Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تميل إدارة ترمب إلى الحل العسكري مع إيران؟

ضعف طهران ووقف التهديد النووي والفرص الاقتصادية وتعقيد الحسابات الصينية

حاملة الطائرات الأميركية "جيرالد آر فورد" (أ ب)

ملخص

من شأن توجيه حملة عسكرية حاسمة أن توقف التهديد المستمر للبرنامج النووي الإيراني، فبينما كانت الضربات الأميركية التي شُنت في يونيو 2025 على المنشآت النووية الإيرانية ضرورية لعرقلة أي تقدم إيراني فوري نحو امتلاك سلاح نووي، إلا أنها لم تؤخر على ما يبدو جهود إيران إلا لبضعة أشهر، وصرح مسؤولون إيرانيون بالفعل بأنهم سيواصلون برنامجهم النووي، إضافة إلى أن جهود طهران الأخيرة لتحصين المنشآت تحت الأرض تشير إلى رفضها التخلي عن طموحاتها النووية.

مع بدء جولة ثانية من المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جنيف غداً الثلاثاء تظل احتمالات المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران معلقة، لكن تحقيق اختراق استراتيجي من هذه المحادثات التي يتوقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تحسم خلال الشهر المقبل، يبدو أمراً مستبعداً من دون تنازلات جوهرية خاصة في ما يتعلق بالصواريخ الباليستية لإيران والدعم الذي تقدمه لشبكتها الإقليمية، وهذا يعني أن الدبلوماسية قد تتعثر أو تنهار تماماً، فماذا سيفعل ترمب الذي يواصل تعزيز قواته العسكرية؟ ولماذا تميل إدارته منذ الآن إلى تصعيد لهجتها والتلويح بأن الحل العسكري هو الحل الأفضل؟

فرصة أخرى للدبلوماسية

لا يعني استئناف المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران الثلاثاء في جنيف استبعاد العمل العسكري الأميركي، لكنه يعني منح الدبلوماسية فرصة ثانية للعمل قد تمتد لمدة شهر كامل، والذي حدده الرئيس ترمب للتوصل إلى اتفاق بين الجانبين. 

وبينما ينتظر أن يتطرق اجتماع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوساطة عُمانية، إلى تفاصيل أكثر حول تنازلات إيران في الملف النووي، بما في ذلك تخفيف تركيز اليورانيوم عالي التخصيب الذي يبلغ 440 كيلوغراماً، مقابل رفع العقوبات التي تلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد، يظل القادة الإيرانيون متمسكون بموقفهم القديم بأن المحادثات يجب أن تركز فقط على برنامجهم النووي من دون أي يشمل ذلك الصواريخ الباليستية والدعم الذي تقدمه طهران لشبكتها الإقليمية، فضلاً عن رفضهم المطلب الأميركي بالتخصيب الصفري، أي انعدام التخصيب.

الإبقاء على عدم التوازن

لكن في حين يعتقد البعض في واشنطن أن القادة الإيرانيين لن يكون لديهم حافز للتوصل إلى حل حقيقي إذا اعتقدوا أن التصعيد العسكري أصبح حتميا كما يقول روبرت مالي، كبير المفاوضين في إدارتي باراك أوباما وجو بايدن بشأن الملف النووي الإيراني، أبلغ ويتكوف وكوشنر، الرئيس ترمب أن التاريخ يظهر صعوبة، إن لم يكن استحالة، للتوصل إلى اتفاق جيد مع إيران، كما زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقائه الأخير مع الرئيس الأميركي في واشنطن، أنه حتى في حال توقيع الإدارة الأميركية الحالية اتفاقاً مع طهران، فإن إيران لن تلتزم به. 

ومع ذلك، لا يزال ترمب يعتقد بوجود فرصة للتوصل إلى اتفاق مع إيران، ويريد تجريب إذا كان ذلك الاتفاق يمكن التوصل إليه حقاً، على رغم أنه هو نفسه الذي أمر في يونيو (حزيران) الماضي، بقصف مواقع عسكرية إيرانية قبل يومين من الموعد المقرر لجولة جديدة من المفاوضات النووية بين البلدين، مما يعني أنه ربما يكون هذا التكتيك الذي يستخدم للمرة الثانية، هو عملية محكمة لإبقاء إيران في حالة عدم استقرار وعدم توازن، أو فرصة جيدة للحصول على تنازلات كبيرة قبل العودة إلى الضربات العسكرية إذا فشلت المحادثات في تحقيق النتيجة المرجوة. 

