ملخص
يخشى مراقبون من أن تتحول المواجهة الناعمة إلى مواجهة نارية، وربما إلى ضربات إسرائيلية، إذا لم تبادر بغداد إلى إنهاء النفوذ الإيراني وتقييد حلفائه ونزع سلاحهم.
منذ الغزو الأميركي للعراق في ربيع 2003، ظل ملف الميليشيات المسلحة في بلاد الرافدين بمثابة العقدة التي تتفرع منها أزمات الأمن والسياسة والسيادة في البلاد، إلا أن هذا الملف ازداد تعقيداً بصورة كبيرة بعد تشكيل هيئة الحشد الشعبي عام 2014، مما شرعن وجود الفصائل المسلحة الموالية لإيران، فضلاً عن تشكيلها كياناً بات يوصف بأنه يمثل دولة موازية.
ولعل تشابك هذا الملف مع النفوذ الإيراني، وتحوله إلى أداة صراع بين قوى إقليمية ودولية، جعله عصياً على الحلول السريعة، ومع المتغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتراجع الدراماتيكي الذي حل بالنفوذ الإيراني، تتزايد التساؤلات حول موقع العراق من تلك المتغيرات، وهل أن ما يجري هو بداية النهاية لسلطة الميليشيات أم مجرد إعادة ترتيب لخيوط اللعبة، تدار على وقع الضغوط الخارجية وحسابات الداخل العراقي المعقد؟
الانتقال من العموم إلى التخصيص
في الأعوام الماضية كان الخطاب الحكومي في العراق يكتفي بالحديث عن مساعي ضبط السلاح المنفلت عموماً، من دون تسمية فصائل بعينها، لكن الأشهر الأخيرة شهدت تحولاً نوعياً، من الحديث عن "جماعات مسلحة" و"سلاح منفلت" إلى تشخيص تلك الجماعات بصورة مباشرة، وهو ما بات جلياً في البيان الحكومي الأخير الذي خص ميليشيات "كتائب حزب الله"، بما يتعلق بحادثة استهداف وزارة الزراعة في يوليو (تموز) الماضي.
ويرى الصحافي والباحث مصطفى ناصر في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن هذا التحول "جاء بفعل الضغط الدولي على هذه الجماعات في مناطق نفوذها"، مضيفاً "الاتصال الأخير بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني حول قانون ’الحشد الشعبي‘ يؤكد أن السوداني ملزم التعاطي الفوري مع هذا النشاط المسلح".
ويشدد ناصر على أن الأمر دولياً لم يعد يتعلق بمجرد تصنيف "الحشد الشعبي" أو تلك الجماعات، بل بمدى جدية الحكومة العراقية في التعاطي مع ملف السلاح خارج الدولة، لافتاً إلى أن "المعيار الحقيقي هو مدى التزام الحكومة إنهاء حال السلاح المنفلت".
ضغوط أميركية مباشرة
وفي الـ22 من يوليو الماضي أجرى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتصالاً هاتفياً مع السوداني، حذر فيه من أن مشروع قانون "الحشد الشعبي" بصيغته الحالية "قد يرسخ النفوذ الإيراني ويقوض سيادة العراق"، داعياً إلى تعديلات جوهرية تضمن خضوع كل التشكيلات لقيادة الدولة حصراً.
وفي الوقت ذاته أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن روبيو شدد على أن استمرار هذا المسار التشريعي من دون إصلاحات "سيضع مستقبل التعاون الأمني بين واشنطن وبغداد على المحك".
حادثة وزارة الزراعة
في خضم السجال المتصاعد حول ملف الفصائل المسلحة الموالية لإيران، جاءت حادثة وزارة الزراعة في الـ27 من يوليو الماضي، لتزيد من حدة التوتر داخل البلاد، التي أدت في النهاية إلى إشارة التحقيقات الحكومية بصورة صريحة لميليشيات "كتائب حزب الله" واتهامها المباشر بأنها كانت وراء الاقتحام، بالتنسيق مع مدير عام سابق في الوزارة متهم بالفساد.
كانت إحدى دوائر وزارة الزراعة شهدت حادثة تزامناً مع مباشرة مدير جديد مهامه في الدائرة، إذ أقدمت مجموعة مسلحة على اقتحام مبنى الدائرة أثناء انعقاد اجتماع إداري مما تسبب بحال من الذعر بين الموظفين، قبل أن تعتقل الأجهزة الأمنية خمسة من المسلحين المتورطين في الحادثة.
