ملخص
تفيد أرقام الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي (مؤسسة حكومية) بأنه في عام 2024 جرى منح 3371 ترخيصاً لاستعمال القنب الهندي لغايات طبية وصناعية في مقابل 721 ترخيصاً في 2023، وتمت زراعة 2169 هكتاراً (21.69 كيلومتر مربع) من طرف 2647 مزارعاً.
في الـ20 من أغسطس (آب) 2024، أعلن العاهل المغربي الملك محمد السادس العفو عن 4831 شخصاً مدانين أو ملاحقين في قضايا تتعلق بزراعة القنب الهندي (الكيف)، وهو العفو الذي غير حياة آلاف المزارعين وعائلاتهم في أفق بلوغ تنمية اقتصادية واجتماعية في مناطق الريف المعروفة بزراعة القنب الهندي.
ولم يكن قرار العفو الملكي الذي مر عليه اليوم عام بالتمام والكمال سوى مبادرة تروم دعم وتعزيز تقنين زراعة القنب الهندي بالمغرب، وهي النبتة الشهيرة التي ازدهر ترويجها في استعمالات طبية وتجميلية، حتى أصبح المغرب من مصدري شحنات النبتة من صنف "البلدية" إلى دول أفريقية وإلى سويسرا وأستراليا.
هذا الزخم الكبير في الاعتراف القانوني بالمزارعين وخروجهم من "منطقة الخوف والترقب"، بسبب المطاردات الأمنية المتلاحقة، لم تواكبه مع ذلك تحولات اجتماعية ومعيشية عميقة لمزارعي القنب الهندي، كما أن الزراعات المقننة للكيف باتت تتسبب في تعطيش دواوير وقرى ثلاث مناطق حصرها القانون في زراعة "الكيف"، وهي الحسيمة وشفشاون وتاونات.
ازدهار ورواج اقتصادي
عرفت رحلة القنب الهندي بالمغرب مسارات مختلفة بدأت منذ استقلال البلاد في الخمسينيات من القرن الماضي بالتجريم والمنع الذي دام سنوات طويلة، قبل أن تنطلق نقاشات سياسية وبرلمانية بخصوص تقنين هذه النبتة طوال أعوام، لتتوج بإقرار قانون رقم 13.21 الذي يحدد الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي في أغراض طبية وصناعية وصيدلانية.
وأطلق المغرب في الثالث من يونيو (حزيران) 2022، خطة عمل لاستغلال القنب الهندي في استخدامات ومجالات طبية وتجميلية وصناعية، وفي الشهر الموالي من العام نفسه بدأ تطبيق قانون تقنين استعمالات القنب الهندي بالمملكة، ليكون بذلك المغرب أول بلد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقنن القنب الهندي.
وتفيد أرقام الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي (مؤسسة حكومية) بأنه في عام 2024 جرى منح 3371 ترخيصاً لاستعمال القنب الهندي لغايات طبية وصناعية في مقابل 721 ترخيصاً في 2023، وتمت زراعة 2169 هكتاراً (21.69 كيلومتر مربع) من طرف 2647 مزارعاً.
وفي العام الحالي، انضم 5 آلاف مزارع إلى قطاع القنب الهندي المقنن، بعد أن كان العدد لا يتجاوز 430 مزارعاً في 2023، مما يدل على تنامي حجم قطاع إنتاج القنب الهندي في البلاد، وفق محمد مجدولين الباحث في الاقتصاد الاجتماعي.
وفي أغسطس الجاري سيجري جني المحصول القانوني الثالث للقنب الهندي بعد محصولي 2023 و2024، وهو المحصول الذي يتوقع مجدولين أن يعرف تنامياً غير مسبوق بالنظر إلى الإشعاع الذي عرفته نبتة الكيف المغربية في الأسواق المحلية، وصار يصدر إلى بعض الأسواق العالمية.
وأبرز الباحث نفسه أنه بإمكان المغرب أن يجني عائدات مالية كبيرة من ترويج القنب الهندي المقنن في استعمالاته الطبية والصيدلانية والتجميلية، عبر تعاونيات منظمة يكفلها القانون، حتى أن "هناك طموحاً لا يخفيه المسؤولون عن ترويج القنب الهندي في أن تبلغ إيرادات هذه النبتة 6 مليارات دولار".
مكاسب نفسية وعائلية
في الشق الاجتماعي من موضوع تقنين القنب الهندي، لا يخفي آلاف المزارعين بهجتهم واطمئنانهم الكبير من هذا التقنين، ومن تحول زراعتهم التي كانت سابقاً ممنوعة بموجب القانون، إلى زراعة شرعية بموجب القانون أيضاً.
من جهته، يقول العربي أزرواط، وهو مزارع في منطقة تاونات المشتهرة بزراعة القنب الهندي، إنه كان رفقة آلاف المزارعين مطارداً بين الجبال، لا يكاد يستقر في بيته حتى يغادره سريعاً خشية الاعتقال أو المتابعة القضائية بسبب نشاطه السابق في زراعة الكيف.
