ملخص
الاتحاد الأوروبي في مأزق طاقي كبير، ويبدو أن رد الفعل على تصرفات ترمب سيجعل هذه الدول تنظر إلى إمدادات الطاقة على أنها مرتبطة بالأمن القومي، وبما أنها تركز على المناخ فستركز على طاقة الرياح تحديداً، وبخاصة البحرية، على رغم ارتفاع كُلفها، ثم ستركز على بطاريات التخزين على رغم ارتفاع كُلفها أيضاً.
بدأت دول الاتحاد الأوروبي تعاني أزمة طاقة خانقة منذ تبنيها سياسات تغير مناخي متطرفة، نتج منها ارتفاع عام في أسعار الكهرباء والغاز من جهة، وارتفاع شديد في الأسعار خلال فترات توقف الرياح، ثم جاء الغزو الروسي لأوكرانيا كي يمكن الولايات المتحدة من تعميق أزمة الطاقة في أوروبا بعد أن أجبرت ألمانيا على عدم استيراد الغاز الروسي من خط "نوردستريم-2" والذي انتهى بناؤه حديثا وقتها، ثم أجبرتها على بناء محطات غاز مسال لاستيراد الغاز المسال الأميركي بعد تفجير خط "نوردستريم-1" في قاع البحر، وفي خضم هذه الأحداث لفّ السياسيون الألمان حفل المشنقة حول عنق ألمانيا وأوقفوا إنتاج الكهرباء من المفاعلات النووية، ودمروا كل سياسات التغير المناخي التي تبنوها باستمرار الاعتماد على الفحم، ثم قامت بريطانيا، والتي لم تعد عضواً في الاتحاد الأوروبي، بوضع قوانين خفضت الاستثمارات النفطية والغازية في بحر الشمال بصورة كبيرة مما أدى إلى انخفاض كبير في إنتاج النفط والغاز في بريطانيا.
حصل التغير الأول في إمدادات الطاقة مع التركيز الكبير على سياسات التغير المناخي وتقديم إعانات ضخمة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية وشواحنها، وهو ما أثر سلباً في نمو الطلب على مصادر الطاقة الأساسية مثل الفحم والغاز والنفط، وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 شهدت القارة تحولاً جذرياً في مصادر إمداداتها، فانخفض الاعتماد على الغاز الروسي من 45 في المئة عام 2021 إلى حوالى 11 في المئة عام 2025، كما توقفت هذه الدول عن الاستيراد المباشر للنفط الروسي، وتوقفت تماماً عن استيراد الفحم أيضاً.
إلا أن هذه الدول لا تزال تعتمد على واردات اليورانيوم المخصب من روسيا، وبخاصة فرنسا، فدول الاتحاد الأوروبي تستورد الغاز الروسي من طريق الأنابيب عبر تركيا كما تستورد الغاز المسال الروسي، وقررت أخيراً وقف استيراد الغاز الروسي بأشكاله كافة عام 2027، أضف إلى ذلك أنها ستطبق قوانين جديدة ستضيق الخناق على إمدادات الطاقة إلى الاتحاد الأوروبي، ومنها ضرائب الكربون على الواردات وقوانين تجبر المصدّر على اتخاذ إجراءات معينة مكلفة، حتى وصل الأمر إلى أن قطر هددت الاتحاد الأوروبي بأنها ستتوقف عن تصدير الغاز للقارة العجوز إذا جرى تطبيق هذه القرارات.
أوروبا الآن في مأزق كبير، فبعد خفض اعتمادها على إمدادات الطاقة من روسيا بصورة كبيرة لم توجد حلول محلية كبديل لمصادر الطاقة الروسية، بل حولت اعتمادها من روسيا إلى النرويج والولايات المتحدة، وبعبارة أخرى تخوفت أوروبا من تحكم روسيا بها من طريق سيطرتها على موارد الطاقة، فتخلت عنها لكنها أصبحت الآن رهينة لإدارة ترمب بسبب اعتمادها على مصادر الطاقة الأميركية: الغاز والنفط والفحم، والمتتبع لأسواق الطاقة يعرف تماماً أن مصادر الطاقة الروسية كانت أكثر أمناً من مصادر الطاقة الأميركية لأسباب عدة، أهمها العواصف الموسمية في خليج المكسيك الذي سماه ترمب الآن "الخليج الأميركي".