في سياق التصعيد المتنامي بين الحكومة العراقية وميليشيات "كتائب حزب الله"، اختارت الأخيرة مواجهة نتائج التحقيق في حادثة دائرة الزراعة ببغداد بخطاب يظهر الانقسامات الحادة داخل أروقة "الإطار التنسيقي للقوى الشيعية" المشكل لحكومة السوداني، إذ اتهمت الكتائب الحكومة بـ"تزييف" ما توصلت إليه اللجنة المكلفة، مؤكدة أن قرارات مثل فتح تحقيق مع قائد عمليات الجزيرة وإعفاء آمري اللواءين 45 و46 لم تكن ضمن ما اتفق عليه مع قادة الإطار التنسيقي، وهو ما قرأته على أنه استهداف مباشر للحشد الشعبي وعموده الفقري.
وتكشف اللغة التي استخدمتها الميليشيات المسلحة إدراكها خطورة الأجواء في العراق والمنطقة مع استمرار الضغوط الغربية على الحكومة العراقية حول هذا الملف، إذ يبدو البيان كمحاولة لاحتواء الضرر عبر إعادة صياغة القضية كاستهداف سياسي، لا كمحاسبة على تجاوز أمني.
ولعل اللافت هو أن البيان اختتم بربط مباشر بين الحادثة وملف انسحاب القوات الأميركية في سبتمبر (أيلول) المقبل في استدعاء لخطاب "المقاومة" الذي استخدمته تلك الجماعات كثيراً في تبرير سلوكياتها وحتى مواجهاتها مع القوات الحكومية، وهو ما يراه مراقبون محاولة لمنحها غطاءً أيديولوجياً يحول الخلاف مع السوداني إلى جزء من المواجهة الكبرى مع واشنطن.
انعكاس لخلافات داخلية
ويعتقد رئيس مركز "التفكير السياسي" إحسان الشمري أن واقعة وزارة الزراعة "واحدة من أهم الأسباب التي فجرت الجدل، بالنظر إلى طبيعة الهجوم على مؤسسة عراقية وتحوله إلى قضية رأي عام، وارتباطه بمحاولات التدخل في الإدارة من خلال فرض تعيينات أو إعادة شخصيات محسوبة على تلك الجهات". ويضيف "الانقسامات الحادة داخل الإطار التنسيقي الشيعي حول ملف السلاح والانتخابات وإدارة الحكومة أسهمت في تفجر الخلافات"، لافتاً إلى أن العلاقة بين السوداني و"كتائب حزب الله" تدهورت "بعدما طالبت الأخيرة بامتيازات سياسية وأعلنت أنها لن تؤيد ولاية ثانية له".
ويرى الشمري أن تسمية الجهة المسؤولة عن الحادثة هي "محاولة من السوداني لإظهار موقف مقبول أمام واشنطن، خصوصاً أن رؤساء وزراء سابقين كانوا يتجنبون مثل هذه التسمية".
وعلى رغم أن الحادثة جاءت "متزامنة مع الضغوط الأميركية باتجاه تفكيك السلاح خارج إطار الدولة"، يرفض اعتبارها تحولاً جذرياً في سياسة الدولة إزاء تلك الجماعات، مبيناً أن ما جرى يمثل "انعكاساً لخلافات بين طرفين داخل المنظومة ذاتها".
ويؤكد أن السوداني "لا يزال يستند إلى حاضنة سياسية متمثلة بالإطار التنسيقي، الذي تعد الفصائل المسلحة ركناً رئيساً فيه"، مردفاً أن غالب هذه الفصائل المسلحة "على رغم تورطها في قضايا فساد وتهريب وتجاوزات على الدولة"، تستعد للمشاركة في الانتخابات المقبلة خلافاً للدستور وقانون الانتخابات. ويتابع أن هذا الأمر يعني أن "السلاح لا يزال يتحكم بالمشهد السياسي، ولا توجد نية حقيقية لكبح تمدده أو إنهاء فكرة الدولة الموازية".
الخلافات الداخلية والضغط الخارجي
وفي حين يعتقد الباحث مصطفى ناصر أن الحكومة العراقية "غير جادة في مواجهة أوسع مع باقي الفصائل المسلحة"، يعزز موقفه بالقول إن السوداني "يوازن خطواته لتأمين ولايته الثانية، مستفيداً من حاجة المجتمع الدولي إلى تهدئة المشهد قبل الانتخابات".
ويتابع أنه حتى الآن لا يعد ما تحقق "كافياً لإقناع المجتمع الدولي، الذي يرى أن التهديدات ما زالت قائمة"، مبيناً أن ما يجري الآن ليس سوى "مرحلة تسخين" قبل الانتخابات، خصوصاً مع عدم توصل الحكومة العراقية "إلى صيغة نهائية حول التعاطي مع ملف الميليشيات، لكن المؤكد أن التعامل مع هذا الملف سيكون من أولويات رئيس الوزراء المقبل".
الشمري يتفق في الجوهر، لكنه يضع ثقله على العامل الأميركي، موضحاً أن "الولايات المتحدة، منذ الاشتراطات التي طرحتها قبل أشهر والتي أنكرها العراق رسمياً، ما زالت مصرة على قضية تفكيك السلاح".