وأوضح المزارع ذاته بأن أكبر مكسب من تقنين القنب الهندي، علاوة على عائداته المادية، أنه "منح المزارعين فرصة أن يرفعوا هاماتهم عالياً من دون خوف ولا وجل"، مشيراً إلى أنه "انتقل من منطقة الخوف المستمر الذي لازمه طوال سنوات عديدة إلى منطقة الأمن والسلام الداخلي"، وفق تعبيره.
على إيقاع الارتياح نفسه النفسي أفاد مزارع آخر، كان مداناً بالسجن بسبب القنب الهندي قبل أن يجري الإفراج عنه ضمن المعفى عنهم من طرف العاهل المغربي، بأنه صار الآن يشعر بأنه مواطن كامل الأهلية، وبأنه لا يمارس نشاطاً أو زراعة غير قانونية.
ووفق المزارع نفسه، فإن دفتر الحالة المدنية (الدفتر العائلي) لم يكن يشمل أسماء جميع أبنائه، ولا بطاقة تعريفه الرسمية يستطيع تجديدها بسبب المطاردات الأمنية التي أعاقت حريته وحركته، مردفاً أن العيش بجانب أطفاله تحت سقف واحد أفضل آلاف المرات من العيش متخفياً متنقلاً من مكان إلى آخر، أو من القبوع خلف أسوار السجن.
شبح الهشاشة
ليست هذه الصورة وردية تماماً، فعلى رغم المكاسب الإنسانية والاجتماعية التي واكبت تقنين القنب الهندي، وجعل زراعته نشاطاً اقتصادياً قانونياً، فإن الوضع المعيشي لكثير من مزارعي الكيف لم يتحسن بصورة كبيرة.
تقول الباحثة السوسيولوجية ابتسام العوفير إن ما حصل هو "ثورة قانونية" حولت زراعة ممنوعة ومجرمة تؤدي بصاحبها إلى غياهب السجون إلى قانونية، لكن هذه الثورة القانونية لم ترافقها "ثورة اجتماعية" بمعنى الكلمة لأسباب عدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشرح العوفير بأن "هناك إشكال محدودية التراخيص الممنوحة لممارسة زراعة القنب الهندي القانوني، الشيء الذي يحول دون استفادة آلاف المزارعين وأسرهم من هذا التحول القانوني، والعمل بصورة علنية، وبالتالي فإنهم يضطرون إلى العمل في الخفاء".
واستطردت المتحدثة أن الفلاح الصغير أو البسيط يشعر أنه على رغم التقنين وانخراط آلاف المزارعين في هذا النشاط، فإنه غير معني مباشرة بهذه التحولات المحورية، لأن المستفيدين الحقيقيين هم أصحاب الشركات الكبرى.
وأكملت الباحثة عينها أن عدم الإحساس بتحسن معيشة المزارعين بعد تقنين زراعة الكيف، أو أنها تحسنت بصورة بطيئة وغير مؤثرة، يجعل الفلاح البسيط يخشى من هيمنة الهشاشة التنموية وعدم استفادته بصورة كاملة من السلسلة الاقتصادية للقنب الهندي.
عطش
الازدهار في زراعة القنب الهندي بالمغرب محفوف بإشكالات بيئية، على رأسها مشكلة الماء، إذ إن عدداً من الدواوير والقرى المنتمية إلى مناطق زراعة الكيف صارت تواجه شبح العطش بسبب استنزاف الموارد المائية، فضلاً عن خطر نفوق رؤوس الماشية جراء ذات المشكلة.
ويبسط تجار الكيف سيطرتهم على منابع الماء في عدد من الدواوير القروية في تاونات وشفشاون، من خلال وضع أنابيب في هذه المنابع يجري توجيهها مباشرة لسقي حقول القنب، الشيء الذي تسبب في قلة الماء الصالح للشرب، وتخوف الساكنة المحلية من شبح العطش.
الباحث في البيئة أيوب كرير يرى أنه بعد العفو الملكي عن مزارعي القنب الهندي، تحولت معظم حقول الكيف إلى زراعات مسقية، ودخلت أصناف هجينة تبدو ظاهراً أكثر إنتاجية، ولكنها أكثر طلباً للماء مقارنة مع الأصناف التقليدية المغربية للقنب.
يواصل كرير شرحه "هذه الأصناف الهجينة فاقمت الضغط على العيون والمياه الجوفية مقارنة مع القنب الهندي التقليدي، خصوصاً في فصل الصيف، إذ تعرض منسوب المياه والعيون لخطر الجفاف، وصار القرويون مهددين بالعطش".
ووفق الباحث نفسه، نبتة الكيف تستهلك تقريباً 20 إلى 23 لتراً من الماء يومياً، بحسب الظروف التي توجد فيها النبتة، لكنها ليست العامل الوحيد في أزمة الماء بالمنطقة، ذلك أن شبح العطش يعود أساساً للتقلبات المناخية وسنوات الجفاف المتكررة وغياب حوكمة مائية ناجعة.
ويرى كرير حل هذا الإشكال في "ضرورة توفير حصص مائية وضبط المساحات المزروعة المقننة، وإدارة السقي بطريقة عصرية وحديثة، تستخدم فيها الوسائل التكنولوجية، واستعمال أصناف محلية وأصيلة من القنب الهندي تكون أقل استهلاكاً للماء، بخلاف الأصناف الهجينة التي تستنزف الماء والتربة أيضاً".