لكن حروب ترمب التجارية وتهديده بفرض ضرائب جمركية والسيطرة على جزيرة غرينلاند جعلت الساسة الأوروبيين يفكرون مرة أخرى في موضوع الاعتماد على مصادر الطاقة الأميركية، ووجدنا بعض قادتهم يزورون قطر والإمارات في محاولة لتنويع واردات الغاز المسال بهدف خفض الاعتماد على الولايات المتحدة، لكن حتى هذه التحركات الدبلوماسية اصطدمت بسياسات الاتحاد الأوروبي: ضرائب الكربون والمتطلبات الإضافية من المصدّرين ورفض هذه الدول توقيع عقود طويلة المدة بحجة أنها تتحول للطاقة الشمسية والهوائية لمقابلة متطلبات سياسات التغير المناخي، وباختصار فهذا هو المأزق الأوروبي:
أولاً: لا للوقود الأحفوري.
ثانياً: التضييق على الشركات المنتجة للنفط والغاز محلياً.
ثالثاً: لا لمصادر الطاقة الروسية.
رابعاً: لا للاعتماد الكبير على مصادرة الطاقة الأميركية.
خامساً: زيادة الاعتماد على الطاقة الهوائية والشمسية المتقطعة تعد أكبر أزمات الطاقة التي عانتها أوروبا منذ عام، 2021 وحتى الآن حصلت عندما توقفت الرياح.
سادساً: أسعار الطاقة هي الأعلى في العالم.
سابعاً: ارتفاع كلفة الإعانات المقدمة لمصادر الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، وبسبب ارتفاع أسعار الطاقة فقد ارتفعت كلفة الإعانات المقدمة للشعوب الأوربية، بما في ذلك المقدمة للوقود الأحفوري.
النتيجة والمخرج
يقول المثل الأميركي "إذا وجدت نفسك في حفرة فتوقف عن الحفر"، لكن القادة الأوروبيين لا يتوقفون عن الحفر، فقد انخفض الإنتاج الصناعي في عدد من الدول الأوروبية ورحلت المصانع إلى غير رجعة، وهناك كثير من الصناعات التي تعاني بسبب ارتفاع أسعار الطاقة من جهة، والقوانين البيئية من جهة أخرى، وكذلك هجرت الشركات الكبرى في بريطانيا بحر الشمال وتضاءلت الطاقة التكريرية الأوروبية، وهذا يعني زيادة الاعتماد على الواردات مما يعرض أمنها للخطر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مشكلة ترمب أنه وفريقه لا يحسبون حساباً لردود الفعل على سياساتهم، فبسبب الحروب التجارية والتهديد المستمر بفرض ضرائب جمركية عالية، وبسبب رغبة ترمب في السيطرة على غرينلاند وضمها للولايات المتحدة على حساب أوروبا، نجد الآن رد فعل من بعض قادة الاتحاد الأوروبي، ورد الفعل هذا يحدث تحت مظلة التخلص من الغاز الروسي، إذ قرر الاتحاد الأوروبي أمرين: التخلص من الوقود الأحفوري وتنويع واردات الغاز المسال، وكلا الأمرين رد فعل غير مباشر على تصرفات ترمب، وقد يحذو الاتحاد الأوروبي حذو الصين عبر التركيز على موارد الطاقة المحلية مهما كانت الكُلف لأن الأمر متعلق بالأمن القومي، ولكن بسبب التوجهات المناخية سيقوم الاتحاد الوربي بالتركيز على طاقة الرياح والطاقة الشمسية والتوسع فيهما بصورة كبيرة، وسيجري التخفيف من حدة التقطع بالتركيز على بطاريات التخزين، وهي ليست اقتصادية حتى الآن، ولكن الحكومات ستدعمها تحت غطاء الأمن القومي، وفي الوقت نفسه سيتقوم بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا، ببناء مفاعلات نووية وبيع الكهرباء للدول الأوروبية الأخرى، وسينتج من هذه التطورات انخفاض الاعتماد على الغاز الطبيعي ومن ثم انخفاض الاعتماد على الغاز المسال الأميركي، لكن هل سيترك ترمب الاتحاد الأوروبي يتصرف بهذه الطريقة؟ الزمن كفيل بالإجابة.
خلاصة الأمر أن الاتحاد الأوربي في مأزق طاقي كبير، ويبدو أن رد الفعل على تصرفات ترمب سيجعل هذه الدول تنظر إلى إمدادات الطاقة على أنها مرتبطة بالأمن القومي، وبما أنها تركز على المناخ فستركز على طاقة الرياح تحديداً، وبخاصة البحرية، على رغم ارتفاع كلفها، ثم ستركز على بطاريات التخزين على رغم ارتفاع كُلفها أيضاً، وهذا سيرفع كُلف الطاقة بصورة كبيرة ويدمر ما بقي من الصناعات الأوروبية، إلا إذا تحول الاتحاد الأوروبي إلى حُكم مماثل للحُكم في الصين.