ملخص
الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة كان لها وقع أكثر تأثيراً من أعباء الماضي في رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومع ذلك فإن قراراتهما المصيرية سلطت الضوء على الأدوار الملتبسة لدولتيهما في منطقة كثيراً ما تنازعتا فيها على النفوذ.
في الحديث عن قرار الاعتراف بدولة فلسطين استشهد كل من وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا بالتاريخ لدعم هذه الخطوة التي تأتي بعد عقود من التنافس المحموم على النفوذ بينهما، الذي يعتبره مؤرخون سبباً في إدخال الشرق الأوسط إلى دوامة من النزاعات المعقدة. فمن منبر الأمم المتحدة، قال ديفيد لامي إن البريطانيين يعترفون بفلسطين "ويد التاريخ على أكتافهم"، مستعيداً "وعد بلفور" الذي نشأت معه القضية الفلسطينية. أما نظيره الفرنسي جان نويل بارو فقال إن قادة بلاده منذ شارل ديغول يدعون إلى إنهاء الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على أساس اعتراف كل دولة بالأخرى.
لكن ما لم يتحدث عنه الوزيران هو دور بريطانيا وفرنسا الجدلي في اتفاقية "سايكس بيكو" لعام 1916، المعاهدة السرية التي قسّمت أراضي المشرق التابعة للإمبراطورية العثمانية إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية، إذ لفت الكاتب مارك لاندلر إلى أن القوتين الأوروبيتين تجاهلتا تلك الاتفاقية التي يُستشهد بها كمثال على "الغطرسة الإمبريالية الغربية"، ويرى كثير من العرب بأنها زرعت بذور صراعات دموية في الشرق الأوسط.
وأقر لاندلر في تحليل نشرته "نيويورك تايمز" بأن الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة، من مجاعة الأطفال وقيود إسرائيل على وصول المساعدات، إلى حوادث قتل الفلسطينيين أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء، كان لها من دون شك وقع أكثر تأثيراً من أعباء الماضي في رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومع ذلك فإن قراراتهما المصيرية سلطت الضوء على الأدوار الملتبسة لدولتيهما في منطقة كثيراً ما تنازعتا فيها على النفوذ.
ووصف أستاذ التاريخ الحديث في جامعة أكسفورد يوجين روغن الاعتراف الفرنسي والبريطاني بفلسطين بأنه تصحيح لأخطاء الماضي، مشيداً بهذه الخطوة لأسباب ترتبط بالماضي والحاضر على حد سواء، فوفقاً له، تفتح إسرائيل، بسلوكها الحالي، الباب أمام تخيير الفلسطينيين بين التهجير من غزة أو ما هو أسوأ. أما الاعتراف بالدولة الفلسطينية فهو في صالح إسرائيل أيضاً كونه يمهد الطريق لـ"شكل من أشكال التعايش المستدام"، بحسب تعبيره.
الشق الثاني من وعد بلفور
لمح وزير الخارجية البريطاني في كلمته أمام الأمم المتحدة بأن الاعتراف بدولة فلسطينية يعد تصحيحاً لظلم تاريخي تعرض له الفلسطينيون بعد "وعد بلفور" الذي أيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقد تضمن الإعلان شرطاً مفاده عدم المساس بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين، وهو الشرط الذي لم يتحقق بشهادة الوضع الحالي في غزة، فبعد 21 شهراً من الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على القطاع، قال لامي إن لبريطانيا "مسؤولية تجاه السكان الفلسطينيين المضطهدين منذ زمن طويل".
ولفت روغن، الذي ألّف كتباً عن تاريخ العرب ووعد بلفور بأن حجة وزير الخارجية البريطاني تتمثل في أن الوقت قد حان للوفاء بالشق الثاني من ذلك الوعد، وأضاف "في زمن وعد بلفور كانت بريطانيا إمبراطورية عالمية، لم يكن يخطر في بالها عام 1917 أنها قد تفقدها يوماً ما. أما ديفيد لامي فيعمل اليوم في بريطانيا ما بعد الاستعمار، وما بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لكنه يستخدم التاريخ كأداة لمنح شرعية لقراره".
