكبرى.
لكن النائب عن المكون الأيزيدي محما خليل، رأى أن هذا المسعى يفتح الباب أمام إشكالات كبيرة، قائلاً في تصريحات سابقة "أن تاريخ الثالث من أغسطس يمثل لحظة مأسوية تخص بالدرجة الأولى المكون الأيزيدي، إلى جانب عدد من الضحايا التركمان، لكن هناك من يسعى لتغيير اسم القانون وفقراته لإضافة فئات لم تقع أصلاً في قبضة التنظيم، وهذا أمر لن نسمح بتمريره".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإلى جانب هذه الإشكالات، برزت عقبة جديدة مرتبطة بعمل اللجنة المعنية بمراجعة طلبات التعويض الفردية بموجب قانون الناجيات الأيزيديات، إذ فرضت اللجنة شرطاً جديداً لإثبات الاستحقاق لم يرد في نص القانون ولا في تعليماته التنفيذية، بل يتعارض مع الضمانات التي صممت لحماية الناجيات.
وطلب من المتقدمين تقديم شكوى جنائية أولاً إلى محكمة مكافحة الإرهاب في العراق الاتحادي، وإرفاق وثائق التحقيق مع طلب التعويض. أما الطلبات التي لا تتضمن هذه الوثائق فيصار إلى رفضها، بغض النظر عن حجم الأدلة التي جمعتها الجهات الرسمية أو المنظمات الحقوقية، أو حتى إمكان اللجنة مقابلة الناجيات بشكل مباشر. ولا يزال مصير الملفات المقدمة قبل فرض هذا الشرط غير محسوم حتى الآن.
ووفق المتخصص في الشؤون القانونية سلام فاضل فإن "هذا الإجراء يثير مخاوف من أن يحرم آلاف الناجين والناجيات من حقوقهم في التعويض، لأنه لا يتماشى مع نص القانون ولا مع روحه، ويضيف طبقة جديدة من التعقيدات الإجرائية إلى مسار شاق أصلاً".
ويذكر بأن الخوف من الوصمة والإهانة أو التعرض لمعاملة مهينة خلال عملية تقديم الشكوى، أمر قد يدفع كثيراً من الناجين والناجيات إلى الامتناع عن التقديم، كذلك تزداد المخاوف الأمنية وفقدان الثقة بالجهاز القضائي، بخاصة في ما يتعلق بسرية البيانات وحماية هوية الضحايا. ويزداد هذا العبء ثقلاً على الناجيات من العنف الجنسي من الأيزيديات والتركمانيات والمسيحيات والشبكيات، وعلى الأطفال الأيزيديين الذين جندوا قسراً.
وبالنسبة إلى المقيمين في الشتات، فإن هذا الشرط يكاد يكون مستحيلاً، إذ لا يمتلك كثر منهم وثائق التحقيق المطلوبة، أو لا يستطيعون العودة إلى العراق لاستخراجها، أو لا يرغبون في خوض هذه التجربة القاسية.