ويلفت إلى أن واشنطن "أعلنت المواجهة رسمياً عبر التصدي لقانون الحشد الشعبي، وفرض عقوبات على مصارف وواجهات اقتصادية تابعة للفصائل، في إطار بداية التضييق على الدور والنفوذ الإيراني داخل العراق"، محذراً من أن هذه "المواجهة الناعمة قد تتحول إلى مواجهة نارية، وربما إلى ضربات إسرائيلية، إذا لم تبادر بغداد إلى إنهاء النفوذ الإيراني وتقييد حلفائه ونزع سلاحهم".
ويرجح أن تشهد المرحلة المقبلة "انتظاماً أكبر للإدارة الأميركية – خصوصاً في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب – في محاولة لإعادة العراق إلى المظلة الأميركية وانتزاعه من المحور الإيراني، أو تركه يواجه مصيره داخله.
السفير البريطاني يحذر… وبغداد تستدعيه
الموقف البريطاني جاء متناغماً مع الضغوط الأميركية، حين صرح السفير البريطاني لدى العراق، إرفان صديق، قائلاً "إذا خضعت جميع فصائل ’الحشد الشعبي‘ لأمر القائد العام للقوات المسلحة، فلن تكون هناك مشكلة"، إلا أنه حذر من أن "التصرفات الخارجة عن القانون من أي فصيل ستقوض أمن الدولة وثقة المجتمع الدولي بها".
هذه التصريحات أثارت حفيظة الحكومة العراقية، التي استدعت السفير وأبلغته احتجاجها، معتبرة أن ما صدر عنه "يمثل تدخلاً في الشأن الداخلي ويتعارض مع الأعراف الدبلوماسية".
وعلى رغم ذلك، يعتقد مراقبون أن كلاً من واشنطن ولندن تضعان ملف الميليشيات الموالية لإيران في صدارة أولوياتها بما يتعلق بالعلاقة مع بغداد.
واشنطن… جدول زمني أكبر من العراق
في نظر واشنطن تمثل الميليشيات العراقية جزءاً من ملف إقليمي أكبر، الذي يتمثل بإعادة ترتيب الشرق الأوسط في ظل التحدي الإيراني، إذ يوضح ناصر أن "الملف الإيراني يتشابك مع ملفات الخليج والعراق ولبنان وسوريا وحتى تركيا وأرمينيا وأذربيجان"، مبيناً أنه بالنسبة إلى واشنطن فإن الميليشيات العراقية لا تقارن بالبرنامج النووي الإيراني، ويمكن التعامل معها بسرعة إذا لزم الأمر، سواء اقتصادياً أو سياسياً".
في المقابل، يرى المتخصص في مجال العلوم السياسية هيثم الهيتي أنه "لا يوجد تحول جوهري في العقلية السياسية للحاكم في بغداد وحلفائه الداعمين للحرس الثوري الإيراني"، مؤكداً أن هؤلاء "لا يرون ضرورة لإنهاء ملف الميليشيات لأنه يمثل أساس بقائهم في السلطة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح أن الإشارة الحكومية الصريحة لـ"كتائب حزب الله" يعد "محاولة لتقليل الضرر الذي قد يصيب الحشد الشعبي كمؤسسة سياسية"، مبيناً أن "حصر الاتهام بفصيل أو أفراد معينين أسلوب براغماتي لتبرئة المؤسسة أمام الرأي العام والأميركيين".
وفي البعد الدولي، يرى الهيتي أن "واشنطن تتبنى استراتيجية جديدة تعتبر الشرق الأوسط والخليج العربي أوروبا الجديدة"، باعتباره "مركزاً للطاقة والتجارة العالميتين"، وأن العراق يقع في "قلب هذا المشروع".
وأشار إلى أن الخطوات الأميركية الأخيرة، مثل خفض دعم بعض القوى المسلحة وزيادة تمويل مكافحة الإرهاب، تعكس "إعادة ترتيب المشهد الأمني بما يخدم الاستقرار الإقليمي والدولي".
بين الضغط الخارجي والحسابات الداخلية
في المحصلة، تتعامل بغداد مع ملف الميليشيات كميزان حساس بين الداخل والخارج، والرسائل التي يبعث بها السوداني إلى واشنطن ولندن من خلال الإقالات والبيانات الصارمة والتجاوب مع الاتصالات الدبلوماسية قد تمهد لولايته الثانية، لكنها حتى الآن لم تقنع المجتمع الدولي بأن التحركات الحكومية جدية لطي صفحة السلاح الموالي لإيران نهائياً.
وبينما يزداد الترقب حول ما ستسفر عنه الأشهر أو حتى الأسابيع المقبلة، يبقى ملف الميليشيات الموالية لإيران هو الاختبار الدائم للحكومات العراقية المتعاقبة، وعجزها عن احتكار قرار السلاح بيد الدولة.