وفيما صرح وزير الخارجية البريطاني بأن بلاده فخورة بمساهمتها في إرساء أسس وطن قومي للشعب اليهودي، إلا أن روغن قال إن "الدافع البريطاني لدعم الكيان الذي أصبح لاحقاً إسرائيل لم يكن أخلاقياً بقدر ما كان إستراتيجياً، فقد كانت بريطانيا تبحث عن مجتمع حليف في فلسطين يمنع سقوط الإقليم في أيدي أعدائها، وكانت تخشى أن يُستخدم كمنصة انطلاق لهجمات على قناة السويس التي كانت تخضع آنذاك للسيطرة البريطانية".
وتراجعت بريطانيا لاحقاً عن موقفها المؤيد للصهيونية عندما وجدت صعوبة في التوفيق بين قيام دولة يهودية والحفاظ على علاقاتها مع العالم العربي، فاقترحت في الوثيقة المعروفة باسم "الورقة البيضاء" لعام 1939، إقامة وطن قومي لليهود ضمن دولة فلسطينية مستقلة ذات أغلبية عربية، مع تقييد عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين بـ75 ألفاً لمدة خمسة أعوام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
معارضة إسرائيلية
نددت حكومة بنيامين نتنياهو بالاعتراف البريطاني والفرنسي، وسعى مسؤولون سابقون مثل مايكل أورن الذي عمل سفيرا لإسرائيل في واشنطن إلى التقليل من القرار، قائلاً إنه "لن يسرع إنهاء الصراع في غزة بل سيطيله"، وأضاف بأن "هذه القوى كانت فاعلة في المنطقة وتريد اليوم أن تشعر بأنها لا تزال كذلك".
ويرى آخرون أنه لو لم يكن لتلك الخطوة أي تأثير لما استدعت ردود الفعل الغاضبة التي أبدتها حكومة نتنياهو والمسؤولون الإسرائيليون، فمع انضمام بريطانيا وفرنسا إضافة إلى كندا ومالطا، اللتين أعلنتا الأسبوع الماضي أنهما ستدعمان الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) المقبل، أصبح أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء الأمم المتحدة الـ193 يعترفون بالدولة الفلسطينية.
وأوضحت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن فرنسا لديها مصلحة أقل مباشرة في فلسطين مقارنة ببريطانيا، بعدما تخلت عن مطالبها بموجب اتفاقية "سايكس – بيكو"، إلا أن اعترافها يمثل تحولاً مصيرياً جديداً في علاقتها بإسرائيل.
ومن عام 1945 إلى 1967 كانت فرنسا أكبر داعم غربي لإسرائيل، ويرتبط ذلك جزئياً بتجربتها مع تداعيات الاستعمار، ففي عام 1954 لاقت الانتفاضة التحررية في الجزائر دعم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، فرأت فرنسا في إسرائيل سداً منيعاً في وجه عبدالناصر، فتقاربت معها، ومدّتها بمقاتلات "ميراج"، والتكنولوجيا النووية التي شكّلت أساس برنامجها النووي غير المُعلن، لكن التحول بدأ في عام 1967، فبعدما شنت إسرائيل ضربة عسكرية ضد مصر، فرض الرئيس الفرنسي شارل ديغول حظراً على بيع الأسلحة لإسرائيل وبدأ في توجيه بوصلة باريس نحو الدول العربية.
ومهد هذا التحول في السياسة الفرنسية إلى صعود أميركا كأقرب حليف غربي لإسرائيل، حين دعمتها في حرب 1967، في حين مدت فرنسا يدها للفلسطينيين وأصبحت بعد ذلك أول دولة غربية تُقيم علاقات وثيقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الدولي للفلسطينيين، التي يقودها اليوم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
ويقول السفير الفرنسي لدى إسرائيل بين 2003 و2006، جيرار آرو، إن ذلك التحول ترك أثراً لا يمحى، مشيراً إلى أنه كان يشعر دائماً بوجود انطباع داخل الدوائر الإسرائيلية الرسمية مفاده "لا تثقوا بالفرنسيين".
ويرى آرو أن "فرنسا وبريطانيا لم تُدركا أن زمن الاستعمار قد انتهى، وتصرفتا وكأنهما لا تزالان تملكان كل النفوذ"، في حين أوضح مؤرخون بأنه إذا كانت الدولتان تعتزمان الاعتراف بدولة فلسطينية، فعليهما أيضاً الاعتراف بتراجع نفوذهما في منطقة كانتا تحكمانها ذات يوم، بعد عقود من تقسيم مهندسي "سايكس – بيكو" الشرق الأوسط، مما خلف تداعيات ملموسة لليوم، وفق "نيويورك تايمز".