لكن يبقى تحقيق اختراق استراتيجي من هذه المحادثات، التي يتوقع الرئيس ترمب أن تحسم خلال الشهر المقبل، أمراً مستبعداً من دون تنازلات جوهرية من أحد الطرفين. 

 

خياران عسكريان

مع تأكيد إيران أن برنامجها للصواريخ الباليستية والدعم المادي والمعنوي والتسليحي الذي تقدمه لشبكتها الإقليمية من الوكلاء غير قابلين للتفاوض، وهما المجالان اللذان تطالب فيهما إدارة دونالد ترمب بتنازلات جذرية، يصبح تعثر الدبلوماسية أو انهيارها تماماً أمراً مرجحاً بدرجة كبيرة، مع توافر بديلين فقط أمام الرئيس الذي يواصل تعزيز قواته العسكرية في المنطقة.

يتمثل البديل الأول في توجيه ضربة عسكرية محدودة ضد مواقع الحرس الثوري وقوات الباسيج، بهدف الوفاء بوعد ترمب السابق للمتظاهرين الإيرانيين، وتنفيذ العواقب التي نصح بعدم تجاوز خطها الأحمر وهو قتل المتظاهرين، ومن ثم إجبار إيران على العودة إلى المفاوضات من موقف أضعف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن يُعتقد أن مثل هذه الضربة سيكون لها تأثير محدود في حسابات النظام الإيراني، ولن تضمن مواجهة عسكرية يمكن السيطرة عليها أو التحكم فيها، إذا نفذت طهران تهديداتها السابقة بشن هجمات انتقامية واسعة وشاملة على القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، رداً على أي ضربة يوجهها الأميركيون إليهم، وأنها لن تكرر السيناريو الذي شهده الجميع في الصيف الماضي، حين ردت إيران على تدمير منشآتها النووية الثلاث في نطنز وفوردو وأصفهان بهجوم محدود ومتناسب ومتفق عليه مع الولايات المتحدة على قاعدة العديد الأميركية في قطر.

أما الخيار الثاني فيتمثل في حملة أوسع نطاقاً تستهدف إحداث تغييرات جوهرية في حسابات النظام الإيراني، مثل قبول قيود صارمة على مدى وإنتاجية صواريخه الباليستية ونشاط وكلائه في الشرق الأوسط، أو حتى إحداث تغيير جذري في النظام، والذي صرح به ترمب علناً قبل أيام قليلة، معتبراً أن هذا سيكون أفضل ما يمكن عمله.

لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب من الولايات المتحدة، حملة عسكرية مستدامة ومنسقة جيداً، مدعومة من إسرائيل، بما يدفع النظام الإيراني إلى الاختيار بين خيارين أحلاهما مُر: إما تجرع كأس السم والموافقة على هدنة أو اتفاق مُذل بشروط الخصم من أجل بقاء النظام، مثلما فعل الخميني لإنهاء الحرب مع العراق في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، أو مواجهة صراع عسكري مرير يهدد وجود النظام ذاته. 

 

أسباب تفضيل العمل العسكري 

على رغم أن السعي إلى تغيير النظام في إيران ينطوي على أخطار جسيمة، بما في ذلك احتمال حدوث تفكك داخلي وظهور فصائل مسلحة متنازعة على السلطة، أو حتى اندلاع حرب أهلية شاملة، إلا أنه من وجهة نظر الفريق الأوسع من مساعدي دونالد ترمب من الجمهوريين التقليديين ومؤيدي إسرائيل، فإن المكاسب المتحصلة من إحداث تغيير جوهري في النظام أو حتى القضاء على الجمهورية الإسلامية تفوق الأخطار الأخرى إذا كان البديل هو إيران أكثر جرأة وعزيمة.

يرى هؤلاء عديداً من الأسباب الاستراتيجية التي تجعل الحملة العسكرية الحاسمة هي الخيار الأمثل، وأول هذه الأسباب، أن اللحظة الحالية تعد فرصة سانحة لا مثيل لها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، إذ إن إيران في أضعف حالاتها منذ ثورة 1979 بعد الاحتجاجات الأخيرة التي أظهرت انفصال الشعب عن الحكومة والضجر الشعبي الواسع من النظام في ظل التضخم الهائل وأزمة المياه وتفشي الفساد.

ضعف قدرات إيران 

أدت حرب إيران مع إسرائيل التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية رغم محاولات النظام استعادة جزء منها وتحسين قدرات الدفاع الجوي وشراء طائرات قتالية أفضل، لكن مع ذلك، لا تزال قدرات إيران العسكرية عموماً، أقل مما كانت عليه قبل الصيف الماضي.

يضاف إلى ذلك، التدهور الكبير في قوة شبكتها المسلحة في المنطقة، فقد ضعفت قدرات "حزب الله" اللبناني بشدة بعد الضربات الإسرائيلية لقياداته ونقاط قوته في الجنوب اللبناني، كما تلاشت قوة حركة "حماس" تقريباً بعد عمليات عسكرية إسرائيلية غير متكافئة، ولم تعد لها قدرة على شن هجمات صاروخية مؤثرة على الأراضي الإسرائيلية مثلما كانت تفعل في السابق، وعانى الحوثيون من هجمات إسرائيلية وأميركية على قياداتهم ونقاط الموانئ والاقتصاد مما سبب إرهاقاً متزايداً لهم، على رغم احتفاظهم حتى الآن بقدر كبير من قدراتهم على إطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل وخطوط الملاحة الدولية عند باب المندب، لكنهم أيضاً أقل مما كانوا عليه قبل عامين. 

يعني هذا بالنسبة إلى الصقور الداعين للحرب في الولايات المتحدة، فشل العقيدة الدفاعية الإيرانية التي تتكون من برنامج نووي، وقوة تقليدية، وشبكة وكلاء إقليمية، في ردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن توجيه ضربة لها، وقد يكون توجيه حملة عسكرية حاسمة ضد النظام مفتاحاً لدفع الدول المدعومة من إيران، مثل لبنان والعراق للتقارب مع الغرب وتحسين فرص توسيع "اتفاقات أبراهام"، بحسب تقرير نشره المجلس الأطلسي في واشنطن.  

وقف التهديد النووي

من شأن توجيه حملة عسكرية حاسمة أن توقف التهديد المستمر للبرنامج النووي الإيراني، فبينما كانت الضربات الأميركية التي شُنت في يونيو على المنشآت النووية الإيرانية ضرورية لعرقلة أي تقدم إيراني فوري نحو امتلاك سلاح نووي، إلا أنها لم تؤخر على ما يبدو جهود إيران إلا لبضعة أشهر، وصرح مسؤولون إيرانيون بالفعل بأنهم سيواصلون برنامجهم النووي، كما أن جهود طهران الأخيرة لتحصين المنشآت تحت الأرض تشير إلى رفضها التخلي عن طموحاتها النووية.

وربما يؤدي غياب الرقابة الحالية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى السماح للنظام الإيراني باستخدام التخصيب كأداة ذات غرضين، إما لضمان نفوذ علني ودبلوماسي وردع أي عمل عسكري أميركي مستقبلاً، أو استخدامه سراً كتأمين من أجل بقاء النظام.

تعقيد الحسابات الصينية

قد يؤدي تغيير النظام الإيراني بنظام مختلف إلى دمج احتياطيات إيران الهائلة من الطاقة في الأسواق الغربية، بخاصة أن إيران تتبوأ المركز الثاني عالمياً ضمن أكبر احتياطيات غاز، والمركز الثالث كأكبر احتياطيات نفط في العالم، مما يتماشى مع رؤية الإدارة الأميركية لتوسيع نطاق سيطرة الولايات المتحدة إلى موارد الطاقة كعنصر أساس في سياستها الخارجية.

ومن المتوقع أن يؤدي الجمع بين إطاحة الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا وتغيير النظام في إيران إلى زعزعة أمن الطاقة الصيني بشدة، إذ تعتمد بكين على كلا البلدين في ما يصل إلى 30 في المئة من وارداتها النفطية نظراً لأسعارهما المنخفضة، ومن المرجح أن يؤدي تعقيد الحسابات الاقتصادية الصينية في أمن الطاقة، إلى تعزيز جهود الولايات المتحدة الأخرى تجاه الصين، مثل منع نشوب صراع شامل في مضيق تايوان. 

مصالح مستقبلية مع إيران

تنظر الولايات المتحدة بعين مفتوحة على مصالحها المستقبلية في إيران، إذ تشير الإخفاقات الداخلية التي تسبب بها النظام، وتحديداً التضخم المفرط، وندرة المياه، والفساد المستشري إلى جانب التظاهرات الأخيرة، إلى أن النظام في حالة تدهور حاد، ومن ثم فإن انتظار انهيار النظام بصبر مع المراقبة من بعيد، ليس استراتيجية مستدامة لتعزيز مصالح الولايات المتحدة الإقليمية. 

بدلاً من ذلك قد يتيح استخدام القوة العسكرية للولايات المتحدة إدارة الموقف بفعالية، وضمان بيئة مواتية لما بعد سقوط النظام، مع حرمان روسيا والصين من فرصة استغلال الفراغ السياسي في إيران، وهذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستحتاج إلى وجود عسكري دائم على الأرض كما كان الحال في العراق، بل ستتجه إلى دعم جماعات المعارضة التي قد تشكل بديلاً للنظام الحالي اقتصادياً ودبلوماسياً، وتساند جهودها لإحداث تغيير إيجابي في البلاد، مما يفتح مزيداً من الآفاق أمام فرص اقتصادية واسعة للولايات المتحدة في العديد من المجالات، وهو ما يفسر لماذا تحدث مسؤولون إيرانيون قبيل جولة المفاوضات القادمة في جنيف عن فرص اقتصادية لأميركا في إيران الحالية مقابل رفع العقوبات واقتصار المفاوضات على الملف النووي.  

الصدقية الأخلاقية

على رغم أن الجهود الدبلوماسية الحالية تمنح الأولوية للملف النووي، متجاهلة قمع النظام الوحشي للمتظاهرين، والذي أوصل التوترات الحالية إلى ذروتها، فإن التقارير الإيرانية الرسمية بمقتل 3117 متظاهراً مقابل تقديرات أخرى تراوح ما بين 6000 وأكثر من 30 ألف قتيل، تسلط الضوء على وعد ترمب بإنقاذ الشعب الإيراني، وتفرض عليه إثبات أن وعده ليس مجرد كلام، بل دليل على القيادة الأخلاقية للولايات المتحدة، بينما تشكل المفاوضات الأميركية الإيرانية مكسباً ثميناً للنظام، إذ توفر له شريان حياة هو في أمس الحاجة إليها لتخفيف العقوبات وتعزيز شرعيته الداخلية والدولية. 

ومن المرجح أن يخاطر عدم استخدام القوة العسكرية والصدام المباشر، بمقارنته بـ"الخط الأحمر" الذي وضعه باراك أوباما في سوريا عام 2013، حيث لم يرد أوباما عسكرياً على نظام بشار الأسد بعدما استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، وهو ما وصفه أوباما آنذاك بأنه "خط أحمر".

وهكذا، يفترض دعاة الحرب والصقور في الإدارة الأميركية أن الحرب الواسعة هي الخيار الأفضل لاستعادة صدقية الردع الأميركي وإجبار إيران على إجراء تغييرات جذرية أو المخاطرة ببقاء النظام، وأن عملية دبلوماسية مطولة قد تنتهي باتفاق سيئ وإيران أكثر جرأة.

 ومع ذلك يبدو أن ترمب لايزال ينتظر نتائج إيجابية من المفاوضات، وقد تكون مهلة الشهر التي منحها للإيرانيين هي المهلة الأخيرة، بعدها سيقرر الرئيس الأميركي من واقع مسؤولياته وحسابات المخاطرة المتوفرة لديه من أجهزة الاستخبارات الأميركية والبنتاغون والخارجية وغيرها من الأجهزة، ما إذا كان إبرام اتفاق جديد مع إيران هو الأفضل، أم توجيه ضربة عسكرية محدودة أو واسعة النطاق. 

المزيد من تقارير